نافذة على التراث – قصة غريبة


قصة غريبة

دخل عمرو بن معد يكرب الزبيدي على عمر  يوماً، فقال له: يا أبا ثور! أخبرني بأعجب ما رأيت، فقال: إني أخبرك يا أمير المؤمنين أني خرجت يوماً أريد حياً من أحياء العرب، حتى إذا ما كنت بواد يقال له بطن شريان، إذا أنا برجل مفترس أسداً قد أدخل رأسه في جوفه، وهو يلغ في دمه كما يفترس الأسد الناس والبهائم ويلغ في دمائهم، فهالني ذلك وراعني وظننته شيطاناً، ثم عاتبت نفسي، فصحت بالرجل، فوالله ما نهنه صياحي به حتى صحت به صيحة أخرى فلم يبال، فصحت الثالثة فرفع رأسه ونظر إلي وعيناه كالجمرتين، ثم أعاد رأسه في جوف الأسد احتقاراً لي، فوقفت أنظر إليه تعجباً منه، فأقبلت حية كان على طريقها تكون شبراً أو نحوه، فتعثرت به، فلدغته لدغة في منكبه كما كان باركاً على الأسد، فصاح منها صيحة ثم أطرق، فلم أره يتحرك كما كان قبل ذلك، فدنوت منه فإذا سيف له وقوس موضوعان، وفرس مشدود فأخذت سلاحه، فلم يتحرك فأممته ودنوت منه وضربت بيدي إلى ذراعيه فتبعتني والله يده من الكف فوقعت، فقلت: إن هذا للعجب، لا أبرح حتى أعلم علمه عند بعض من يمر فأسأله فإذا كلب رابض ناحية، فأقبلت السباع والنسور فحماه الكلب. فلما جن الليل انصرفت وتركته على هيئته فمضى لذلك زمن، فبينا أنا بسوق عكاظ في أيام الموسم في أجمع ما كان الناس، إذا امرأة تنشد الرجل فعرفت النعت والصفة، فقلت: أنا صاحب الرجل، وهذا سيفه وقوسه، قال: فقالت: يا عمرو!إنه لا يجمل بمثلك الكذب وأنت فارس قومك، فأسألك باللات والعزى إلا صدقتني، فخبرتها الخبر، فقالت: صدقت، وإنما كان يفعل ذلك لأن أسداً مرة عدا على أخ كان له يقال له صخر فأكله، فآلى على نفسه ألا يلقى أسداً إلا افترسه وولغ في دمه، وقال: إنما هو كلب، فسمى عمراً ذا الكلب، وأنا أخته الجنوب، وبكته في شعر لها.

    كرم حاتمي

وفد عبيد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان، فلما كان ببعض الطريق عارضته سحابة فأم أبياتاً من الشعر، فإذا هو بأعرابي قد قام إليه فلما رأى هيئته وبهاءه، وكان من أحسن الناس شارة وأحسنهم هيئة، قام إلى عنيزة له ليذبحها فجاذبته امرأته ومانعته، وقالت: أكل الدهر مالك ولم يبق لك ولبناتك إلا هذه العنيزة يتمتعون منها ثم تريد أن تفجعهن بها، فقال: والله لأذبحنها، فذبْحُها أحسنُ من اللؤم، قالت: إذن والله لا تبقي لبناتك شيئاً فأخذ العنيزة – وأضجعها، وقال:

قـرينتي لا توقظي بنـيه           إن توقظيها تنتحب عليه

وتنـزع الشفرة مـن يديه           أبغـــض بهـذا وبـذا إلـيه

ثم ذبح الشاة وأضرم ناراً وجعل يقطع من أطايبها ويلقيه على النار ثم يناوله عبيد الله ويحدثه في خلال ذلك بما يلهيه ويضحكه، حتى إذا أصبح عبيد الله وانجلت السحابة وهم بالرحيل قال لقيّمه: ما معك؟ قال: خمس مائة دينار، قال: ألقها إلى الشيخ، قال القيّم: جعلت فداك، إن هذا يرضيه عشر ما سميت وأنت تأتي معاوية ولا تدري على ما توافقه على ظاهره أم على باطنه، قال: ويحك إنا نزلنا بهذا وما يملك من الدنيا إلا هذه الشاة فخرج لنا من دنياه كلها، وإنما جدنا له ببعض دنيانا فهو أجود منا، ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حوائجه، فلما انصرف وقرب من رحل الأعرابي قال لوكيله: انظر ما حال صاحبنا، فعول إليه فإذا إبل وحال حسنة وشاء كثير، فلما بصر الأعرابي بعبيد الله قام إليه فأكب على أطرافه يقبلها، ثم قال: بأبي أنت وأمي، قد مدحتك وما أدري من أي خلق الله أنت ثم أنشده:

توسمتـه لـمـا رأيت مـهـابة

وإلا فمن آل المـرار فـإنـهـم

فقمت إلى عنز بـقـية أعـنـز

فعوضني منها غـنـاي وإنـمـا

üüüüü

عليه وقلت: المرء من آل هاشم

ملوك وأبناء الملـوك الأكـارم

فأذبحها فعل امرئ غـير نـادم

يساوي لحيم العنز خمس دراهم…

قال عبيد الله: قد أصبت وأنا من ولد العباس وأنا من آل المرار. فبلغت معاوية، فقال: لله در عبيد الله، من أي بيضة خرج، وفي أي عش درج، عبيد الله معلم الجود، وهو والله كما قال الحطيئة:

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا الـبـنـا      وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

وإن كانت النعمى عليهم جزوا بهـا     وإن أنعموا لا كدروها ولا كـدوا

> الجليس الصالح والأنيس الناصح للمعافى بن زكرياء

طــــــــــــــرف

دخل أحد النحويين السوق ليشتري حمارا فقال للبائع: “أريد حماراً لا بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر. إن  أقللت علفه صبر،  وإن أكثرت علفه شكر. لا يدخل تحت البواري، ولا يزاحم بي  السواري. إذا خلا  في الطريق تدفق،  وإذا أكثر الزحام  ترفق”. فقال له البائع: “دعني إذا مسخ الله  القاضي حماراً بعته لك”.

كان أحد الأمراء يصلي خلف إمام يطيل في القراءة، فنهره الأمير أمام الناس، وقال: لا تقرأ في الركعة الواحدة إلا بآية واحدة. فصلى بهم المغرب ذات مرة، وبعد أن قرأ الفاتحة، قرأ قوله تعالى: {قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} وبعد أن قرأ الفاتحة في الركعة الثانية، قرأ قوله تعالى: {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا}. فقال له الأمير يا هذا: “طول ما شئت واقرأ ما شئت غير هاتين الآيتين”.

قيمة الكتب

قال الجاحظ: الكتاب وعاءٌ ملئ علماً، وظرفٌ حُشي ظرفاً، وإناءٌ شحن مزاجاً وجداً، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت شجتك مواعظه، ومن لَك بواعظٍ مُلهٍ، وبزاجرٍ مغرٍ، وبناسكٍ فاتكٍ، وبناطقٍ أخرس، وبباردٍ حار، ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل والمثل وخلافه، والجنس وضده.

ودخل المأمون على بعض بنيه، فوجده ينظر في كتابٍ. فقال: “يا بني، ما في كتابك؟” قال: “بعض ما يشحذ الذهن ويؤنس الوحدة”. فقال: “الحمد لله الذي رزقني ولداً يرى بعين عقله، أكثر مما يرى بعين جسده”. وظل مفكراً في قول ولده الطفل.

 > ديوان المعاني   أبو هلال العسكري

ثــلاثــة وثــلاثــة

كان سلمان الفارسي يقول: “أضحكني ثلاث و أبكاني ثلاث، أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وأضحكني غافل لا يغفل عنه، وأضحكني ضاحك ملء فيه، لا يدري أرضى عنه ربه أم لا، و أبكاني ثلاث فراق الأحبة محمد وحزبه، و هول المطلع عند الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين و أنا لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة”.

وقال عمرو بن العاص: ثلاثٌ لا أناة فيهنّ: المُبادرة بالعَمل الصالح، ودَفْن الميِّت، وتَزْويج الكُفْء.

وقالوا: ثلاثة لا يُندم على ما سَلف إليهم: الله عزَ وجَلّ فيما عُمل له، والمَوْلى الشَّكُور فيما أُسْدى إليه، والأرضُ الكَريمة فيما بُذر فيها.

وقالوا: ثلاثة لا بقاء لها: ظِلُّ الغَمام، وصُحْبة الأشرْار، والثًناء الكاذب.

وقالوا: ثلاثة لا تكون إلاّ في ثلاثة: الغِنَى في النَّفس، والشَّرف في التَّواضع، والكرم في التَّقوى.

وقالوا ثلاثة لا تًعرف إلا عند ثلاثة ذو البَأس لا يُعرف إلاّ عند اللقاء، وذو الأمانة لا يُعرف إلا عند الأخذ والعَطاء. والإخوان لا يُعرفون إلا عند النَّوائب.

وقالوا: مَن طلب ثلاثة لم يَسْلم من ثلاثة: مَن طلب المالَ بالكيمياء لم يسلم من الإفلاس، ومَن طلب الدِّين بالفَلْسفة لم يَسلم من الزًندقة، ومَن طلب الفِقه بغرائب الحديث لم يَسلم من الكَذِب.

وقالوا: عليكم بثلاث: جالِسوا الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العُلماء.

وقال عمرُ بن الخطّاب رضوان الله عليه: أخوفُ ما أخاف عليكم شُحٌّ مُطاع، وهَوًى مُتَّبع، وإعجاب المرء بنفسه.

   > العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي

 كـــــذب

كان أبو حية النميري كذاباً، قال مرة: رميت ظبية فلما نفذ السهم ذكرت حبيبة لي شبهتها بها فتبعت السهم فأخذته.

وقال مرة أخرى: عن لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي فعارضه، فراغ ثانية فلم يزل السهم يراوغه حتى صرعه ببعض الخبارات

> البصائر والذخائر   أبو حيان التوحيدي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *