لقد أعطى روحا جديدة لعمل المجلس العلمي بمكناس وفروعه


ما نقول في فقدك إلا ما علمنا الحبيب الـمصطفى   :

قال تعالى: {والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون}

نعم، إنا لله وإنا إليه راجعون.. تلقينا ببالغ الأسى والأسف خبر وفاة أخينا الشيخ الكريم فريد الأنصاري رحمه الله تعالى، وبقلوب مؤمنة ملؤها الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره وبالمناسبة أتقدم بأحر التعازي وبخالص المواساة إلى جميع محبي هذا الأخ الكريم وهذا الرجل الفريد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا يسعنا إلا أن نقول إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا فريد لمحزونون، نسأل الله العلي القدير أن يجمعنا به في مستقر رحمته وفي ظلال جنانه.. اللهم تجاوز عن سيئاته وزد في حسناته، اللهم أحسن لقاءه، واجعل العمل الصالح رفيقه، اللهم ارحم الفقيد واسكنه فسيح جناتك، اللهم أبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، اللهم وعافه من فتنة القبر وعذاب القبر، اللهم أظله في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، واسقه من حوض النبي شربة هنيئة لا يظمأ بعدها أبدا، واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا..قال تعالى:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}

فلله ما أعطى وله ما أخذ، مُصابنا جلل في فقدان أحد شيوخنا وعلمائنا الأجلاء، مصابنا جلل في وفاة الشيخ الدكتور فريد الأنصاري تغمده الله بواسع رحمته، حقا لقد رزئت الأمة الإسلامية وبلدنا خاصة بوفاته، نعم الرجل كان، ونعم العالم الرباني كان، ونعم الداعية الحكيم كان ولا نزكي على الله أحدا، لم يهدأ له بال على حال الأمة، وعلى حال الدعوة الإسلامية وعظا وإرشادا وكتابة ونصحا وحوارا وبحثا علميا وترشيدا لمسيرة الدعاة إلى سبيل الله، ما عسانا أن نقول سوى ما علمنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: لله ما أعطى وله ما أخذ وإنا لله وإنا إليه راجعون، أراده الله إلى جواره سبحانه، فارتقت روحه الطاهرة إلى أعلى عليين تبتغي رضوان ربها جل وعلا..

فريد روح جديدة لعمل الـمجـلس العلمي وفروعه :

لقد عرفته عن قرب في مرحلة رئـاسته للمجلس العلمي الـمحلي بمكناس (من أواخر سنة 2005 إلى سنة 2008م)، حينها كنت عضوا في الفرع العلمي بإقليم إفران التابع لهذا المجلس، عرفته رئيسا متواضعا، عالما عاملا، مستشعرا للمسؤولية الملقاة على عاتقه، لم يهدأ له بال حتى في الأوقات الحرجة التي مرت به مع صحته.. كان يتأخر في مكتبه إلى وقت متأخر من النهار يريد أن ينهي كل الأعمال المرتبطة بالمراسلات كتابة وإجابة، يضع الخطط الخاصة بعمل وبرامج المجلس، ويبني تصورات عمل اللجان التابعة للمجلس العلمي التي أسسها وأشرف على لقاءاتها الشهرية بكل انتظام..

لقد أعطى روحا جديدة لعمل المجلس العلمي المحلي، والفروع التابعة له، فهو أول من سن الملتقى السنوي للقرآن الكريم، ذلك الملتقى الذي أعتبره شخصيا عرس القرآن الكريم، كان مناسبة ولا زال يأتي إليه ويشارك فيه جمع كبير من العلماء والمفكرين يأتون إلى مكناس من كل فج عميق..

وإذا تحدثت عن الحوار المفاهيمي وجدت الشيخ فريد الأنصاري رائد هذه المبادرة الفريدة من نوعها على المستوى الوطني، حيث كان له سبق في تأسيسها وجمع الشباب حولها.. فشهدنا اللقاء تلو اللقاء حول مفاهيم بقيت ألسنة جل العلماء خرساء عن التكلم فيها، وظل الجدال العقيم يلفها في أوساط أخرى.. فكان اللقاء الأول حول مفهوم السلفية، والثاني حول مفهوم التصوف…وغيرها

مؤهلات علمية وخلقية ومنهجية تشب عن طوق الحصر :

كان الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله من العلماء الذين عملوا على إحياء أثر القرآن في النفوس، فكانت دروسه وكتاباته ومجالسه كلها تأكيداً على ضرورة إعادة الارتباط بكتاب الله سبحانه وتعالى تدبرا وخشوعا ومسيرة كدحية إلى الله سبحانه وتعالى، وهو العالم الذي أخذ على عاتقه أن لا يروي إلا ما صح عن رسول الله  تحريا لسنة الحبيب المصطفى  وحبا فيه وفي إحياء سنته الطاهرة، وهو العالم الذي كان شديد الارتباط بقضايا الأمة الإسلامية وقضايا الدعوة الإسلامية، وهو العالم الشاعر والأديب الذي حرص على حفظ أصالة لغة القرآن في تعابيره الأدبية والشعرية، وهو العالم الناصح المحرض على الخير في دروسه ومواعظه ومجالسه، وهو العالم الفقيه بواقعه الذي كانت له نظرة ثاقبة وتصور ناضج لمجمل مجريات راهنه المحلي والإقليمي والدولي، وهو العالم الباحث المشجع على العلم والبحث العلمي في محاضراته العلمية في الجامعة وفي الندوات والأيام الدراسية والتكوينية، وهو العالم المربي الذي حرص على أن يترك علما نافعا ينتفع به مدونا في المكتبات أو في مجال المرئي أو السمعي، وبذور دعاة يحملون مشعل الدعوة من بعده، وجيلا ممن تربوا على دروسه وتوجيهاته، وهو العالم الذي حرص على أن يخط تصورا متكاملا لنظريته في الإصلاح وفي النهوض بهذه الأمة وفي القيام بمهام الدعوة الإسلامية الأصيلة،  وهو العالم المتواضع الذي طالما استمع إلى محاوريه، وعمل بملاحظات وتوجيهات ناصحيه، وكانت له سعة الصدر لمستفتيه من الناس..

رغم الـمرض لـم يخلد إلى الأرض :

بعد فترة طويلة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات، كابد الشيخ فريد المرض، وكان دائما صاحب الصبر الجميل لم يبخل على الدعوة إلى الله تعالى بوقت أحس فيه براحة عابرة، فكلما تحسنت ظروفه الصحية إلا وتجده على منبره يخطب، أوعلى كرسي الوعظ يعظ، أوفي المحافل يحاضر!.. أذكر أنني وأنا أستمع وأنظر إلى آخر محاضراته التي ألقاها بمقر المجلس العلمي المحلي بمكناس حول ” الوحي: مفهومه وحقيقته”، والتي نقلت عبر القناة السادسة للقرآن الكريم المغربية، أن الأخ فريد يكابد الـمرض وهو يحاضر، كنت أنظر إلى الحروف تنساب من شفتيه بصعوبة، ولا يكاد يجد ريقا يبلعه كي يستأنف الكلام.. لكن مع ذلك يمضي قدما لإتمام الفائدة وإبلاغ الناس الخير..ولسان حاله يقول: “ألم يقل حبيبنا وقدوتنا: >إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم فليغرسها وله بذلك أجر..< فأنا أغرس ما استطعت من فسائل ما دمت استطيع ذلك”.. وتشعر وأنت تستمع لكلامه أنه نسي المرض ونسي الآلام التي يعاني منها واستلذ حلاوة الكلام الطيب.. كيف لا وهو كلام حول القرآن الكريم، ذلك الكلام المحبب للأخ فريد وقرة عينه في كل المجالس والمحافل العلمية..

كان الشيخ فريد الأنصاري ذلك العالم الذي أحب لقاء الله فأحب الله لقائه، فرحم الله فقيد الأمة والوطن والبلد والدعاة والعلماء، وأسكنه فسيح جنانه مع النبيئين والصديقين وحسن أولئك رفيقا، و{إنا لله وإنا إليه راجعون}..

ذ. محمد بوهو

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *