فعل ثمَّنَ وما يقصد به في الاستعمال الجديد


لا نستطيع أن نقول بخصوص هذا الاستعمال قل كذا ولا تقل كذا لأن السياق الذي يرد فيه هذا الاستعمال أو ذاك يحتمل أكثر من معنى، فقد يُستعمل “ثمَّن” بمعنى التقييم، ويستعمل بمعنى التزكية، أو المباركة، وقد قيل “ثَمَنُ كل شيء قيمته، وشيء ثمين أي مرتفع الثمن”  ع 13/82

ولعل دلالات مثل هذه الصيغ “ثَمَنٌ” و”ثمين” هي التي جعلت مستعملي “ثمَّن” بتشديد الميم يحملون معنى هذه الصيغة “ثمَّنَ” على وزن “فعَّل”، على معنى “ثَمَنٌ” و”ثمين” على وزن فَعَلٌ، وفعيل بالتوالي، وهو قياس غير صحيح من وجهة نظرنا، لأن الصيغ المشتقة من أصل ثلاثي واحد في اللغة العربية تحتفظ بشيء من دلالة ذلك الأصل يثبت نسبها إليه، ولكنها تختص بمزية تميزها عن غيرها ففعل ضرب مثلا يوخذ منه يضرب ، وضارب ومضروب فدلالة الضرب موجودة في كل صيغه : الماضي منه والمضارع واسم الفاعل، واسم المفعول، ولكن كل صيغة تمتاز بدلالتها الخاصة فالماضي غير المضارع، واسم الفاعل غير اسم المفعول أو المصدر وهكذا. وهذا المعنى ينطبق تماما على فعل “ثمَّن” في علاقته مع أصله الذي أخذ منه وهو “ث م ن ” وهذا الأصل عندما نَشْكُلُه يعطينا فعل “ثَمَنَ” على وزن فَعَلَ، لكنه يحتمل مضارعين اثنين لكل واحد منهما وظيفته الدلالية التي تميزه عن الآخر.  فإذا ما نطقنا مثلا بمضارع ثَمَنَ مرفوعا “يَثْمُنُ” يعني شيئا معينا، وإذا ما نطقنا به مكسورا “يثمِن” يعني شيئا آخر يقول الرازي : “ثَمَنْتُ القومَ من باب نصر أخذت ثُمُن أموالهم، ومن باب ضرب إذا كنتُ ثامِنهم” (المختام الصحاح 82).

يعني الرازي بقوله : “من باب نصر” أن مضارع “ثَمَنَ” باقي على وزن يَثْمُن بضم الميم مثل يَنْصُر، أما قوله ” ومن باب ضرب” فإنه يعني أن مضارع “ثَمَنَ” يأتي على وزن يثْمِنُ مثل يَضْرِبُ.

هكذا يتضح أن تنوع المضارع بنوع المعنى المأخوذ من أصل واحد هو “ث م ن” الذي منه الفعل “ثَمَنَ” على وزن “فَعَلَ”.

وبما أن تغيير حركة عين الفعل المضارع من هذا الفعل يغير المعنى. فمن باب أولى وأحرى زيادة حرف بكامله على الأصل ثمَن” الذي يصير  بعد تضعيف وسطه الذي هو الميم “ثمَّن” على وزن فعَّل لأن القاعدة تقول كل حرف مشدد بحرفين وعليه فالميم في ثمَّن تنطبق عليه  هذه القاعدة. وعليه فالذي ينبغي الانتباه إليه هو دلالة معنى الفرع الذي هو “ثمَّن” على وزن “فعَّل”. ومن المعلوم أن صيغة فعَّل لها وظائف دلالية خاصة منها : الدلالة على التكثير مثل قوله تعالى : {وغلَّقت الأبواب} وقوله : {يذبحون أبناءهم} ومنها تكرار الحدث كقوله تعالى : {علَّم الانسان ما لم يعلم} فهل فعل “ثمَّن” يدل على التكثير أم أنه يدل على شيء آخر.

يقول ابن منظور : قال شمْر : ثمَّنْتَ الشيء إذا جمعته، فهو مُثَمَّن : وقال : >وشيء مثمن جعل له ثمانية أركان، والمثمَّن من العروض : ما بني على ثمانية أجزاء< ل ع 13/81

هكذا يتضح أن “ثمَّنَ” لا تدل على الثمن لأن الثمن هو “ما تستحق به الشيء.. وثمن كل شيء قيمته” ل ع 13/42 ويبدو أن مستعملي “ثمَّن” يقصدون تقييم الشيء. لكن صيغة “ثمَّن” على وزن “فعَّل” لا تدل على هذا المعنى كما أوردناه لابن منظور أعلاه.

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *