لكل موازين إذا ما تمت نقصان


لازال الوطن سرادق عزاء مفتوح على جثت بلا عدٍّ ولا حصر، كأنَّ الوطن غدا منذورا للفقدان وتشييع أبنائه دفعات دفعات.. والطامة أنك أينما وليت وجهك نحوالمشرق أوالمغرب سمعت عن جمعية مدنية تولد هنا وهناك ومسجد يفتح هنا وهناك.. ويبدوأن المؤطرين المدنيين والدينيين نسُوا قوله تعالى {وقفوهم إنهم مسؤولون}.. فالنزيف يتواصل بما يعني غيابهم أوفاعليتهم المحدودة..
وكأن من يهمهم أمرُ المواطنين تعوَّدوا على أخبار الموت وروائح الجثث فما عادت تحرك فيهم إلا همهماتٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فعلى مشارف نهاية النشاط الذي اختتم ليالي مهرجان موازين، عرفت عملية الخروج من وصلة تنشيط الأعضاء السفلى تحت رئاسة مايسترو النشاط عبد العزيز الستاتي تدافعا خطيرا أدى إلى مقتل العديد من المتفرجين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.. حيث انقلبت حمى السبت مساء إلى هبوط حراري وانتكاسة للوجوه والملامح التي استحال فرحُُها الجامح إلى مأْتَم مفتوح..
أما الحدث الثاني فيتعلق بسيدتين مغربيتين تُوفِّيتا أمام المعبر الحدودي الفاصل بين وطننا الحر ووطننا السليب سبتة بسبب الزحام الناجم عن حَرِّ اللقمة.
الازدحام غيرُ الازدحام.. فقد ماتت المرأتان وهما بصدد التسوق من سبتة ضمن الأعداد الغفيرة من النساء المغربيات اللواتي يسمَّين “بالحمالات”، للحجم الهائل للسلع التي يحملنها على ظهورهن عائدات بها من سبتة، وهن كسيرات مهينات مطاردات من طرف الأمن الإسباني الشرس الذي لا يتورع عن إشباعهن ضربا وركلا.. ناهيك عن جثث حوادث الطرق والحريك..
وبالعودة إلى كارثة حفل الموازين أين يكمن الخلل الذي نجم عنه هذا المصاب يا ترى؟ إن الفلسفة المؤطرة لهذا المهرجان السنوي المدعــو : موازين حسب تصريحات المشرفين على هذا النشاط الفني والمنتمين إلى ما أسموه : “مغرب الثقافات” تنبني على أساس مُحَاربة الانغلاق والتعصُّب، اللصيق طبعا حسب مفهومهم “بالإسلاميين”، وتشجيع الحوار والتسامح والتلاقح الحضاري، (وحتى الآن لا مشكل)، فحرْب “الطارة والبندير” على فكر الإقصاء والتكفير تبدولأول وهلة مقبولة! طالما تُذبح فيها الأوتار والحناجر والأدمغة، عوض الأجساد العزلاء البريئة..لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبكل حدة، هوكالآتي
: إذا كان المهرجان هو ملتقى للإيقاعات الموسيقية المتنوعة الآتية من مختلف الملل والنحل، وأصحابها يشدون للمحبة والسلام والتعايش..
وإذا كان من شأن الموسيقى أن تسد الطريق على التطرف والعدوانية وترقى بالسامعين إلى علياء الأدب السامي، المفضي إلى الخُلق الرفيع، فكيف نفسر كل تلك المظاهر الهمجية من سكر وعربدة وتحرش بالنساء ومشاجرات ونهب واعتداءات، واستئثار بأبواب الدخول والخروج والأماكن الأقرب إلى نجوم المهرجان..
وهي أمور سجلتها الأقلام الصحفية الأمينة، المواكبة لأنشطة المهرجان؟
ولأن الشيء بالشيء يُذْكر أذكر أننا في سنوات السبعينات الكبريتية، كنا نحج بحشود هائلة للاستماع لمارسيل خليفة وأميمة الخليل..وقلوبنا مثلومة بالغضب للجرح الفلسطيني والتخاذل الرسمي العربي..لكننا لم نكن نشعل المدرجات سيبةً وعُدوانية في كل الاتجاهات

.. كنا نملأ الروح بمصل المقاومة الراشدة، ونعود إلى بيوتنا من نفس الأبواب التي ولجنا منها طوابير طوابير..بكل هدوء وأبهة وشموخ أخلاقي يتأبى على الانزلاق إلى العشوائية المقيتة..
كان مارسيل خليفة يردد أغنيته الشهيرة : منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي في كفي غُصن زيتون وعلى كتفي نعشي وأنا أمشي وأنا أمشي ..
فكنا نصلب قاماتنا ونحن نمضي إلى تفاصيل أيامنا، مستغْرَقين بهَمِّ الصمود والممانعة، لا هَمِّ تجرع ما تطاله أيدينا من مخدرات، للانقضاض على الصبايا كما لوكن دجاجات خم مستباح..
إن الفن الذي يشحن الغرائز ويشعل المسام، ويفضي بالمتفرج إلى بلع الدوخات، ليخرج شاهرا عدوانيته في الشارع والحافلة والدرب فيعيث كسرا وضربا وتحرشا هو فَنٌّ مشكوك فيه..
إن فنانة على سبيل المثال كما حدث في السنة الماضية تأبى إلا أن يكون لها مرحاضها المتنقل طيلة أيام المهرجان.. وملايين متراصة لقاء ساعة تأوه ورقص شهواني وكلام مكرور عن حب ممسوخ أشبه في هشاشته بورق الكلينيكس.. لا يمكن أن تصنع مواطنين متوازنين بمقدورهم مواجهة التطرف والانغلاق.. إذ أن ما يحدث أمام أعينهم من عرض لأجساد فاتنة عارية مائلة مميلة لفترة ساعات، من بعيد لبعيد!!، ثم الإعلان عند الساعة الثانية عشرة أن الحفلة انتهت، ثم فتح الأبواب للمغادرة هوأشبه بفتح الباب لثيران تم تهييجها والتخلي عنها لتقارع حرماناتها المتعددة..وهذا هوالإرهاب بعينه!!.
وفي المقابل فإن فنانة فاتنة لكن جمالها الجسدي يغْرِفَُ وقاره من سعة التزامها بقضايا أمتها فحسب، كالفنانة جوليا بطرس وأشباهها لا يمكن أن تفيق بفنها إلا نوازع التحرر والإنعتاق وميولات الخير وقيم العدالة والنقاء..
وهي القيم الربانية التي بدونها لا تستقيم الموازين الإنسانية القاصرة.
وعلى الذين يؤرقهم الأمن الروحي للمواطنين من منظمي هذا المهرجان وغيره من المهرجانات كما تعبر عن ذلك تصريحاتهم لوسائل الإعلام، أن يعيدوا النظر في معايير اختيار نجومهم المبجَّلين..
وبعبارة أخرى، ليفكروا في ضيوف مميزين من شأنهم تحريك الضمائر والقلوب، لا الأرجل وأشياء أخرى..
وختاما فطالما ظلت الموازين الربانية غائبة في تدبير الشؤون الجدية للمواطنين و”شؤون متعتهم”، فالجثث ستظل مرشحة للارتفاع.
أما عن النزيف المالي الذي يسببه ضخ الأموال الباهظة على هذا النوع من الأنشطة في زمن الحديث عن الأزمة المالية العالمية، فنذكر مقابلَهُ التدبيرَ الراشد للمسؤولين الغربيين حيال الأزمة إلى حد تقشفهم في وسائل مواصلاتهم وركوبهم للدراجات الهوائية على سبيل المثال!.. وحينها سنعرف سبب تصرف شعوبهم بحضارية.. ولا يظلم ربك أحدا.

دة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *