بارقة – ما أكثر الاحتفال بميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما أقلَّ العمل بشريعة الله وسنة نبيه عليه السلام


أصبح مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسبة كبرى للاحتفالات والابتهاجات وربما كانت المناسبة أكثر من الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى وقد اندفع المسلمون غربا وشرقا إلى اتخاذ هذه الفرصة محطة كبرى للتغني بمدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا ونثرا وإنشادا وغناء بل واحتفالات في الشوارع والأحياء.

إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة بعد حب الله سبحانه وتعالى بالكتاب والسنة. وكان يقول لنا أحد علماء المغرب رحمه الله:” إن هناك آية في كتاب الله تزلزل كياني وتدخل في قلبي من الرعب ما لا يسمح لي بطيب العيش وراحة البال هي قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحَبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}(التوبة 9 / 24).

والتربص هنا انتظار عقوبة وأي عقوبة هي بمَنْ يؤثرون على حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم حُبَّ الأسرة والإخوان والأموال والتجارة والمساكن. يقول القاضي عياض رحمه الله في كتابه الشفا تعليقا على هذه الآية ” فكفى بها حضًّا وتنبيهاً ودلالةً وحجةً على إلزام محبته ووجوب فرضها وعِظَمِ خطرها واستحقاقِه لها صلى الله عليه وسلم إذ قرّع الله تعالى من كان مالُه وأهلُه وولدُه أحب إليه من الله ورسوله بقوله تعالى: {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} ثم فَسَّقَهم بتمام الآية أنهم ممن ضلّ ولم يهْدِه الله.

ويروي حديثا بالسند المتصل عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحَبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين<.

وحديث >ثلاث من كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما ….<وحديث >لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه< وقول عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم >والذي أنزَلَ عليك الكتاب (لأنت أحبّ إليّ من نفسي التي بين جنبي) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: >الآن يا عمر<.

والمحبة لرسول الله تقتضي محبة سنته واتباعها والذّود عنها والدعوة إليها ومناصرة من يعمل على نصرتها والحرص على نشرها بين الأمة ومكافحة الجهل بها والالتزام بتطبيقها وتجنب البدع المنهي عنها بل محاربة كل ما يلصق بالإسلام منها.

ومن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حبّ عترته وآله المناصرين لرسالته والملتزمين بأخلاقه والداعين لدينه والمجاهدين حفظا على أمته والموالين لمن والاه والمحاربين لمن حاربه وعاداه والعاملين بكتاب الله الذي أُرْسِلَ به وتطبيق سنته والسير على هديه ومحبة صحابته، أما إذا كانوا يحاربون الله وسنة رسول الله ويساندون أعداء الله في حربه على الإسلام والمسلمين فيُلْحَقون بأبي لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يحارب دعوته ويكفر بنبوته هو وامرأته حمالة الحطب التي في جيدها حبل من مسد.

إن أكبر احتفال برسول الله صلى الله عليه وسلم هو في الاتباع لا في الابتداع وفي إقامة الشرع الذي أرسى قواعده لا في نقضه وطمس معالمه، وفي نصرة أمته لا في محاربتها ومشاركة أعداء الإسلام في الفتك بها وتشريد شعوبها ونهب خيراتها وتبديد أموالها.

إن حقيقة الاحتفال برسول الله صلى الله عليه وسلم التي يفرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبح أموال المسلمين وثرواتهم في خدمة دينه ونشر أخلاقه وتطبيق أحكامه وإغاثة المسلمين الفقراء في إفريقيا وآسيا وغيرهما لا أن تكون مكدسة في بنوك من يحارب الإسلام والمسلمين، ولا أن تكون في نشر الفجور والموبقات عبر الفضائيات الكثيرة التي تخرب أخلاق الشباب وتقوض رجولتهم وتفتك بتماسك الأسرة الإسلامية التي تعتمد عليها أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي نحتفل اليوم بمولده.

وأن تُصْرَفَ أموالُ المسلمين في نشر العلوم والمعرفة، وفي إعداد رجال النهضة ونسائها وفي الارتقاء بمستوى القيادات والتسيير والتوجيه لا في التفاهات ومجالات الإسراف والتبذير.

إن حقيقة الاحتفال برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرى أمته قد توحّدتْ وجهاتها وتنافست جهودها في الخير وتآختْ شعوبها واختفت الفتن فيما بينها وتناصرت على الحق وتولى قياداتِ شعوبِها عقلاؤُها ومخلصُوها، وقد برئت وصحَّتْ من زعاماتِ السفهاءِ الداعين إلى الفرقة والتمزيق والفتن الخاضعين لإرادة المحاربين لله ولرسوله في كل مكان.

إن الاحتفال برسول الله صلى الله عليه وسلم يكون  مقبولا عند الله ورسوله ومن أهم ذلك أن يكون القائمون بالاحتفالات ضمن قول الله سبحانه تعالى : {محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم رُكَّعاً سُجَّداً  يبتغون فضلا من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرجَ شطئْهُ فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقِه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ليغيظ به الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً}(الفتح : 29).

{لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}( آل عمران : 104).  {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}(البقرة : 143).

وحينئذ يحتفل المسلمون بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم وبمبعثه صلى الله عليه وسلم وبهجرته صلى الله عليه وسلم وفتحه مكة المكرمة وبانتصارات أمته وانتشار دينه وبرفع ذكره وباختيار مؤلفين غير مسلمين من أمريكا- التي لا تَكِلُّ في محاربة أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم-  أول قائد عظيم للإنسانية جمعاء في تاريخ البشرية.

أ.د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *