“حـجـر الـزاوية”


إن أوّل ما يطالعنا في القرآن الكريم آيات ثلاث من سورة البقرة تقول {الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.

وهذا يعني ـ بوضوح ـ أن حجر الزاوية في ديننا، وفي كل دين سماوي، هو الإيمان بالغيب، لأن الخالق سبحانه نفسه لا تدركه الأبصار فهو من الغيب، ولأن طرائقه في (الوحي) إلى الأنبياء عليهم السلام تنأى عن أجهزتنا وقدراتنا الحسية، فهي من الغيب.

ومن ثم فان الدعوة إلى التخلّي عن الإيمان بالمفاهيم الغيبية واعتبارها نقائض للفكر العلمي الأصيل، انما هي إنكار للأساس العميق لبنية الفكر الديني ابتداء.

اننا حيثما تلفّتنا طالعتنا في القرآن الكريم فقرات ومقاطع وآيات حول مسألة الإيمان بالغيب، واعتبارها مصدر التصوّر والسلوك الديني على السواء، فضلاّ عن تأكيد القرآن المستمر على أن الغيب من (علم الله) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي وسع كل شيء علما : {وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو}(الأنعام 59) {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كلّه..}(هو د : 123) {ثم تردّون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}(الجمعة 8).

وهكذا يبدو الغيب في القرآن الكريم (علماً) إلهياً شاملاً، وضبطاً كلّياً لنواميس السماوات والأرض، تلك التي لا يتسنى لأجهزتنا وقدراتنا الحسّية الإحاطة بها. ويمكن أن نشير هنا إلى أن كلمة (الغيب) بتصريفاتها المختلفة وردت في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة.

ونحن لا نستطيع -منطقياً- أن نرفض قضية ما مجهولة لدينا، أو ننفيها، الاّ بعد أن يتأكد لنا ذلك بالأدلّة (الحسّية) القاطعة. وهنالك، قوانين ووقائع (علمية) لم تهّيأ أجهزتنا الحسّية لتلمسّها والتواصل معها بشكل مباشر، فالذبذبات الصوتية التي تتضاءل وتندّ عن مقدرة الأذن على تمييز الأصوات، والأشعة ما فوق البنفسجية التي يستحيل على العين المجردة تمييزها، وغيرها كثير، (حقائق) لم يتمكن الإنسان من الاحاطة بها الاّ بعد أن ابتكر من الأجهزة والوسائل ما أعان به قدراته الحسّية على الرؤية والمعرفة، ومع ذلك فان (غياب) هذه الأصوات والأضواء عن الإدراك المباشر لا يسمح لنا بأن نرفضها باعتبارها أموراً غيبية تندّ عن المعرفة اليقينية المباشرة. وهل ثمة ما يقال بعدما تبين لعلماء الطبيعة منذ بدايات هذا القرن أن البنية الأساسية للكون تقوم على (الطاقة) لا (المادة)، وهل يبقى مبرّر للتفريق بين (ما يرى) و(لا يرى) خلال تنقيبنا في الكون وكشفنا عن قوانينه وأسراره؟

إن التقدم العلمي المذهل في العقود الأخيرة يعرض علينا المسألة في طرفيها : ان قدراتنا العقلية والحسّية ـ من جهة ـ لا تستطيع أن تحيط بالحقيقة المطلقة علماً، وأن (نسبية) المعرفة البشرية ـ من جهة أخرى ـ تفرض الاعتقاد بأنه ليس كل ما لا تراه أجهزتنا ليس بموجود. ومن ثم يبدو أن رفض الغيب بالسهولة التي يمارسها بعض أدعياء (العلمية) انما هو -وفق التحليل العلمي نفسه- جهالة ترتكب باسم العلم والواقعية.

وإذا كان بعض الفلاسفة والمفكرين الوضعيين قد مارسوا في معالجاتهم ودراساتهم لما (وراء الطبيعة) الكثير من الضبابيات والمثاليات الغيبية (لاحظ مثلاً مثالية هيغل التي وصفت بأنها تمشي على رأسها!) ووضعوا مذاهب ونظريات ما انزل الله بها من سلطان، ولا تنسجم بحال مع اليقين العلمي التجريبي، أو الواقع الحركي (الداينامي) المتطور، فهذا أمر طبيعي، لأن وسائل الإنسان الحسّية والحدسية والعقلية، غير قادرة على خوض عالم غير منظور كهذا، ومن ثم تأتي النتائج غامضة ومعمّاة..

إلاّ أن الخطأ لا يبرّر الخطأ.. وما يصدر عن الله الخالق العالم المريد، في قضايا الغيب عن طريق الوحي الأمين، غير ما يصدر عن الفلاسفة والمفكرين من غموض واضطراب ومثاليات لا رصيد لها في عالم الواقع.

أ.د. عماد الدين خليل

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *