خطبة منبرية – خطر التدخين وأضراره


الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين.

يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {يسألونك ماذا أ ُحِلَّ لهم، قل أ ُحِلَّ لكم الطيباتِ}(المائدة:4).

ويقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون}(البقرة:172).

ويقول عز من قائل: {الذين يتبعون الرسول النبيءَ الأميَّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحل لهم الطيباتِ ويُحرم عليهم الخبائثَ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أ ُنْزلَ معه أولئك هم المفلحون}(الأعراف 157).

ويقول سبحانه: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث}(المائدة:100)

ويقول كذلك: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}(النساء:2)

هذا قبس من الذكر الحكيم وآيات بينات من كلام رب العالمين تبين للمؤمنين الصادقين أن الله تعالى قد أباح لنا ما لذ َّ وطاب من المأكولات والمشروبات والملابس والزينة والرائحة والكلام والسلوك والأخلاق وغيرها من الأشياء التي تجعل الإنسان جميلا في مظهره، طيبا في رائحته، حسنا في سريرته، والطيب من الأشياء: لذيذها وحسنها وحلوها وجيدها، وهو كل شيء تقبله النفس وتعشقه وتنشرح له وتستسيغه، وفي مقابل ذلك حرم علينا كل شيء قبيح وخبيث وفاسد وكريه تنفر منه النفس وتستقبحه، ولا تميل إليه ولا تعشقه.

ولكن هذه الأمة التي اختار لها الله تعالى أن تكون أمة طيبة ،طاهرة، نقية تقية، منزهة عن كل خبث وفساد وقبح وقذارة، هذه الأمة التي أرادها الله كذلك قد ابتليت بكثير من الأمراض الخبيثة والعلل القبيحة والعادات السيئة والظواهر الفاسدة، وكأنها قد عمي بصرها عن قوله تعالى:” ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب”

ولعل ظاهرة التدخين تعتبر أكثر الظواهر والعادات انتشارا بين أفراد الأمة، حيث أصبحت متفشية بين أفراد المجتمعات على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم: صغارا وكبارا، رجالا ونساء، شيبا وشبابا، مثقفين وأميين، فقراء وأغنياء… ولم ينج من هذه البَلِيَّةِ إلا من غلب الإرادة على الهوى، والعقلَ على العاطفة، والمصلحة على المفسدة.

ولايختلف اثنان من العقلاء في أن التدخين بجميع أنواعه خبث من الخبائث، مُضِرٌّ بالنفس والبدن، هالك للصحة، مُضيع للمال، مُفسد للأخلاق، مُخرب للبيوت، مُشتت للأسَر. وقد اتفق العلماء على أن التدخين فُحش من الفواحش التي وجب الابتعاد عنها امتثالا لأمر الله تعالى الذي يقول في محكم التنزيل:{ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}(الأنعام:151).

وقد أثبت الأطباء أن الدخان يتكون من حوالي 4000 مادة سامة تؤدي كلها إلى تغيرات في الشكل والوظيفة لأغلب أعضاء جسم المدخن، وتؤثر تأثيرا هداما في أجهزته، ومنها مادة (النيكوتين) التي أثبت العلم أن بعض القطرات منها يمكن أن تقتل حيوانا، ومنها مادة تستعمل في إبادة الحشرات، وأخرى تمنع من نقل الأكسجين إلى أعضاء الجسم، وأخرى تؤثر في القصبات الهوائية، وأخرى تؤدي إلى تكوين طبقة صفراء على سطح اللسان، وتؤذي غـُدد الطعم والذوق الموجودة على سطح اللسان، وتسبب في كثرة السعال، وتساعد على إصابة الجسم ببعض الأمراض كالزكام والتهاب الفم والحلق والبلعوم، ومنها مادة(القطران) التي تستعمل في تعبيد الطرقات، وقد أثبتت تجربة علمية أن 400 سيجارة تتوفر على 7,2 غرام من القطران.

ولهذا كله، كان الدخان سببا في ضعف الذاكرة، وسببا في أمراض وسرطانات اللثة والأسنان، والفم والشفتين،  واللسان والحلق والحنجرة، والصدر والرئتين، والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والجهاز العصبي، والقلب والشرايين، ويؤثر على النسل ويحدث تشوها في الذرية.

ولقد أثبتت التقارير الطبية:

– أن مدخنا واحدا من بين كل مدخنين اثنين يموت بسبب التدخين،

– وأن مدخنا واحدا من بين أربعة مدخنين يموت بين 35 و64 سنة،

– وأن المدخن معرّض 3 مرات أكثر لخطر السكتة القلبية،

– وأن التدخين يمكن أن يسبب في موت بطيء ومؤلم،

– وأن 90% من سرطانات الرئة بسبب التدخين،

– وأن 30% من مجموع الوفيات بسبب التدخين،

– وأنه على رأس كل عشر ثوانٍ يموت شخص واحد في العالم بسبب التدخين،

ولذلك فقد أطلق بعض العقلاء على التدخين تعريفا طريفا وعجيبا من خلال حروف الكلمة، فالتاء: تباهٍ، والدال: دمار، والخاء: خراب، والياء: يأس، والنون: ندم.

وإذا كان رب العزة سبحانه وتعالى قد نهانا عن قتل أنفسنا رحمة بنا في قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}(النساء:29)، فالمدخن مخالف لأمر الله عز وجل، لأنه يتعاطى أسباب الهلاك ويُعرض نفسه لكثير من الأمراض والعلل من غير مُسَوِّغ شرعي، وبالتالي فهو يلقي بنفسه إلى الموت والانتحار البطيء، ولهذا اعتبر العقلاء أن كل سيجارة يضعها المدخن في فمه هي بمثابة مسمار يدقه في نعشه، لأنه يسير بنفسه في طريق الموت، ويقتل نفسه بنفسه، وهذا ما نهى عنه الشرع الحنيف، ففي الحديث النبوي الشريف: >…ومن شرب سما فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا<(رواه الشيخان)، والدخان -كما سبق بيانه- سموم مختلفة ومتنوعة، وليس سما واحدا.

وإذا كان شرعنا الحنيف كذلك ينهانا عن إيذاء الناس وإلحاق الضرر بهم، وذلك في مثل قول رسول الله  : >المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده<، وقوله  : >من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جاره<، فإن المدخن مخالف لشرع الله لأنه لا يحترم شعور الآخرين، ولأنه يؤذي برائحته الكريهة نفسه، وزوجته، وأولاده، وجيرانه، وجلساءه، ومن حوله، وحتى الملائكة المحيطين به، خاصة وأن التجارب الطبية قد أكدت أن جليس المدخن يتأثر بنسبة كبيرة من دخانه، ولهذا وجب على المدخنين استحضار قول الله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}(الأحزاب:58)، فالمدخن آثم بنص الآية.

فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه..

 الخطبة الثانية

إن ظاهرة التدخين ظاهرة خطيرة تهدد حياة الأمة لأنها تزداد انتشارا واتساعا في صفوف أفرادها، مما يُفسد أخلاقهم ومزاجهم، ويحطم أجسامهم وعقولهم، ويضعف قوتهم، ويقلل من إدراكهم واستيعابهم.

وإن معالجة هذا الوباء، والتخفيف من أخطاره وأضراره، والقضاء عليه، لهي مسؤولية الجميع، بدءا بالمدخن نفسه الذي ينبغي عليه أن يتحلى بتغليب الإرادة، وتقوية العزيمة، وربط الصلة بالله عز وجل، واستحضار مراقبته، والاستعانة به على ترك الدخان، فمن ترك شيئا لله أعانه الله على تركه، وعوضه خيرا منه، والابتعاد عن المدخنين وأماكن التدخين، ومصاحبة الصالحين، وملء أوقاته وفراغه بما ينسيه الدخان ويشغله عنه، وتخصيص بعض وقته لممارسة الرياضة، وغير ذلك من الأمور التي تساعده على ترك الدخان وتجنب أخطاره.

وهذه مجموعة من الأرقام والمعطيات التي تبعث المدخنين على التفاؤل:

– فبعد التوقف عن التدخين لمدة 20 دقيقة يبدأ ضغط الدم ونبضات القلب في الرجوع إلى حالتهما الطبيعية،

– وبعد 8 ساعات من التوقف عن التدخين تبدأ تهوية الخلايا في الرجوع إلى حالتها الطبيعية،

– وبعد 24 ساعة من التوقف عن التدخين تبدأ الرئتان في التخلص من بقايا الدخان وينخفض خطر الأزمة القلبية،

– وبعد 48 ساعة من التوقف عن التدخين تبدأ حاسة الذوق والشم في التحسن.

– وبعد 72 ساعة من التوقف عن التدخين يصبح التنفس أسهل ويبدأ الشعور بالنشاط،

– وبعد أسبوعين إلى ثلاثة أشهر يَقِلُّ السعال والعياء،

– وبعد شهر واحد إلى تسعة أشهر يَقِلُّ اللهث تدريجيا،

– وبعد سنة واحدة ينخفض خطر الأزمة القلبية بنسبة 50%

– وبعد خمس سنوات ينخفض خطر سرطان الرئة بنسبة 50% كذلك،

– وبعد 10 سنوات إلى 15 سنة يعود الأمل في الحياة كمثل الذين لايدخنون إطلاقا، فلا يأس من رحمة الله، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}(الطلاق:3)

أما على المستوى الجماعي فواجبنا أن نتعاون جميعا مع المدخنين على محاربة هذا العدو الخطير، وذلك بنصحهم وتذكيرهم بمكوناته ومخاطره وعواقبه، وبمنافع تجنبه والابتعاد عنه، وبأن صحتهم أمانة في أعناقهم وجب عليهم الحفاظ عليها وعدم تضييعها، وبأن الناس حقهم أن يستنشقوا هواء نقيا، وأن المدخنين عليهم ألا يحرموهم من حقهم في ذلك، وألا يلوثوا لهم الهواء بالروائح الكريهة المنبعثة من دخان السجائر، وبأن الناس كذلك حقهم أن يعيشوا حياة سليمة دون أمراض أو أعراض، فلا ينبغي للمدخن أن يرغمهم على التدخين اضطرارا من خلال استنشاق دخان سجائرهم إكراها.

ولقد استبشرنا خيرا بالحملة الإعلامية التي انطلقت لأجل التوعية بمخاطر التدخين، بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للامتناع عن التدخين الذي يصادف يوم 31 ماي من كل سنة، وإنها لبادرة طيبة نرجو أن تستمر ويتسع نطاقها لتشمل مشاركة مكثفة من طرف مختلف المؤسسات الرسمية، والهيئات الحكومية، وفعاليات المجتمع المدني، وكافة المنابر الإعلامية من صحف، ومجلات، وإذاعات، وتلفازات، وقنوات فضائية، ووصلات إشهارية، وملصقات جدارية، وعروض ثقافية، ومحاضرات وندوات علمية، ومنتديات فكرية، وحتى المواسم الثقافية، والمهرجانات الفنية، والعروض المسرحية، والأفلام السينمائية، واللوحات التشكيلية، والأغاني والأناشيد التربوية، على أن تكون حملات دائمة ومستمرة حتى تحقق الغايات المنشودة والمقاصد المطلوبة، وحتى نصنع مجتمعا بدون تدخين…

فاللهم جنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجنبنا منكرات الأخلاق والأهواء والأعمال والأقوال، والحمد لله رب العالمين.

ذ. إريس السوبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *