ألم قلم – حفظ الله الأمـازيغ


زرت أكثر من بلد في إفريقيا وآسيا -ولا أريد أن أقول أوربا لاختلاف الثقافات والعادات والتقاليد بيننا وبينهم، فما أنساني ولو بلدٌ واحد بعض ما في المغرب من نبل وأخلاق، وخاصة خلق “الكَرم”.

وزارني أكثر من واحد من أكثر من بلد، فكاد أن ينْسَى كلّ ما في بلده بسبب خُلُق الكرم.

حينما ترِدُ غريبا/ضيفا على قرية من القرى أو بادية من البوادي، يبادرك أهلها بالترحيب وكرم الضيّافة، يقدمون لك أغلى ما عندهم، كل حسب طاقته وسعته وقدرته المادية. ويرى أنه قد نال بذلك فخراً وكرامةً وقدّم واجباً.

أيضا زرت أكثر من بلد في إفريقيا وآسيا، فما وجدت أكثر الناس حفظا للقرآن الكريم من المغاربة، يتلونه ورداً يوميا في المساجد بعد صلاتي الفجر والمغرب، ويتلونه تبركا في الولائم والمناسبات، والحافظ لكتاب الله (الفقيه) مُقَدّم مُقدَّر عند الجميع.

هكذا كان آباؤنا وأجدادنا، وعلى آثارهم بقية من الخلف على آثار السلف سائرون، لا يضرهم مَنْ خَالفهم أو وقف في طريقهم إلى يوم القيامة.

لم أجد تعليلا لهذا التميز الديني والاجتماعي إلا بوجود الأمازيغ الأشاوِس، فحَيث ما مررت بهم ابتداءً من سوس العالمة في الجنوب، مروراً بالأطلس العامرة في الوسط، وانتهاء بالريف العاملة في الشمال إلا ووجدت من يحيطك بكل أنواع الكرم، ولقد سبق أن كتبت في هذا العمود، ما حدثني به أحد الأصدقاء عن الكرم النادر الذي أتحفه به أحد الريفيين في إفطار رمضان.

وحين ما مررت بمناطق المغرب إلا ووجدت كتاب الله يُتلى، حتى ولو كنت على قمم جبال الأطلس أو الريف، أو هضاب سوس أو غيرها من المناطق.

وبفضل القرآن الكريم تنثال لغته على كل لسان، بل إن أمازيغ المغرب تميزوا عن العديد من الشعوب الإسلامية بالحفاظ على لغة القرآن والدفاع عنها، ودونوا نحوها بلغتهم حتى يتمكنوا منه عن قرب، فصار إتقانهم للسان العرب أسمى وأعلى من أن يجري على ألسنة العديد ممن يُحْسبون  على العرب أو ينادون بالعروبة.

وأحسب أن كل المغاربة، وغَيْر المغاربة كذلك يذكرون أسماءً علت في سماء الوطنية والجهاد والدفاع عن دين الوطن وكرامته ولغته ورفع راية العلم والعرفان من أمثال اليوسي وعبد الكريم الخطابي والمختار السوسي.

ولن أنسى وأنا صبي صغير، حينما اصطحبت والدي رحمه الله تعالى لزيارة أحد الأقرباء العائدين من أداء فريضة الحج، لقد التقطت أذناي الصغيرتان حينذاك، لقطة واحدة فقط، حينما قال الحاج : >إني التقيت هناك ببعض الحجاج الآسيويين، وحين قلت لهم إني من المغرب، سألوني : هل مغرب عبد الكريم؟ فقلت لهم نعم<.

وعجبت وأنا صبي حينذاك لماذا لا يعرف هؤلاء المغرب وهو رمز الحضارة الإسلامية في شمال إفريقيا، ووارث حضارة عدْوة الأندلس، فلم أدر الجواب إلا بعد أن درست بعد ذلك بزمان في المرحلة الإعدادية تاريخ المقاومة بالمغرب، ورغم أن مادة التاريخ كانت آنذاك تدرس بالفرنسية، فإن المدرس مع ذلك حاول أن يقرب إلى أذهاننا ما قدّمه رُواد المقاومة المغربية من أمثال عبد الكريم الخطابي وموحا أوحمو الزياني وغيرهما نَذَرُوا أرواحهم فداء للدين ثم للوطن ولغته وحضارته.

د. عبد الرحيم بلحاج

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *