الـمـنـظـور الإســلامـي للـبـيـئـة -2-


 أولا : مفهوم البيئة :

مصطلح “البيئة” مصطلح عربي أصيل موغل في القدم، جاء في تاج العروس للزبيدي (وبوأتهم منزلا : إذا نزلت بهم إلى سند جبل أو قبل نهر، والاسم البيئة بالكسر..والبيئة بالكسر الحالة يقال أنه لحسن البيئة)(5) وجاء في لسان العرب (والبيئة والباءة والمباءة : المنزل.. وباءت بيئة سوء على مثال بيعة أي بحال سوء، وأنه لحسن البيئة، وعمّ بعضهم به جميع الحال)(6) وجاء في شرح ديباجة القاموس (والاسم البيئة بالكسر والمكان حله وأقام كأباء به وتبوأ والمباءة المنزل كالبيئة الحالة)(7) وجاء في المفردات (وقوله {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} أي تقيم بهذه الحالة)(8).

يظهر من خلال ما سبق أن مصطلح “البيئة” جاء على ثلاث معان :

– الأول : المنزل الذي ينزله الإنسان ويختاره لنفسه.

– الثاني : الحالة سواء بخير أو بشر.

– الثالث : الوضع العام للإنسان.

ولا شك أن الأصلح- في نظري البسيط- من ضمن ما سبق هو المعنى الثالث لأن حصر مفهوم البيئة في مظهر واحد هو مكمن الفرق بين المنظور الإسلامي والمنظور الأوروبي لموضوع البيئة بحيث أظهرت الدراسات الأوروبية مفهوم البيئة منحصرا في جوانب معدودة جلها يختص بالحالة الاقتصادية للإنسان، بينما مفهوم البيئة في المنظور الإسلامي أشمل من ذلك وأعم، يقول الأستاذ محمد رفعت رمضان (والمقصود بالبيئة كل ما يحيط بالكائن من ظروف وعوامل تؤثر فيه، فالكائن الحي لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حصل على مقومات حياته من البيئة، فما يحصل عليه الكائن الحي من غذاء وهواء ومسكن إلى غير ذلك فإنما هو جانب من البيئة يستخدمه بما عنده من صفات الحياة وخصائصها لكي يجعل هذه الحياة ممكنة لنفسه ونوعه وكلما كانت البيئة غنية بما فيها من هذه المقومات كلما أمكن لهذا لكائن أن يستفيد مما يتاح له من الفرص كي يحيى حياة تتناسب مع هذا الغنى في البيئة)(9) وفي تعريف آخر (البيئة هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويؤثر فيه ويتأثر به وتتمثل البيئة فيما يحيط بالإنسان من هواء وماء وتربة وضوء وشمس والمعادن في باطن الأرض والنبات والحيوان على سطحها وفي بحارها ومحيطاتها وأنهارها)(10).

من ذلك فالبيئة أقسام :

– البيئة الطبيعية : وتشتمل على العامل الجغرافي والجيولوجي والمناخي.

– البيئة الحضارية : وتشتمل على العامل الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

ويمكن تقسيمها كذلك إلى :

– البيئة الخارجية : وتشمل بذلك كل ما هو على سطح الكرة الأرضية من إنسان وحيوان ونبات وجماد وبحار وأنهار وهواء.

– البيئة الداخلية : وتشمل بذلك كل ما هو تحت سطح الكرة الأرضية من كائنات دقيقة وآبار وخزائن مائية أو بترولية أو غازية أو معدنية وغيرها مما تقوم به الحياة تحت وجه الأرض.

والمتفحص لهذه المعاني يدرك أن هناك ارتباطا وثيقا بين الأرض والبيئة فلا وجود للبيئة بغير أرض ولا وجود لأرض بغير بيئة.

ثانيا : نظرة الإسلام لعناصر البيئة :

– الإنسان : لقد نظر الإسلام إلى الإنسان نظرة فاحصة ودقيقة باعتباره هو الركن الأساس في صلاح الطبيعة وفسادها وهو المقصود بإعمار الأرض واستصلاحها والخلافة فيها، يقول تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}(البقرة :30) ويقول {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم}(الأنعام  : 165) ويقول {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}(هود : 61)، بل ما وُجِدت عناصر البيئة الأخرى إلا لخدمة الإنسان، يقول تعالى {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره}(النحل :12) ويقول {وسخر لكم الشمس والقمر ذائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه}(إبراهيم الآيات : 33- 34) ويقول {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}(الحجر من 05- إلى 08). المتدبر للآيات السابقة يعلم علم اليقين أن الله سبحانه جعل الأرض بما فيها من جبال وأنهار ودواب وجماد ونبات وماء والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء خدمة للإنسان حتى يحقق مشروع الخلافة المنوط به من قِبل الله عز وجل.

– الأرض : لقد اهتم القرآن الكريم بالأرض اهتماما بالغا بصفتها هي مجال عمل الإنسان وسجل إنتاجه سواء كان عملا بإصلاح أو بإفساد، يقول تعالى {إني جاعل في الأرض}(البقرة  : 30) ويقول {أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها}(هود : 61) ويقول {خلائف الأرض}( الأنعام : 165) ويقول {ويستخلفكم في الأرض}(الأعراف  : 129) وقد ورد ذكر الأرض في القرآن الكريم حوالي (461) مرة ويكفي هذا فخرا للأرض وإشادة بها وأن الإنسان وهو أكرم المخلوقات منها خلق وإليها يعود ومنها يخرج مرة أخرى وقد قيل “إن الإنسان خلق من تراب وأكبر همه في التراب ولا يملأ فمه إلا التراب” وقد كانت الأرض في خدمة الإسلام فكان الإسلام بدوره في خدمتها، فقد ساعدت رسول الله  في غزوة بدر فأشار إلى ذلك رب العزة سبحانه بقوله {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى}( الأنفال  : 42) وأمسكت حبات رملها وصخرها للصحابة الكرام {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}(الأنفال  : 11) وأخفت رسول الله وصاحبه يوم الهجرة في بطون صخورها {إذ هما في الغار}(التوبة : 40) وغاصت بقدمي خيل سراقة لما أراد رسول الله  بشر وكانت تطوى لرسول الله   وتسهل له المسير حتى قيل “إن الأرض كانت تخشع لرسول الله  فكأنه ينزل من صبب” وكانت حاضرة معه في غزوة الخندق ويوم رمى بحباتها على الكفار {وما رميت إذ رميت}( الأنفال : 17) وكانت تسلم عليه بأحجارها وشجرها وتحن إليه بجذوعها ومائها وثمارها وتميل عليه بأغصان شجرها إن استظل بها، لقد كانت بحق في خدمة الإسلام فكان الإسلام في خدمتها فنهى عن الفساد فيها {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}(الأعراف : 56) {ولا تمش في الأرض مرحا}(الإسراء : 37) {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض}(المائدة : 33) {أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}(المائدة : 32) {ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}(البقرة : 27) {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}(البقرة : 60) {ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين}(المائدة : 64) {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}(الأعراف : 146).

وجعل سبحانه من صفات عباد الرحمن أنهم {يمشون على الأرض هونا}(الفرقان :63) وأنهم {لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}(القصص :83) وقد فطن إخوة يوسف لهذا فسارعوا لتنزيه أنفسهم منه فقالوا {ما جئنا لنفسد في الأرض}( يوسف : 73) وعلموا أن ذلك من صفات بني إسرائيل {لتفسدن في الأرض مرتين}(الإسراء  : 4) ومن صفات قوم عاد {فأما عاد فاستكبروا في الأرض}(فصلت  : 15).

من هنا حرص المسلمون الأوائل على أن ينهضوا ببيئتهم على خير وجه يمكن أن يحققوا به حمل الأمانة الموكلة إليهم فكان المهاجرون والأنصار يزرعون ويغرسون ويحرثون ويثمرون لعلمهم الأكيد أن رزقهم في السماء {وفي السماء رزقكم}(الذاريات : 22) ومعاشهم في الأرض {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش}(الأعراف  : 10) فكانوا لصلاح الطبيعة (البيئة) بحب الأرض (الوطن) فحبهم لأرضهم دفعهم لصلاح طبيعتها، قال ابن الزبير (ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم) وقال أحد حكماء العرب (عمّر الله البلدان بحب الأوطان)، وقد حفلت السنة النبوية بما يشير إلى أن صلاح البيئة هو مراد الشارع من الإنسان، حتى إن رسول الله  ما كان يخرج في مثاله عن ذلك فقد قال : >مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا<(أخرجه البخاري) وصح عنه قوله : >من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين<(أخرجه مسلم) والفساد في الأرض ظلم، ويقول أيضا : >ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طائر أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة<(أخرجه البخاري).

ذ. امحمد رحماني

——-

1- تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدي المجلد الأول.

2- لسان العرب لأبن منظور المجلد الأول.

3- شرح ديباجة القاموس لنصر الهوريني ص : 09.

4- المفردات للراغب الأصفهاني ص : 70.

5- أصول التربية وعلم النفس لمحمد رفعت رمضان ص:108.

6- علوم البيئة لمحمد صابر سليم 1/03.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *