دور الأم في صلاح المجتمع


لا يكاد يختلف أحد سواء كان من المثقفين أو من الأميين على أهمية الأسرة وضرورتها في الحياة، فهي تعتبر نظاما اجتماعيا كاملا بجزئياته وآلياته الخاصة به، نظام صغير جدا يؤثر تأثيرا بليغا على صعيد الفرد والمجتمع، فهو الميزان والمقياس لمعرفة طبيعة المجتمع وحالته الاجتماعية، ومن خلاله يتسنى للدارسين الحكم على هذا المجتمع بالصلاح والنجاح أم بالفساد والضياع.

هذا النظام أو المجتمع الصغير يعبر بحق عما يعيشه المجتمع الكبير، فما تؤكده الدراسات والأبحاث وخصوصا الأسرية منها أن العلاقة بين الأبوين والأطفال لها تأثير عميق في نمو شخصيات الأبناء وظهور ميولاتهم على صعيد لغوي وعقلي واجتماعي ونفسي وانفعالي كذلك، فكل فعل يقوم به الإبن ينسب للأب إن لم يكن من جهة التربية كان من جهة النسب، وقد قال العرب قديما “هذا الشبل من ذلك الأسد” وإن كنا لا نسلم بذلك إذ المرجع الأصل لانفعالات الأبناء هي الأم بالأساس وليس الأب كما يتوهم البعض.

فالمجتمع هو عبارة عن مجموعة من الأسر الصغيرة أو بعبارة أخرى هو عبارة عن مجموعة من التأثيرات سواء الإيجابية أو السلبية، الصادرة عن مجموعة من الأفراد يشكلون وحدات صغيرة في المجتمع الكبير، هذه التأثيرات وإن كانت صادرة من وحدات صغيرة جدا في المجتمع يمكن أن تمثل الوحدة فيها من ثلاثة أطراف فقط (أب، أم، ولد أو بنت) لها نصيب كبير في توجيه دفة المجتمع إما إلى الأمام أو إلى الخلف، فبعد دراسة معمقة قام بها بعض الدارسين تبين أن جنوح الأحداث للقتل أو السرقة أو الإفساد بشكل عام هو عبارة عن نتيجة أو ثمرة لطبيعة التربية التي تلقاها هذا الحدث، فالعصاب الطفلي مثلا (infantile neurosis) قد يكون نتيجة لما تتعرض له علاقة الطفل الصغير بأمه من إعاقة أو اضطراب خلال مراحل تكوين الذات ونموها وفي حالات كثيرة يشتد اضطراب العلاقة بين الصغير وأمه فتشتد الإعاقة وتصل إلى مرحلة الذهان الطفلي (infantile psyophosis)، وأكدت الدراسة على أن اللحظات التي ينفصل فيها الطفل عن ملاصقة صدر الأم أو يستقل فيها بالحركة والنشاط على بعد منها تعتبر ضرورية وخطيرة في آن واحد لنمو الذات أو نمو الاستقلال الذاتي، هذا الاستقلال إن لم يجري في جو آمن فإن الأم تبعث إلى المجتمع بشخص معقد يزيد في تعقيد المجتمع وقابل للتحول السلبي في أي وقت يتعرض فيه للضغط النفسي كالقهر أو الفقر أو عدم القبول في المجتمع، لذلك فالأم في هذه المرحلة تلعب دورا خطيرا جدا في تشكيل المجتمع وصقل واجهته الرئيسية، فالفترة التي يتم فيها الفصل بين الأم وابنها تكون الذات أو ولادة الذات ونمو الاستقلال الذاتي في العامين الأول والثاني من عمر الطفل من أخطر المراحل التي تمر بها العلاقة النفسية بين الطفل والأم وأبعدها أثرا فيما يتعرض له من اضطرابات أو ما يتمتع به من صحة نفسية في المستقبل.

لذلك فترشيد الأم على وجه الخصوص في الالتزام بأساسيات التنشئة الدينية والاجتماعية والنفسية للطفل يعتبر أمرا ذا أولوية خاصة، وكذلك في تحركاتها وتصرفاتها مع طفلها في مرحلة استقلاله الذاتي، فكل تصرف يصدر من الأم إن لم يكن تصرفا طبيعيا ينم عن الفطرة التي فطر الله عليها الجهاز الجسدي والنفسي للأم فإنه سيكون له تأثير بالغ على حياة الطفل ونفسيته، كأن تسرع الأم في فطم طفلها أو تأخيره على سبيل المثال وإلا فتصرفات الأم في هذه المرحلة عديدة يجب أن تراعى بنوع من الحذر والتفطن.

ذ. امحمد رحماني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *