أثر الفتن في نفس الإنسان وفي الكون


يقول الحق جل جلاله في محكم التنزيل : {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب}(الأنفال : 25)
الفتن عمت الكون والكائنات، نسأل الله السلامة والعافية، وأصابت الصغير والكبير والغني والفقير والعالم والجاهل والمتكبر والمتواضع والمُتَخَلِّق والسافل والجميل والقبيح والمتحرك والجامد، كل شيء فتن حتى الزمن والمال، حيث صار اقتصاد العالم مهددا بالانهيار الكامل، ولم يقف عند الدول العظمى فقط، بل لَحِق جميع دول العالم الكبيرة منها والصغيرة والسبب واضح جلي؛ في مقدمته فتح باب الربا على مصراعيه في جميع مرافق الحياة، وصارت الرشاوى شيئا طبيعيا، في جميع المعاملات، وبالأخص في البلاد المسلمة، حيث سُمِّيَ البعض منها بالهدايا.
أليس هذا حربا مع الله سبحانه؟ ومن حارب الله انهزم لا محالة. والواقع الملموس خير شاهد على هذا، والأمثلة تكاد لا تحصى، فهناك إعصار دمر مدينة بأكملها، وزلازل خلفت المئات من القتلى والجرحى إضافة إلى تهديم المنشآت والمساكن الكثيرة. وآخرها الأزمة المالية العالمية، التي بدأت من زعيمة الفساد العالمي، وها نحن نسمع اليوم عن مرض إنفلونزا الخنازير.
يعلم الله سبحانه وتعالى وحده ما ذا سيكون بعد هذا؟ ألم يكن الإنسان هو السبب المباشر في هذه الفتن؟ ألم يظلم هذا الإنسان أخاه من بني جنسه في كثير من مناحي الحياة؟!
أخي القارئ الكريم :
اقرأ وتأمل قول من لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى جميع الأنبياء. فعن أبي موسى الأشعري ] أن رسول الله قال : >إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل<(رواه الترمذي).
والفِتَن : جمع فِتْنَة، والمراد بالفتن هنا المصائب والنكبات والبلايا التي تنزل بالناس في آخر الزمان، فتصيبهم في أنفسهم أو في أموالهم أو في أولادهم، أو عقائدهم، قال الشاعر :
إن لله عبادا فطنا
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
أما المراد بالعَرَضِ فهو الشيء الحقير من حطام الدنيا.
إطــلالة على معنى الحديث الشريف :
إن الإنسان ليشعر، شعورا خاصا بالبلاء ينزل والفتن تحيط به، بل وتكون عنده ملموسة محسوسة، تلاحقه كما يلاحق الظلام غسق الليل. كما أنها تلازمه ملازمة الهلع لقلب الجبان فلا تفارقه.
صورة الفتن تنغص على صاحبها الحياة فتجده قلقا مضطربا لا يسعه زمان ولا مكان، ولا يكاد يرى ما حوله، قال تعالى في محكم كتابه : {إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}(النور: 40).
اشتدت الفتن والمحن المريرة في عصرنا الحاضر. مما سبب انقلابا عظيما في نفوس البشر، وبين عشية وضحاها وقع له النكوص السلبي من الإيمان إلى الكفر، ومن الهدى إلى الضلال، ومن النور إلى الظلام، فأي كارثة أكبر من هذه؟! وأي مصيبة أكثر من التنكب عن الدين الإسلامي، دين الطهارة والصفاء، دين الهداية والرشاد، دين المحبة والإخاء، دين كله خير وسداد. إنها المادية الخبيثة التي أصل جذورها الصهيوني الماكر (ماركس) وخطط لها بدقة متناهية، مما جعلها تنجح وبتفوق في وقتنا الحاضر، ولكن كما قال الشاعر العربي :
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغرن بطيب العيش إنسان
هذه المادية المتفاحشة، جرفت في طريقها أصحاب النفوس المريضة الذين عاشوا لبطونهم وشهواتهم، والذين فضلوا الحياة الدنيا على الباقية الدائمة، مما جعلهم يَنْخَدِعون بزخرفها ويغترون بحطامها، حتى باعوا أنْفَسَ شيء عندهم، وهو الإيمان، بأبخس شيء وهو الكفر والحطام، يقول الحق سبحانه : {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين}(البقرة : 16)
فالمادة طمست بصيرتهم وبصرهم فأنْسَتهم القيم الروحية الدينية والخلقية، فلم يعودوا يعيشون إلا من أجل شهواتهم الدنيوية. فهو تراجع خطير خطير، يقول الحق سبحانه : {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}(آل عمران : 8).
ما يمكن أن يستفاد :
أولا : الفتنة والابتلاء، هما الميزان الذي يميز الصادق من الكاذب، وصدق الله العظيم إذ يقول : {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}(العنكبوت : 1- 2).
ثانيا : من قوي إيمانه، فوض أمره إلى الله وسأله النجاة من فتن الدنيا والآخرة.
ثالثا : الحل بالتأكيد للخروج مما هو عليه العالم الآن، هو الرجوع مئة في المائة إلى شرع الله سبحانه. وهذا ما بدأت تفكر فيه وتدرسه بعض الدول المتزعمة للفساد العالمي.
رابعا : لقد فتن في دينه ومعه صحابته الكرام رضي الله عنهم، وكثير من الشباب، في عهده ومن بعده. ومع ذلك صبروا واحتسبوا إلى الله؛ فنجاهم سبحانه وتعالى وتحقق نصر الله للإسلام وعزته بسببهم.
خامسا : يا من يشتكي فتنة الدنيا والمال، حقق خوف الله في نفسك تجد الأنس والطمأنينة تحفك من كل مكان.
سادسا : تنوع الفتن وكثرتها، تجعل الإنسان يقف وقفة المتأمل الصادق للتخلص منها بسلام .
سابعا : بعض النفوس المريضة بالغرور، تفتن مرات متعددة، ومع ذلك تتمادى في الغي والطغيان، فلا تتعظ حتى تأتي القاضية الفاصلة، حيث لم يعد ينفع أي شيء، وبعد فوات الأوان.
نسأل الله جل جلاله وهو القاهر فوق عباده ألا تكون هذه الفتن المتلاحقة استدراجا منه، تأتي بعده الضربة القاصمة.
اللهم لا تواخذنا بما فعل السفهاء منا.

ذ. محمد بن شقرون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *