الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله أنموذج فريد للنصرة الدعوية


لم اعرف الدكتور فريد الأنصاري إلا من خلال بعض كتبه النفيسة التي تشوّقك للمطالعة والاستزادة النهمة عند  تذوقك أسلوبه الفريد ونفحاته القرآنية وتأملاته العميقة في نصوص الوحي وتنزيلها على الواقع المشهود، ولم أشرف بلقائه إلا في ندوة قصيرة في إمارة الشارقة قبل أربع سنوات تقريبا في مركز الأمير عبد المحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية، وهو بحق عالم فريد جمع بين البيان الفكري والبلاغ العملي، والترشيد النقدي لممارسات العمل الإسلامي المعاصر، خصوصا كتاباته الفائقة حول الظواهر الدعوية التي عالجها بمشرط الطبيب الفنّان الماهر الحذق، فهو الخبير الشاهد بواقع العمل الحركي، والناظر الفاحص في معالجات القرآن والسنة لتلك الوقائع، ولا يُفتح على أحد في ذلك إلا لـمن تشبعت روحه بالزاد الإيماني وخلص قلبه من شوائب الأهواء وصدق في نصحه لإخوانه السالكين أو المتعثرين في المسيرة الإصلاحية.

وأعتقد أن الخسارة بفقد العالم الجليل الدكتور فريد الأنصاري لا تتحقق في فقده وغيابه عن الحياة فحسب، بل في فقد الناصح الأمين والمعالج الرصين لأخطاء الحركة وتصحيح مساراتها نحو الرشد والاعتدال، وهذا الجانب  من أهم الجوانب التي يحتاجها أي عمل إسلامي جاوز مرحلة الطفولة وعانى من المراهقة وبدأ يتلمس ركن النضوج والتكامل مع التجارب العالمية القريبة أو البعيدة، وهذه الخسارة العلمية لشخص الدكتور الفريد أكبر من القطر المغربي، بل هي خسارة ظاهرة تعم كل الغيارى الناقدين والمجددين للبعث الإسلامي في العالم كله.

والواقع الإسلامي المعاصر وكذا المستقبل في أمس الحاجة لأصحاب القلوب الكبيرة التي تغمر من حولها في فيوض المحبة، وتشارك الجميع في أهداف الدعوة،ولا يهمها أن جاء الحق على لسانها أو على لسان غيرها مادام الأمرفي سبيل الله وفي خدمة شرع الله تعالى.. إن أولئك الدعاة الكبار -ولا أخال الشيخ الفريد إلا منهم- هم فقهاء المرحلة التي تمر بها مجتمعاتنا المعاصرة وينبغي أن تكون لهم القيادة والتوجيه والإرشاد لمعرفتهم بالمقاصد والكليات التي لا يختلف عليها أحد ,فلا يغرقون الناس في الجزئيات الخلافية الماحقة لبركة الاجتماع والوحدة، ولا يدفعون أطياف المجتمع لمصادمات واهمة تستدعي صراعات تاريخية لا وجود لها إلا في بعض عقول عساكر الصحوة، و لهم نظرات زرقاء اليمامة في استشراف الجديد والتحوط من البعيد المُغرِب.. إنهم صمام الأمان المانع لكل فكر دخيل متطرف و السيف الصارم لكل عابث بأمن العباد واستقرار البلاد.. فهل بعد أولئك النفر لا نحزن إن غادرنا منهم أحد؟؟!

إن عجبي بعلم الدكتور الفريد وكتاباته يدعوني لنشر هذه المنتجات الفكرية الرصينة في شرقنا الإسلامي، والتعريف بهذا الكيان الكبير والمشروعات التجديدية التي تلخصت في شخصه الكريم وفكره العظيم، خصوصا دراساته العميقة حول التوحيد والوساطة في التربية الدعوية، ودراسته حول الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب (دراسة في التدافع الاجتماعي)، وكتابه المختار حول البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي. إلى غيرها من كتبه التخصصية حول فقه المصطلحات ومناهج البحث العلمي.

ولا يفوتني أن أقدم شكري وإعجابي بشيخه وشيخنا الغالي الدكتور الشاهد البوشيخي على عنايته بتراث الدكتور فريد وإعادة إخراجه وتطويره وتعميم نشره في العالم كله، وكما فهمت من فضيلة العلامة الدكتور الشاهد أن هناك برامج عدة في التعريف بهذا التراث النفيس.

وأخيرا.. أدعو الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته و يعوضنا بدلا منه. ولله ما أخذ وله ما أعطى كل شي عنده لأجل مسمى.

د. مسفر بن علي القحطاني

رئيس قسم الدراسات الاسلامية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *