رجل فريد بين عمر فريد وموت فريد


لم يكن الدكتور فريد الأنصاري -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- رجلا عاديا، ولم تكن حياته عادية، ولم يكن موته عاديا. لقد كان الرجل فريدا بكل ما في كلمة “الانفراد” و”التفرد” من معنى، كان فريدا بالاسم والفعل معا، بالقول والسيرة، بالدعوة والأسوة، كأن القدر أراد للاسم والمسمى أن يسيرا جنبا إلى جنب في انتظام وانسجام، وأن يكونا صنوين لا يفترقان، وأن يحققا من التوافق أكمل المراتب، ومن التطابق أعلى الدرجات.

إن موت العالم مصيبة كما صح عنه ، ولكن الأنصاري -رحمه الله- لم يكن عالما وحسب، ولم يكن كسائر العلماء، بل كان من طينة ومعدن خاص، وكان طرازا مختلفا ونوعا فريدا.

كان -رحمه الله- فريدا في عقيدته الصلبة الصافية، التي لا غبش فيها ولا التواء، ولا غموض ولا انحناء. كان يحمل ولاء خالصا لله تعالى، وحبا عظيما للإسلام، واقتداء بينا بالرسول ، وكانت أمارات العبودية الصحيحة بادية عليه. كان يحب لله ويصدق في حبه، ويبغض لله ويصدق في بغضه، وكان نموذج العالم الرباني الذي لا يخاف في الله  لومة لائم. عاش متحررا من كل القيود والحدود، والأشكال والألقاب، والمشيخات والشخصانيات، التي سيطرت على قلوب وعقول الكثيرين في هذا الزمان.

وكان -رحمه الله- فريدا في خلقه، هينا لينا بسيطا متواضعا سهلا، لا تكلف ولا تمحل،  ولا انتفاخ ولا انتفاش، يعامل الجميع، ويصغي للجميع، ولا يصنف الناس إلا على أساس قربهم أوبعدهم من الإسلام والدعوة.

كان بيته المتواضع العامر مقرا مفتوحا للعلم والدعوة، لا يفتر ولا يغلق، إلا من مرض أوعذر قاهر، تعقد فيه الجلسات التربوية، واللقاءات الدعوية، ويستقبل فيه زواره ومحبيه، حتى اللقاءات الخاصة ببحوث الطلبة كانت تعقد فيه.

كنا معه يوما في بعض اللقاءات الدعوية، وبعد الفراغ من أشغال اللقاء، سأل أحد الإخوة: ألا تجد لي سيارة بأربعة آلاف درهم؟. دهشنا لسؤاله وظنناه يمزح، أجابه الأخ مستغربا: سيارة بأربعة آلاف درهم! قال: نعم! وإن كانت بحاجة إلى دفع دفعها الطلبة! فانفجر المجلس ضاحكا، وبقينا على ذلك حتى انفض الجمع. وبعد أيام من ذلك إذا به – رحمه الله- يفي بوعده، ويشتري سيارة متواضعة من نوع  فياط 127)، كانت راحلته ووسيلة نقله داخل مكناس وخارجها، وكانت أيضا مقرا متنقلا لنقل الإخوان والطلبة في مختلف المناسبات، ولم يشأ استبدالها رغم إصرار بعض الإخوة عليه في ذلك، إلا عندما أهداه بعض الإخوة المقيمين بهولندا سيارة من نوع (مرسدس 190).

لم يكن رحمه الله يلبس إلا المتواضع من الثياب، بل لم يكن يعرف إلا المتواضع منه، ما ربط إلى عنقه ربطة قط، ولا ارتدى في مناسبة ما يرتديه القوم من ألبسة عصرية، بل كان الجلباب أحب لباس إلى قلبه، وأقربه من طبعه، وهومع ذلك لا يرى إلا في أناقة ونظافة      وهيبة ووقار.

وكانت رقته رحمه الله، ودماثة أخلاقه، وابتسامته العذبة، وكلامه الطيب، وتعبيراته الطريفة، ومزاحه القليل المليح، ودعواته الصادقة، سبب اجتماع القلوب عليه، ومحبة الخاص والعام له، حتى لا تكاد تجد له من خصم أومبغض أومشكك، ولذلك ما فتئ المفكر الإسلامي الدكتور أحمد الريسوني -حفظه الله- يلقبه بـ” فريد العزيز”.

وكان رحمه الله فريدا في سمته وحركاته وفراسته، طويل التأمل والتفكر، دائم التيقظ والتركيز، كثير الانشغال بهموم الإسلام والأمة، يلتقي الرجل مرة أوينظر إليه نظرة فيعرف من أي صنف هومن الناس، ومن أي طينة من البشر، ومن أي معدن من الرجال.

وكان رحمه الله فريدا في مساره العلمي، سريع الفهم، حاضر البديهة، واسع الاطلاع، حسن الإفادة والتوظيف، ذا حس نقدي واضح. كان في أواخر السبعينيات تلميذا في المرحلة الثانوية، حين كان يقرأ لرواد البعث الإسلامي المعاصر، أمثال سيد قطب والمودودي وحسن البنا وسعيد حوى ومالك بن نبي والغزالي والقرضاوي وغيرهم. وكان طالبا في أول فوج من شعبة الدراسات الإسلامية بفاس في أوائل الثمانينيات، حين ظهر تفوقه وبدا تميزه، فكان زملاؤه يحتكمون إليه في خلافاتهم ومناقشاتهم العلمية، وكان الأول في ترتيب النتائج دائما، وكان له اهتمام خاص بفكر الإمام أبي إسحاق الشاطبي، الذي جعل منه موضوع بحثه لنيل الإجازة. وبعد حصوله على الإجازة التحق بسلك تكوين المكونين، ليتخرج بعد سنة أستاذا جامعيا مكونا، ومن يومها والرجل ما بين تدريس وتأليف ومحاضرة وبحث.

وكان رحمه الله غزير الإنتاج الفكري والعلمي والأدبي، كتب الشعر الرصين الجميل،     وله فيه دواوين حسنة، ومن شعره الجميل ما قرأه مرة أومرتين ولم ينشر لحد الآن. وكتب المقالة السياسية الساخرة، واشتهر بعموده المعلوم ” عابر سبيل” في جريدة الصحوة الغراء. وكتب في التربية الدعوية كتابه القيم ” التوحيد والوساطة في التربية الدعوية” المنشور ضمن سلسلة كتاب الأمة القطرية. وكتب في ” الرواية الدعوية” روايته “كشف المحجوب” وروايته “آخر الفرسان”. وكتب في منهج البحث في الدراسات الإسلامية  “أبجديات البحث في العلوم الشرعية”. وألف لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية “دليل الخطيب والواعظ”. وكتب في تجديد فقه الدعوة طائفة من كتبه من مثل “البيان الدعوي” و”بلاغ الرسالة القرآنية”  و”مجالس القرآن من التلقي إلى التزكية” و”الفطرية”وغيرها. بل وصل عطاؤه وإبداعه إلى مجال الرسم والتشكيل، وله في ذلك لوحات جميلة يعرفها كل من زاره في بيته. وكان مسك ختام إنتاجه رسالة قيمة في موضوع الصلاة، ختم بها مشواره العلمي المبارك، بعنوان ” الدين هوالصلاة”.

وكان رحمه الله في خضم ذلك كله يتحرك بوتيرة من يسابق الزمن، ويشعر بدنوالأجل، وقد ذكر رحمه الله في محاضرة له بأصيلة في صيف العام 2004 أن هاجس الموت يؤرقه ولا يفارقه.

وكان رحمه الله فريدا في مساره الدعوي، اعتلى المنبر حين بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، فنصح وعلم وأجاد، خاطب الناس على قدر عقولهم، واقترب من واقعهم وهمومهم، وصحح أفهامهم، وعالج قلوبهم، فنال التوفيق من الله، والقبول من الناس. فطارت المئات من خطبه ومحاضراته وأشرطته إلى الآفاق، وملأت القلوب والأسماع.

ومثلما أفلح في مخاطبة عوام الناس، فقد أفلح في مخاطبة خواصهم أيضا، فكانت خطبه ودرسه الحسني بحضرة أمير المؤمنين ملك البلاد تجديدا لمواقف العلماء الربانيين والدعاة المخلصين، في حكمة الدعوة، وصدق النصيحة، والجرأة الموزونة في الحق. وكان رحمه الله قدوة لعدد من الأخيار من رجال السلطة، وكثير من أعيان مكناس من التجار والأطباء  والمهندسين والمثقفين.

وكان رحمه الله إذا خطب أوحاضر، تحدث بحماسته المعهودة وعاطفته الصادقة الجياشة، فتقمص الموضوع تقمصا، وارتقى إلى أفقه ارتقاء، حتى لا يكاد المخاطب يفرق بين المتحدث والحديث، وبين الذات والموضوع، وتلك صفة لا تنال بالكسب والتدريب، بل يهبها الله لمن يشاء ويصطفى من عباده.

وكان رحمه الله فريدا في مساره المهني، يعد دروسه ومحاضراته بنفسه، ويفيض في شرحها لطلابه، ويعززها -إذا لزم الأمر- بما تيسر من مطابع ومذكرات. وكان لا يخفي مراجعه كما يصنع كثير من زملائه الأساتذة. وكان مشاركا بارزا في الندوات والملتقيات العلمية، ومناقشا بارعا للأطروحات والرسائل الجامعية. وكان يحظى بقدر غير يسير من المحبة والتقدير في صفوف طلابه، وفي عيون زملائه من الأساتذة والإداريين على السواء.

ومثلما كان شخص الأنصاري فريدا، وحياته فريدة، فقد كان موته فريدا كذلك. جاء نبؤه من تركيا فشاع في يوم أوأقل في ربوع المغرب والخارج، ووقع من الناس موقع الصدمة، فحزن عليه الجميع، وبكاه العام والخاص، وتنادت لجنازته المهيبة الجموع الغفيرة من الناس، من العلماء والدعاة، ومن قادة الحركة الإسلامية وشبابها، ومن أهل مكناس عامة، سار الموكب الضخم في صمت وخشوع، فودعوا الرجل الفريد، وواروا جثمانه الثرى، فتحدث البعض بلسان المقال، وتحدث الجميع بلسان الدمع والحال، تحدثوا حديثا واحدا، قالوا كلاما واحدا: من يحمل لواء الأنصاري؟ من يكمل مشوار الأنصاري؟ من يجدد دعوة الأنصاري الفريد؟.

رحمة الله ورضوانه عليك يا أبا أيوب، ما أعظم مصابنا فيك، وما أشد فقدك علينا، وما أوسع الفراغ الذي تركته فينا، لقد بكينا من فقدنا من أحبتنا مرة أومرات، أما أنت فلا تنفك عيوننا تبكيك ولا تنفك قلوبنا ترثيك كلما ذكرناك، ولكن ربك عز وجل أرادك إلى جواره، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا نملك إلا الرضى والتسليم. نشهد لك بالخير، ونسأل الله لك المغفرة. وإن قلوبنا لتحزن، وإن عيوننا لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا أبا أيوب لمحزونون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

د. عبد الكبير حميدي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *