مواقف وأحوال – رجل يُستشهد بين الصلاة وقراءة القرآن


رحمك الله يا ذا النورين، كم في حياتك من المواقف الجليلة، والأحوال الصادقة، وإن من أعجب مواقفك، وأصدق أحوالك، حال استشهادك!.

إن عثمان -أيها السادة- مات في بيته، وبين أهله، ولكنه مات شهيدا، لقد ظلم عثمان رضي الله عنه ظلما شديدا، وولغ في دمه شباب فجرة، واعتدى عليه فسقة جهلة، فقتلوه رضي الله عنه، لكن على أي حال استشهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه!.

كان لعثمان رضي الله عنه طيلة أيام الحصار مفزعان يفزع إليهما، وبابان يدخل على ربه منهما، ويتحدى المجرمين من خلالهما. أما أولهما فالصلاة، وأما ثانيهما فقراءة القرآن في المصحف الشريف!.

كان عثمان يؤنس وحدته بالصلاة، ويطرد وحشته بكتاب الله، وما كان يلقي بالا لأولئك الأوباش من الناس، وقلبه مطمئن بالله، قال ابن كثير رحمه الله في معرض حديثه عن مقتل سيدنا عثمان رضي اله عنه >…ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إ لى بيوتهم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب ومن الجدران، وفزع عثمان إلى الصلاة، وافتتح سورة طه، فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة إلى عنده… ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف، وهو يتلو هذه الآية : {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}<(1).

وقال ابن كثير أيضا : “وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى : {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} ويرى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة، أيضا حين دخلوا عليه، وليس ببعيد، فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن”(2).

هكذا استشهد عثمان  -أيها السادة- وهو يقرأ القرآن، والمصحف بين يديه، وقد فرغ من الصلاة لتوه، وذلك يعني -من بين ما يعني- أن سيدنا عثمان رضي الله عنه لم يكن حاضرا في بيته إلا بجسمه، أما روحه فقد كانت في علياء، وما كان دخولهم عليه، وعزمهم على قتله بالشيء الذي يمكن أن يهتم به عثمان، فهو عنده أمر تافه لا يأبه له ، ولا يستحق أن يشغل به باله، أو يغير من أجله برنامجه، وينزل من عليائه التي صنعها الإيمان، ورباها القرآن، وسقتها الصلاة.

إن عثمان بصلاته وقراءته القرآن كان مع الله بروحه، ومع الناس بجسمه، فلا قيمة لهذا الجسم إلا بمقدار ما خدم القرآن! وإلا فهو كتلة من اللحم والعظام، إن تأكلها الديدان اليوم أكلتها غدا، قال ابن كثير رحمه الله “ثم دخل عليه آخر -من أولئك الأشقياء- ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل إنه أبانها، وقيل إنه قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال : “والله إنها أول يد كتبت المفصل”(3) فالذي يذكره عثمان رضي الله عنه من أمر يده إنما هو عملها الذي قامت به في خدمة القرآن. أما كونها يده فلا يهم، وأما ألم قطعها فلا قيمة له، ليس لأن سيدنا عثمان رضي الله عنه لا يحس ولا يشعر، وإنما لأن الرجل يحس بحلاوة قرآنية أقوى من الآلام، ويشعر بلذة تعبدية أعظم من قطع يده، إنها لذة الصلاة وحلاوة القرآن.

وهذا ما نحتاجه اليوم أيها السادة، وبالجد والصدق سنبلغ كما بلغ هؤلاء الأخيار رحمهم الله.

ذ. امحمد العمراوي

——-

1- البداية والنهاية 7/185  //2- البداية والنهاية 7/183

3- البداية والنهاية 7/185

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *