حلْيةُ المرءِ إيمانُه وخُلقُه


رأيت والله أعلم، وبتوفيق منه سبحانه، أن يكون منطلق حديثي لهذه المقالة المتواضعة، قول الشاعر :

كـلـمـا أدبني الــدهـر

أرانـي ضـعــف عـقـلي

وإذا مـا ازددت حِـلـما

زادنــي علـمـا بجـهـلي

ما يظهر من المعاني القريبة لهذين البيتين هو مفهوم التربية والأدب وحسن الخلق. ومن المعلوم بالضرورة، أن حِلية كل إنسان هو هذه الأشياء الثلاثة المذكورة، وإذا قُورِنتْ بالإيمان، كان ذلك الإنسان كالنجمة المتلألئة وسط سماء صافية زرقاء في ليل هادئ جميل.

وقال الشاعر أيضا :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وبما أن المجتمع يتكون من الأفراد، فهو يصلح بصلاحهم، ويفسد بفسادهم.

فلماذا يغتر بعض الناس -عفا الله عنا وعنهم- بالمال أو بالقوة أو بالجاه أو بغير ذلك، ويتكبرون على غيرهم من خلق الله؟!

أليست أهم صفة تُكسب الإنسان سموا ورفعة أمام الله سبحانه وأمام جميع الناس هي صفة الأخلاق وصفة قوة الإيمان وتقوى الله عز وجل في السر والعلن وهل للإنسان رصيد غير الذي ذكرت؟

ألم يقل رسول الله  : >إن أقربكم إلي مجالسا أحاسنكم أخلاقا<؟!

كل شيء يبقى بعدك أيها الإنسان، مهما كسبْت وكدّسْت ومهما تعاليت وترفعت، قال جل جلاله : {يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك  في أي صورة ماشاء ركبك}(الانفطار : 6- 8).

المطلوب منا، كأمة مسلمة، وكمجتمع كذلك يهتم بأمر المسلمين، وعلى جميع المستويات والأصعدة، أن نُنشِّئ ونربي أبناءنا تربية إيمانية يظهر سلوكها الطيب في جميع مرافق الحياة، ومع كل الناس، بدون استثناء، فهذا معلم البشرية  يشير بكلامه البليغ إلى الجانب التربوي الذي ينبغي الاهتمام به وعدم التفريط فيه، فعن علي كرم الله وجهه أن النبي  قال : >أدبوا أولادكم على ثلاث خصال : حب نبيكم وحب آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله، يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه<(رواه الطبراني)، قوله  : >وأصفيائه< : جمع صفي وهو الحبيب المقرب، وفي الحديث القدسي : >ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صَفِيَّهُ من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة<(رواه البخاري).

المفهوم من معنى الحديث الشريف : >أدبوا أولادكم على ثلاث خصال…< والله تعالى أعلى وأعلم، هو أن لكل بناء أساس، وأساس بناء المجتمع، أي مجتمع هو الاهتمام بالناشئين منذ نعومة أظفارهم، أي تربيتهم تربية إيمانية أي بأخلاق الإسلام الرفيعة. حتى ينهض ويتقدم ويكون له شأن كبير.

الكل يَعلم أن الناشئ إذا أهملت تربيته فسدت أخلاقه وتدنست طباعه وأصبح إنسانا غير مهذب وغير نافع لبناء الحياة، بل أصبح سوسة تنخر كيان المجتمع، وهذا ما لا يرضاه الله ولا رسوله الكريم . إن من الثمار الطيبة التي يجب أن نغرسها في نفوس أبنائنا طاعة الله سبحانه وتعظيم شعائر الدين، وحب رسوله الكريم ، الذي أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور العلم والإيمان، وهو الشفيع لهذه الأمة يوم العرض على الله، وحبنا له يكون حبا لآل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

مما يجب علينا كأمة مسملة، أن نعلم أبناءنا أهم وأقدس وأعظم كتاب، ألا وهو القرآن الكريم، كلام الله الذي نزل من فوق سبع سموات لهداية البشرية جمعاء إلى ما فيه صلاحها ونجاتها ورُقِيُّها، لأن الله تعالى يقول في محكم التنزيل : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين.}(الاسراء : 9). وفي تعليمه فرصة لإكساب الناشئة أفضل الأداب وأحسن الأخلاق فيكونون أنفع لمجتمعهم.

ولأن حامل القرآن الكريم مع السفرة الكرام البررة في ظل الله يوم لاظل إلا ظله.

أخي القارئ الكريم : المرء مع من أحب؛ لذلك فحب الرسول  مقدم على حب النفس والمال والأهل وكل شيء. وإلا فالإيمان مازال يتأرجح بين حب الدنيا وما فيها من ملذات وشهوات، وبين نداء العمق نداء قلب المؤمن الذي يفضل الحقيقةَ، حقيقةَ ما سيؤول إليه الإنسان، عندما لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، الدنيا وما فيها زائلٌ منتهٍ لا محالةً، ودار القرار باقية خالدة، فلنفكر في الخالد ونعمل له، ولنترك ما هو صائر إلى الزوال والفناء.

والأحدايث الشريفة كثيرة في حب النبي العظيم ، منها على سبيل المثال لا الحصر، قوله  : >لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين<(متفق عليه).

وعند طلعته ، وهو مهاجر إلى المدينة المنورة، ينظر إلى ولائد بني النجار من حوله، وهن ينشدن ويتغنين بمقدمه، قائلا : >أتحببنني؟ والله إن قلبي ليحبكن<(فقه السيرة ص 195).

ومن ذلك أيضا أن عمر بن الخطاب ] قال لرسول الله  أنت يا رسول الله أحب إلى من مالي ووالدي وولدي والناس أجمعين، إلا نفسي، فرد عليه  : >حتى أكون أحب إليك من نفسك< أوكما قال، فغاب عمر مدة ثم عاد وقال : أنت أحب إلي حتى من نفسي، فأجاب  : >الآن يا عمر<.

فيأيها الآباء والمربون ألا إن أهم القواعد التربوية والمناهج العلمية هي التي وضعها الإسلام لسلامة أخلاق الولد، وتنمية شخصيته المتميزة وتعويده على الجدية والرجولة ومكارم الأخلاق… فما عليكم إلا أن تربوا أبناءكم عليها، وتأخذوا بتوجيهاتها وإرشاداتها… حتى ينشؤوا على الفضائل الخلقية والمكارم الذاتية، والآداب الاجتماعية… ويكونوا شامة في الناس، وهل هناك مبادئ تربوية في تربية شخصية الولد وإعداده لمسؤوليات الحياة مثل هذه المبادئ التي وضعها الإسلام وشرعها الرسول ؟ (تربية الأولاد في الإسلام ج 1 ص 206).

اللهم احفظنا في ديننا وفي إيماننا، واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ذ. محمد بن شقرون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *