مــن وحـي الصـحـبـة


الحمد لله المعطي، الحمد لله الآخذ، حمدا موجبه الإيجاد والإعداد والإمداد، والمآب. حمدا مشفوعا بالصلاة والسلام على نبي الرحمة، معطرا بمسك مجالس السكينة، وظلال الملائكة، بما يتلى من الكتاب، وبما يردد من ذكر الله تعالى، تأبينا لعالم فقدناه، وفاضل عاشرناه، وقدوة بلوناه، ومصلح واريناه، وداعية ما أجلاه، ونموذج في الزهد عايناه، وأسوة في الورع جربناه.

ورث الشاطبي فزكى الموروث علما، واستلهم ابن القيم، فكان أقرب رحما، وطوف بين ربانيي الأمة فشما، وحبر لآليء في العلم ومناهجه فسما.

استوحشتَ من الدنيا وزهرتها، وآنست بمجالس القرآن وأهلها، وأخلصت النية والبلاغ لروادها، في المساجد، في المعاهد، في الجامعات في المنتديات، في القنوات، في الكتب في المجلات وفي الجرائد العابرات وحتى في الفلوات، ولك مع آل عثمان جولات، مع الفرسان آخرا وفي عودتهم بشارات.

كنت ضعيفا في بدنك، قويا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند ربك، كبيرا عند المومنين، محبوبا عند الصالحين.

تحترق شوقا لتضيء علما، وتستمِيتُ مكابدة لتنشيء جيلا، وتكابد القلم لتخط جمالية الدين، معراجا للقلب بتنزيل رب العالمين، طريح الفراش تنفش تفسير الحمد لله رب العالمين، وعلى جنبك تعاني، تكابد سورة يس، تتذوق سورة الحجرات، وتتلذذ بسورة الفرقان، لا عزما -بحول الله- سأفسر القرآن، قالها ونحن إلى جنبه نبتهل إلى الرحمن، بابتهال أيوب تضج قلوبا يملؤها الإيمان بكاشف الضر، وكشفُه رحمة منه وامتنان.

بابتهاج نستقبل تفسير سورة البقرة وآل عمران، تثني أخواتِها في مجالس القرآن، وها هو يزدان اللقاء الخامس للقرآن، بطلعة الأستاذ وهو يؤسس لعمران القرآن، بحقيقة الوحي ووظيفته(1) في بناء الإنسان، تختم بجمالية الموت وذوقيتها وماهيتها بتجربة الذات، كنت تودع دار السفر إلى دار المقر، وقد أدركت أن لجمال الموت في الإسلام متعة الوصول، تزفك ملائكة الرحمة وهي تقول : {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}(الفجر : 32). وإذ  حم الرحيل شوقا إلى الوطن الأم {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}(العنكبوت : 64)، سمعتك تقول : “هل سافرت يوما إلى مكان بعيد وأنت في شوق شديد… هل عدت يوما من غربتك إلى وطن الطفولة و الأحباب؟.. صوت الحافلة وهي تقترب من الحمى… أو أزيز الطائرة و هي تشرف على تراب الأحبة… هل وجدت قلبك يدق فرحا و غبطة؟ إنها متعة الوصول<(2).

لقد عرفت فلزمت، فاختار لك ربك الرحيل إليه، وأكرمك نُزْلاً بتشييع مَهيب، من أحبة تمنوا فداك، لتستمر صلصلة البلاغ. غير أن الحق نطق بالحق في أجمل تعبير، بفصيح التنزيل {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء آجلها}(المنافقون : 11) فلبيت النداء مستجيبا لنداء الله الجميل، وروحك تنصت إليه يقول {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}(النمل : 32) ونحن الأحبة سمعناك تقول : >ألم أقل لكم إن الموت جميل حقا<(3).

وإذ قضى ربك فجمالية الدين وحسن التدين، يأمراننا أن نردد قوله تعالى {إنا لله وإنا إليه راجعون} ومعها قوله  : >اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها< وكفى بالموت واعظا والحمد لله رب العالمين.

د. محمد السيسي

رئيس المجلس العلمي لعمالة مكناس

—-

1- “حقيقة الوحي ووظيفته” آخر محاضرة عامة ألقاها المرحوم في ندوة “القرآن والعمران” بتاريخ 30، 31 ماي 2009 التي نظمها المجلس العلمي المحلي بمكناس في المركب الثقافي لوزارة الأوقاف.

2- جمالية الدين، ص : 96 -97.

3- نفسه، ص : 99.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *