آيات ومواقف – ربِّ ارجِـعُـون


قال تعالى : {قل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا، إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}(المومنون : 97- 100).
رب ارجعون طلبٌ بعد فوات الأوان، فوا أسفاه! ما أشقى الطالب وما أبأسه، وقد أُعطي من المدة ما يكفيه {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير؟} لكنه ضيع الفرصة، ولا مجال اليوم للتكرار، فقد قُضي الأمر، وحصْحَص الحق!
رب ارجعون! فقد تُبت وآمنت، واعترفت وأقررت، ولن أعوذ إلى معصية أبدا! لكن أين كنت يا عبد الله، وقد عمرناك، زمنا طويلا، وأحييناك سنين عددا؟ أما الآن فلا، {آلان وقد عصيتَ قبلُ وكنت من المفسدين}.
رب ارجعون : لعلي أعمل صالحا فيما تركت وضيعت من أموال وأولاد وقصور، ولعلي أعمل صالحا فيما ضيعته وفرطت فيه من طاعات وعبادات، فلقد رُفع الستار، وكُشف الحجاب، وبدت الحقيقة أوضح من الشمس في رابعة النهار، لكن هيهات هيهات، فإنها كلمة هو قائلها، وقد قالها سبحانه {إذا جاء أجلهم فلا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون} وقد جاء أجلك أيها الإنسان، وانقطع عملك، وحيل بينك وبين ما تريد، وحان يوم حسابك، وليس لك الآن إلا مواجهة ما قدمت في حياتك واستمع إلى سيدك ومولاك وهو يناديك ويخاطبك في هذا الحديث القدسي : >يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه<.
رب ارجعون! مارأيك إن استُجِيبَ لك الآن ورُجِّعْت؟ أتتوب إلى الله حقا؟ ألا تعود إلى ما كنت فيه من تقصير وتفريط؟
إن ربك قادر على كل شيء، بيده كل شيء، فإذا أرجعك فوفّ بالعهد، واعمل صالحا تفرحْ بلقائه كما يفرح الصالحون، فهذا عبد الله بن المبارك رحمه الله فتح عينه عند الوفاة وضحك وقال >لمثل هذا فليعمل العاملون< وظل عمر بن عبد العزيز رحمه الله يردد عند وفاته {تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}.
رب ارجعون! ها هو ذا رجل من المسلمين يسْألُها فيُعْطاها!! إي والله، إنه الربيع بن خيثم، الرجل الصالح، فقد كان حَفَر في داره قبرا، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ثم يقول {رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت} يرددها، ثم يرد على نفسه : يا ربيع قد رجَّعتك فاعمل(1)!!
هذا الربيع فكُنْه أنت، فو الله ما أسعدك إن كنته، فقد كان يذكر الموعد ولا ينساه، ويستعد له في ليله وضحاه، فتدبر تكن من الفائزين، ولا تنس أن تذكر نفسك بنفسك، وتخاطبها بقولك : يا فلان (تذكر اسمك) ها قد رجّعتك فاعمل! ولا تَنس أنها فرصة لا تعْطى لكل أحد! إنها أعطيت لك أنت، فاحذر أن تضيع منك، فقد تكون الأخيرة
! ومن يدري، فربما قامت قيامتك الآن! وجاءك ملك الموت وجنوده، فإذا قلت رب اجعون، جاءك الجواب {كلا إنها كلمة هو قائلها} لأن الله قد قال لك قبل ذلك {ولن يوخر الله نفسا إذا جاء آجلها} فاحرص على ما ينفعك كما حرص الربيع، والله الموفق.

ذ. امحمد العمراوي
—-
1- الاحياء 517/4.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *