دور أمريكا في نشأة الكيان الصهيوني وتوسعه(2)


الحفاظ على أمن (إسرائيل) وتفوقها
في أعقاب حرب 1967 ارتكزت السياسة الأمريكية على عناصر ثلاثة هي :
– أن إمكان (إسرائيل) الاحتفاظ بالأراضي المحتلة كورقة تفاوضية مقابل السلام ، يتفق وروح قرار مجلس الأمن رقم 242.
– يجب إبقاء (إسرائيل) قوية لدرجة كافية لمنع نشوب الحرب او للدفاع عن نفسها إذا ما نشبت الحرب بالفعل.
– لابد من تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
كما ارتكزت الرؤية الأمريكية لإقرار التسوية السلمية في الشرق الأوسط على المبادئ الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جونسون وهي:
– الاعتراف المتبادل بالاستقلال السياسي لجميع الدول في المنطقة بما في ذلك الحدود، وسحب القوات.
– حرية المرور البريء في الممرات الدولية.
– الحل العادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
– النص على ضرورة الحد من سباق التسلح في المنطقة .
– الاعتراف بحق السيادة لكل دولة للعيش بسلام.
ومع أن هذا المشروع الأمريكي طُرح في الجمعية العامة، إلا أنه لم يحظ بموافقة الأعضاء(4).
وبعد تولي نيكسون رئاسة الولايات المتحدة أجرى عدة لقاءات مع مسؤولين سوفيات بهدف التوصل إلى سياسة مشتركة بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، وعكست هذه اللقاءات أن كلتا القوتين غير قادرة على فرض تسوية تجبر (إسرائيل) على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وهكذا اتفقت الولايات المتحدة وروسيا على تجميد الوضع في الشرق الأوسط، وهو ما عرف “بحالة اللاسلم واللاحرب” خدمة لمصالحهما في تجنب المواجهة ، ومن ثم كان المستفيد هو (إسرائيل).
وبعد أن بدأت العمليات العسكرية في حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973 ، بادرت الولايات المتحدة ـ بعد أن كشف سير المعارك في الأيام الأولى لها مدى ما يتعرض له الجيش الإسرائيلي من خطر ـ بعمل جسر جوي نقلت به للجانب الإسرائيلي من القواعد الأمريكية في أوروبا وأمريكا؛ قدراً هائلاً من الأسلحة المتطورة التي لم يستخدم بعضها من قبل ، وقيل إنها نقلت أسلحة بأطقمها إلى ميادين المعركة ، وعقد مجلس الأمن وأصدر القرار 338 وتم وقف إطلاق النار. وبعد نجاح العمليات العسكرية العربية في هذه الحرب ضعف المركز السياسي لـ(إسرائيل) بصورة ملحوظة؛ مما كان يعني أنها أدركت بشكل حتمي أن التوصل في النهاية إلى حل مع العرب كان يمثل الاختيار الوحيد المفتوح أمامها(5).
وقد أدت حرب 1973 إلى قيام دول العالم بإعادة النظر في حساباتها ومواقفها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، وأدى ذلك إلى الاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني كحقيقة واقعة، وبمنظمة التحرير كممثل شرعي له ، وفرضت القضية الفلسطينية نفسها على الرأي العام العالمي، وتمت مناقشتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي أصدرت قرارات حاسمة كرست الحقوق الفلسطينية (حق تقرير المصير ، حق العودة، التعويض.. الخ) وعُزلت (إسرائيل) دولياً وتمت المساواة بين الصهيونية والعنصرية عام 1975.وعقب انتهاء حرب 1973 برزت الدعوة إلى نبذ الحروب وإحلال السلام في المنطقة ، ووجد تيار في الشارع العربي يرغب في التسوية السلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي(6).
وأدى الضعف النسبي الذي لحق بالجانب الإسرائيلي بعد هزيمة 1973 إلى التقليل من التطرف في عملية المساومة والإقناع بعد فقدان قدر من قوته التفاوضية في لعبة الصراع(7).
وعلى صعيد السياسة الأمريكية بعد حرب 1973 فإنها راحت تبحث حلولاً لثلاث مسائل رئيسية هي: المطالب العربية، والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، والأهداف الإسرائيلية وقد تعثرت الجهود الأمريكية في التوفيق بين هذه الأمور ، فقد تعارضت الأهداف الأسرائيلية مع المصالح الأمريكية إزاء المطالب العربية. واستمرت الولايات المتحدة تدعم (إسرائيل) بكل أسباب القوة ورفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للفلسطينيين، ورفض ممارسة أي ضغط على (إسرائيل) لأنها غير قادرة على ممارسته، وذلك على الرغم مما أثبتته حرب 1973 وما صاحبها من حظر نفطي على الولايات المتحدة ؛ بأن (إسرائيل) لم تعد هي حامية المصالح الأميركية في المنطقة، وأنها غير قادرة على حماية نفسها، كما أدركت الولايات المتحدة أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يهدد أمن (إسرائيل) نفسها لأن وقوع حروب جديدة ليس في صالح (إسرائيل) ، كما أن المواجهة بين العرب و (إسرائيل) قد تؤدي إلى صدام بين أمريكا والاتحاد السوفياتي، وهذا ما تحاول الولايات المتحدة تجنبنه.
تحقيق السلام بين (إسرائيل) والدول العربية
أدركت الولايات المتحدة أن السلام في مصلحة (إسرائيل) لأن تكرار الحروب بين العرب و(إسرائيل) من شأنه أن يؤدي إلى تورط أمريكا في الصراع أو خسارة (إسرائيل) في الحرب ، وكلاهما في غير صالح أمريكا ولا صالح (إسرائيل) ، لذا فقد أدركت الولايات المتحدة أنه تجنباً للمخاطر لا سبيل إلا السلام، ولكن تحقيق السلام يجب أن ينطلق أولاً من المحافظة على وجود (إسرائيل) وتهدئة العرب بمفاوضات السلام المطولة(8).
وأدركت واشنطن أن العرب لن يقبلوا بالسلام مع (إسرائيل) التي اغتصبت أراضيهم، ومن هنا فإذا نجحت أمريكا في إقناع بعض العرب بالسلام فإن ذلك سوف يدفع الأطراف الاخرى للتطرف، وبذلك تنجح في تعميق الخلافات بين الدول العربية، وهكذا نجحت سياسة كيسنجر في بث الخلاف بين الدول العربية ومصر ، حيث أعلن الرئيس السادات في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 تحت قبة مجلس الشعب المصري أنه مستعد للذهاب إلى أي مكان سعياً وراء السلام وحقناً لدماء أي جندي ولو كان هذا المكان هو الكنيست الإسرائيلي(9).
وقد جاء هذا الإعلان في وقت كانت الاستعدادات تجري فيه على قدم وساق لعقد المؤتمر الدولي للسلام في جنيف ، وقد أيدت الولايات المتحدة هذه الخطوة بهدف عزل مصر عن العالم العربي؛ مما يوفر لـ(إسرائيل) العيش في سلام خاصة وأن العرب لا يستطيعون شن حرب بدون مصر.
وتم إبرام معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية عام 1979 ، وقدم لـ(إسرائيل) ما تريد أن تحصل عليه، فقد تم إخراج مصر وهي أكبر الدول العربية؛ من الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، وتعهدت مصر بالدخول في علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية مع (إسرائيل)، وأعطت كامب ديفيد لـ(إسرائيل) أقصى ما تحتاج إليه من الانفتاح الاقتصادي والثقافي والفكري في المنطقة العربية مع إعطائها كل ضمان لسلامتها في المستقبل من الجهة المصرية(10).
واستمر الدعم الأمريكي لـ(إسرائيل) مادياً وسياسياً، فعلى الصعيد السياسي استمر التأييد الأمريكي لـ(إسرائيل) دبلوماسياً في المحافل الدولية، وتبلور هذا الدعم ووجد له إطاراً تنظيمياً فيما يعرف باتفاق التعاون الاستراتيجي بين البلدين والذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني / نوفمبر ويقضي بتكوين لجنة مشتركة للتعاون العسكري ، والتفاوض لإقامة منطقة حرة بين البلدين، وتخزين أسلحة ومواد طبية أمريكية في (إسرائيل) ، وعمل مناورات عسكرية مشتركة ، وزيادة الدعم الاقتصادي والتكنولوجي لـ(إسرائيل)(11).
وعلى الصعيد الاقتصادي فقد بلغت المنح والمساعدات الأمريكية التي تلقتها الحكومة الإسرائيلية رسمياً منذ إنشاء دولة (إسرائيل) إلى عام 1983م مقدار 130 بليون دولار ، وهي أكثر من نصف إجمالي المساعدات التي حصلت عليها (إسرائيل) من الولايات المتحدة. ويشير تقرير مكتب المحاسبات الأمريكي إلى أن (إسرائيل) حصلت عام 1982 على 1400 مليون دولار ، أي 35% من مجموع المساعدات العسكرية الخارجية الأمريكية ، وهو ما يمثل 37% من عبء تمويل ميزانية الدفاع الإسرائيلية(12).
وإذا كان اتفاق التعاون والتحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) يمثل قفزة بالتعاون الأمريكي ـ الإسرائيلي فإنه ليس أمراً جديداً، وإنما هو إعلان عن طبيعة علاقة فعلية قائمة بين دولتين اتفقت مصالحهما وتطابقت ، وهو حلقة في السلسلة الطويلة من الاتفاقات المعقودة بين البلدين منذ نشأة (إسرائيل) ، وسوف تتبعها حلقات واتفاقيات إلى ما شاء الله(13).
وفي عام 1988 في ظل توقد وتوهج الانتفاضة الفلسطينية ؛ تم الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في 15 تشرين الثاني / نوفمبر باعتبارها دولة تحت الاحتلال استناداً إلى قرار الأمم المتحدة 181 لسنة 1947، وقد استمر الخط العام المؤيد للمفاوضات من أجل استخدام كل الأساليب التكتيكية والاستفادة من كل ما هو إيجابي والحد من تأثيرات جوانبها السلبية انطلاقا من عدالة القضية الفلسطينية ، وتأمين الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مهما كانت نتائج الإيقاع الدبلوماسي خلال المفاوضات بطيئة أو دعت إلى اليأس ومغادرة المسار (14).
وكانت السياسة الخارجية الأمريكية تهدف بشكل رئيسي إلى ضرورة التوصل إلى اتفاقية سلام عربي ـ إسرائيلي، كما أن توصل القادة العرب إلى قرار اعتراف بـ(إسرائيل) والدخول في مفاوضات مباشرة معها يعتبر شرطاً أساسياً لإحراز تقدم نحو تحقيق تسوية سياسية . واستمرت الولايات المتحدة ترفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني ، بل أغلق الحوار الفلسطيني ـ الأمريكي الذي كان بمثابة أحد الأبواب المهمة أمام منظمة التحرير الفلسطينية؛ بعد أن علقت الولايات المتحدة مشاركتها في هذا الحوار.
وفي أعقاب حرب الخليج الثانية التي اندلعت عقب غزو العراق للكويت في 2 آب / أغسطس 1990 ، أدرك العالم أهمية المنطقة العربية وضرورة إحلال السلام فيها باعتبارها بؤرة أساسية من بؤر التوتر في النظام العالمي ، وأدرك العالم كذلك ـ وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية ـ أن استمرار القضايا الصراعية الكائنة في منطقة الشرق الأوسط بدون حل حاسم وعادل وشامل سوف يهدد الأمن والسلم الدوليين، وهكذا برزت الدعوة من جانب الولايات المتحدة إلى ضرورة إيجاد “تسوية ما” للصراع العربي ـ الإسرائيلي وخاصة في بعده الفلسطيني ، وهذه “التسوية” مثلت لأول مرة في تاريخ الصراع مصلحة وطنية أمريكية مستقلة ، خاصة بعد أن حسم الشعب الفلسطيني اختياره حول هذه القضية من خلال انتفاضته وقيادته (15).
لقد أدت مقولة “الربط” بين القضية الفلسطينية وحل أزمة الكويت التي رددها النظام العراقي أيام الغزو إلى بعث الاهتمام الدبلوماسي بالقضية الفلسطينية بصورة غير مباشرة، حيث أبرزت الأزمة استحالة تسكين المنطقة العربية واستحالة استقرارها بدون تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
لقد كشفت الأزمة للولايات المتحدة أهمية تحقيق تقدم إزاء الوضع في منطقة الشرق الأوسط وعدم تجاهل القضية الفلسطينية ، ومن ثم جاء الوعد أو الالتزام الأمريكي والغربي بالربط المتعاقب بين حل أزمة الخليج من ناحية، وحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي أي توجيه جهد دبلوماسي مكثف من قبل الولايات المتحدة لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي بعد تسوية أزمة الخليج، وقد تجلى هذا الالتزام في سياق المفاوضات التي انتهت بإصدار رئيس مجلس الأمن بياناً في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1990 يتضمن توصية بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط (16)، وهكذا أصبح الطريق مفتوحا أمام انعقاد مؤتمر دولي للتسوية السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وقد شهدت الفترة التالية لحرب الخليج تحركاً مكثفاً من جانب الولايات المتحدة قام به الرئيس الأمريكي جورج بوش ، ووزير خارجيته جميس بيكر الذي زار المنطقة 5 مرات في جولات مكوكية من أجل جمع الأطراف المتصارعة إلى طاولة الحوار، وبالفعل نجحت هذه الجهود في عقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في أواخر تشرين الأول / أكتوبر، وأوائل تشرين الثاني / نوفمبر 1991
. ———–
1- انظر د. غازي إسماعيل ربايعة، الاستراتيجية الإسرائيلية، ص 553.

2- انظر د. إسماعيل صبري مقلد، الموقف السوفياتي في مفاوضات السلام، مجلة “السياسة الدولية”، عدد 16 أبريل 1974، الأهرام ص 100.

3- انظر د. صلاح العقاد، السادات وكامب ديفد، مكتبة مدبولي، القاهرة 1984، ص 43.

4- انظر د محمود خيري عيسى، مضمون السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بعد أكتوبر 1973، الندوة الدولية لحرب أكتوبر، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1975، ص 2.

5- انظر د. غازي إسماعيل ربابعة، الاستراتيجية الإسرائيلية (1967- 1980) مرجع سابق، ص 581.

6- انظر محمد إبراهيم كامل، السلام الضائع في اتفاقيات كامب ديفد، الشركة السعودية للأبحاث والتسويق، السعودية، الطبعة الثانية، 1983، ص 70.

7- انظر نبيل شبيب، تقييم سياسي لمقررات كامب ديفد، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1979، ص 49.

8- انظر د. محمد عطا صالح زهرة، اتفاق التحالف الاسترايجي الأمريكي-الإسرائيلي، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، عدد 63، مايو 1984، ص 14.

9- انظر د. جودة عبد الخالق، من يساعد (إسرائيل)؟ دار المستقبل العربي، القاهرة، الطبعة الأولى 1985، ص 43.

10- انظر أمين هويدي، لعبة الأمم في الشرق الأوسط، دار المستقبل العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1990، ص 252.

11- انظر د. عز الدين فودة، التسوية السلمية والنظام الدولي الجديد في “الدولة الفلسطينية”، محمد شوقي عبد العال، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، الطبعة الأولى 1992، ص 7.

12- انظر لطفي الخولي، شرعية حرب الخليج الدولية والصراع العربي-الإسرائيلي، سلسلة أوراق الشرق الأوســط، العدد 3، المركز القومي لـــدراسات الشــرق الأوسط، القاهرة يوليوز 1991 ص 65.

13- انظر د. محمد السيد سعيد، مستقبل النظام العربي عبد أزمة الخليج، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت فبراير 1993 ص 186.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *