مواقف وأحوال – يسيل دمه ولا يقطع سورة من القرآن


هل ذقت القرآن؟ فإن من ذاق لزم، ومن ذاق أدرك الحقيقة، وإنما يحتاج القرآن اليوم إلى رجال تتذوقه قلوبهم، فتعمل به جوارحهم، وتبكي به عيونهم، وتتنور به حياتهم، ويحيى به واقعهم!

القرآن -أيها الأحبة- يحتاج إلى رجال يحفظونه فيحفظهم، ويقدمونه فيقدمهم، ويرفعونه فيرفعهم، وإنما يتحقق لهم ذلك يوم يتذوقون القرآن، كما تذوقه الأولون، فكان من أمرهم به ما كان.

تأملوا معي أيها السادة حالة عباد بن بشر ] وقد ذاق القرآن، وخالطت قلبه حلاوتُه، وسرت في عروقه حياته : عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا مع رسول الله  في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف ر سول الله  قافلا جاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دماً في أصحاب محمد ، فخرج يتبع أثر النبي ، فنزل النبي  منزلا فقال : >من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟< فانتدب رجل من المهاجرين (هو عمار بن ياسر) ورجل من الأنصار (هو عباد بن بشر) فقالا : نحن يا رسول الله، قال : >فكونوا بفم الشعب< قال : وكانوا نزلوا إلى شعب من الوادي فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري : أي الليل أحب إليك أن أكفيكه : أوله أو آخره؟ قال : اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما، ثم عاد له بثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال : اجلس فقد أوتيت وفي رواية : أُثْبِتّ فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به فهرب فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان الله، ألا أهببتني أول ما رماك؟ قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعت فأريتك، وأيم الله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله  بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها<(1).

إنه القرآن، ولكن عند من ذاق وعرف! هذا رجل يقسم على أنه لولا خوفه من تضييع ثغر أُمر بحمايته وحفظه لفضل أن يقتل على أن يقطع سورة من القرآن كان يقرؤها، ألا ما أبلغه من درس، لمن يهذ القرآن هذًّا، ولمن لا يذكر وهو يقرأ كلام من يقرأ، فلا يجد للقرآن طعما ولا ذوقا، ولا يستفيد منه نورا ولا حياة.

إن جسم عباد بن بشر وجوارحه أيها السادة كانت تحس بلذة القرآن ولا تشعر بآلام السهام، كانت تتقلب في أنوار القرآن فما ألقت بالا للدماء، إنه القرآن، الذي أحيى الله به الأفراد والجماعات، وأنار به الظلمات، فأين أنتم يا أحباب عباد بن بشر؟ هل ذقتم ما ذاق؟ وهل أدركتم ما أدرك؟

 ذ. امحمد العمراوي

—–

 

1- مسند أحمد 219/3 السيرة النبوية لابن هشام 694/2 والبداية والنهاية لابن كثير 443/4 وزاد المعاد 221/3.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *