استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟ 6- لا تقل التحسيس ولكن قل : الإشعار والإعلام(الأخيرة)


6- لا تقل التحسيس ولكن قل : الإشعار والإعلام(الأخيرة)

قلنا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع إن لفظة التحسيس غير واردة أصلا في نظام اللغة العربية، وأوردنا في الحلقة الثانية مجموعة من الحجج التي تبين أن الأمر أخطر من أن يُصحّح بعبارة قل كذا ولا تقل كذا في مثل هذه المسألة، وتحدثنا عن الحجة الأولى المتعلقة بسلب إرادة من نستعمل في حقه لفظة التحسيس. ونتابع الحديث عن بقية الحجج كما يلي :

2- هل كلمة أحَسَّ على وزن أفْعَل تحتمل الجعل والتصيير….؟

ونعني بهذا أن صيغة أفْعَلَ لَها وظائف دلالية منها : الدلالة على الجعل والتصيير، فكل كلمة على وزن أفْعل يحتمل أن تدل على أحد المعنيين، ومنها كلمة أحسَّ التي هي أصل الإحساس وفي هذا المعنى يقول ابن عصفور موضحاً الجعل وأنواعه : >فالجعل على ثـلاثة أوجه :

أحدهما أن تجعله (أي المتحدث عنه بصيغة أفْعل) يفعل كقوله : أخرجته وأدخلته أي جعلته خارجاً وداخلا (كما إذا قلت مثلا : أخرجت فلانا من بيتي أو أدْخلته بيتي).

الثاني أن تجعله على صفة (أي متصفاً بصفة مّا) كقوله : أطردته : جعلته طريداً (وهذا فيما إذا قلت أطردت فلانا بدل طردته).

الثــالــث أن تجعله صـــاحب شـيء نحو : أقبرته (أي) : جعلت لــه قبرا<(الممتع 186/1).

أما الصيرورة (التصيير) فيوضحها ابن الحاجب -وهو يتحدث عن معاني أفعل- بقوله : >وهو (أي التصيير) على ضربين :

أ- إما أن يصيير (أي المتحدث عنه) صاحب ما اشتق منه نحو : ألحم زيد أي صار ذا لحم، وأطفلت (المرأة) أي صارت ذات طفل، وأعسر وأيسر، وأقلّ، أي صار ذا عُسْر، ويُسْر وقِلّة..

ب- وإما أن يصيير  (المتحدث عنه) صاحب شيء هو صاحب ما اشتق منه نحو : أجرب الرجل أي صار ذا إبل ذات جرب، وأخبث أي صار ذا أصحاب خُبثاء..<(الشافية 88/1).

فلو تجاوزنا وقلنا بأن لفظة >حَسَّسَ< التي هي أصل التحسيس بمعنى أحسّ التي هي أصل الإحساس، فهل يصح استعماله بوجه من الوجوه التي فسر بها الجعل والتصيير اللذان هما من وظائف أفعل الدلالية التي يمكن أن تسند إلى فعل أحس، أو بمعنى آخر هل يملك أحد القدرة على أن يَنْفُذ إلى مشاعر الآخر ليجعله يحس أو صاحب إحساس…؟!

3- لمادة (ح س س) فروع ومشتقات نذكرها باختصار مع التمثيل لما ورد منها في القرآن كريم، وهي كما يلي :

1- حسَّ على وزن فعل بفتح العين ولها مضارعان يحسُّ بضم الحاء مثل نَصَر ينْصُر، ويحِس بكسر الحاء مثل ضرَبَ يضرِب، ولكل مضارع معناه الخاص.. (الجمهرة لابن دريد 59/1 ع2).

2- أحَسَّ على وزن أفعل ويشارك حسّ في وجه من معانيه، يقول ابن منظور : >وحسّ منه خبراً وأحسَّ كلاهما رأى وعلى هذا فسر قوله تعالى : {فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر}(آل عمران : 12).

3- تحسَّسَ قال : >وتحسس الخبر تطلّبَه وتبحّته وفي التنزيل العزيز {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه}(يوسف : 87).

4- انحس، قال : وانحستْ أسنانه : تساقطت< (ل ع 52/6).

5- احتسّ قال : >والحَس والاحتساس في كل شيء أي لا يُترك في المكان شيء..<(ل ع 53/6 ع1).

هكذا يتضح من استقراء مشتقات مادة (ح س س) أنه ليس من بينها صيغة >حسّسَ< على وزن فعّل التي هي أصل التحسيس. وهكذا يتضح أيضا أن بعض مشتقات هذه المادة مثل >أحس< و>تحسّسَ< ومصدر حسّ الذي هو الحسُّ بفتح الحاء واردة في القرآن الكريم، وهو ما يؤكد ما أشرنا إليه سابقا من أن مثل هذا الخطأ لا ينبغي أن يصحح بعبارة قل كذا ولا تقل كذا قبل توضيح خطورته.

والخلاصة أن كلمة الإحساس التي هي مصدر فعل “أحس” الذي يُفْترضُ فيه أن يكون تفسيراً للتحسيس عند مستعمليه لا يمكن أن يسند -أي مصدر الإحساس- للحواس مجتمعة دفعة واحدة، فهو أي الإحساس مفهوم عام يؤخذ منه عند إطلاقه القدر المناسب، بإسناد الفعل المناسب إلى الحاسة التي يقتضيها السياق، وهذا ما نلاحظه في الآيتين اللتين ورد فيهما وهما قوله تعالى : {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من اَنْصاري إلى الله}(آل عمران : 52)، وقوله تعالى : {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون}(الأنبياء : 21). فمن جملة ما أورده ابن منظور من معاني >أحس< : رأى قال : >قال الزجاج : معنى أحس علم ووجد في اللغة، ويقال : هل أحسست صاحبك أي هل رأيته، وهل أحسست الخبر أي هل عرفته وعلمته، وقال الليث في قوله تعالى : {فلما أحس عيسى منهم الكفر} أي رأى… وقيل في قوله تعالى : {هل تحس منهم من أحد} معناه هل تبصر هل ترى؟…(ل ع 50/6 ع1).

والسؤال -بعد كل ما سبق- فما هو القصد الذي يهدف إليه المعبرون  بلفظة التحسيس فجانبوا الصواب من حيث لا يدرون؟ إنه الإشعار والإعلام! ومادة (ش ع ر) وبعض ما يشتق منها تسعفنا على الوصول إلى هذا المعنى (الإعلام والإشعار) يقول الفيومي وهو يعرف الشعر وضوابط الكلام العربي الذي يسمى شعراً >…فما خلا من هذه القيود أو بعضها فلا يسمى شعراً… لأنه مأخوذ من شعَرت إذا فطنت وعلمت، وسمي شاعراً لفطنته و علمه به..<(المصباح المنير).

ويقول ابن منظور : >وأشعره الأمر، وأشعره به أعلمه إياه، وفي التنزيل العزيز {وما يشعركم أنها  إذا جاءت لا يومنون} وتقــول للــــرجل استشعــر خشية اللــه أي اجعله شعــار قلبــك..<(ل ع 209/4 ع2) وشعار القوم علاماتهم في سفرهم.. والإشعار : الإعلام<(ل ع 413/4).

وعليه ينبغي أن تقول أنشطة إشعارية، وبرنامجاً إشعاريا، ودورة إشعارية، وكل هذا يعني ببساطة جلب انتباه الناس إلى ما نقوم به من أعمال يمكنهم أن يستفيدوا منها بشكل من الأشكال في حياتهم، لأن مادة (ش ع ر) تتضمن في معناها الفطنة والعلم، فالفطنة تعني جلب انتباه المعني بالأمر، والعلم يعني إطلاعه على قيمة وفائدة ما نفطنه إليه وفائدته في حياته، وعليه نقول وبالله التوفيق الإشعار لا التحسيس {إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله} نسأل الله أن يوفقنا لما فيه خير البلاد والعباد آمين.

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *