(ثالث عشر من ماي) يوم الأم أو عيد الأم (عيد الأم) : ما بين فقه الدين وفقه الواقع


ربما ينتظر القارئ الكريم فهما من طبيعة العنوان أن نناقش القضية اللفظية لمدلول مصطلح “عيد الأم” هل هو جائز شرعا أم لا؟ وما هي الدلالات التي يحملها؟ والتي يمكن له أن يخفيها بين طياته؟

خصوصا أنه مصطلح لم تشهده الحضارة الإسلامية إلا في غضون قيام الحضارة الغربية. وذلك لأمر أكيد هو أن من مسلمات العقل عند الإنسان المسلم أن كل أيام السنة هو عيد للأم، فإذا كانت المرأة التي حملتني في بطنها ما يقارب ثلاثمائة وستين يوما (تسعة أشهر) بكل ما تعنيه كلمة الحمل من معنى، ثم آتي أنا بكل جفري وعفري وأعطيها يوما في السنة أعتبره عيدا لها، فإن هذا لهو أول بخس لحقوقها وعق لها وضرب لكرامتها وتضحياتها عرض الحائط وأي أدب يكون من صاحب هذا السلوك ولا يكون ذلك من إنسان بتاتا على أن يكون من مسلم ينهج في حياته نهج المصطفى الأمين.
لذلك فلن تكون أدنى فائدة من مناقشة اللفظ مع إنسان مسلم يعرف قيمة الأم ومكانتها في الإسلام، غير أن هذا لا يمنعنا من وضع الأمر بين فقه الدين الذي جاء به رسولنا الكريم وفقه الواقع الذي أنتجه تعاملنا نحن، فإذا كان مجموع الأحاديث التي جاء بها الرسول الكريم لا تخلوا زمرة منها إلا وتتم الإشارة فيها إلى الأم وطبيعة التعامل معها والتحذير من مغبات سوء التعامل وقلة الأدب والاحترام، تمثل فقه الدين الذي جاء به محمد ليكون قانونا أساسا عند المسلم بحيث تكون الأم آخر ورقة يستطيع الإبن أن يتلاعب بها في الشرع الحنيف إذ هي أو النار لا محالة، فلا مكان في الجنة لعاق.
وقد حفلت ترجمة عبد الله بن المبارك بقصة عجيبة >أنه ذهب إلى الحج فغفى غفوة على جبل عرفات فرأى في المنام قائلا يقول (كل الناس مغفورا لهم إلا محمد الخرساني) فلما استيقظ اتجه إلى مكان وجود الخرسانيين في الحج، فسأل عن محمد الخرساني فقيل له (إنه رجل صوام نهار قوام ليل، ولن تجده إلا راكعا أو ساجدا أو ذاكرا) فلما أتاه وجده يصلي والدموع تنهمر من لحيته فقال له لما انتهى من صلاته (بالله عليك أخبرني ما الذي فعلته فإني رأيت كذا وكذا) فقال محمد الخرساني (أتيت يوما إلى بيتي وأنا سكران قبل أن أتوب فوجدت أمي تصيح بوجهي وتؤنبني فهممت بها فوضعتها في التنور دون أن أعي، فلما أفقت أخبرتني زوجتي بما فعلت فأسرعت إلى التنور فوجدتها رمادا لم يبق منها شيء، وأنا اليوم نادم على ما فعلت وهذه هي المرة الثلاثين التي أحج فيها وفي كل حجة يخبرنا رجل من العلماء بتلك الرؤيا) فعاد محمد بن المبارك فصلى وبكى ودعا له على جبل عرفات، فلما نام إذ رأى في المنام قائلا يقول (كل الناس مغفورا لهم حتى محمد الخرساني) فحكى له ذلك ففرح فرحا شديدا<.

المتفهم لإيحاءات القصة ومدلولاتها يعلم أن محمد الخرساني لم يقبل له الحج تسعا وعشرين مرة لتعامله مع أمه دون وعي وهو سكران فما بالك بمن يعي ما يفعل. إن الأم في الإسلام ذات قيمة لا يخالجها تردد أو شك أو رد كلام، فالقرآن يوصي بالإحسان للوالدين بعد عبادة الله عز وجل {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}(الإسراء : 23 -24) وفي أجزاء كثيرة أكد القرآن الكريم على أهمية دور الأم العظيم {ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير}(لقمان : 14) وعن أبي هريرة ] قال : جاء رجل إلى رسول الله فقال : يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال >أمك< قال : ثم من؟ قال >أمك< قال : ثم من؟ قال : >أمك< قال : ثم من؟ قال : >أبوك<(أخرجه البخاري). فإذا كان هذا هو فقه الدين عندنا فإن فقه الدين عند اليهود والنصارى بعكس ذلك تماما فإن العهد الجديد لا يكرم الأم على الإطلاق بل يعتبر الإحسان للأم عائقا في الطريق إلى الرب، فبالنسبة للعهد الجديد لا يعتبر المسيحي تابعا للمسيح إلا إذا كره أمه، ويوجد قول منسوب للمسيح \ (إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا)(1) ويوجد جزء في العهد الجديد يقول بأن المسيح لم يوافق على ما قالته واحدة من جمهوره أن أمه لها فضل عظيم لأنها ولدته وربته (وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له : طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما، أما هو فقال : بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه)(2)، إذا كانت امرأة في مقام العذراء مريم تعامل مثل هذه المعاملة من قبل ابن في مقام المسيح عيسى فما بالك بالأم العادية والابن العادي؟ فلا حرج إذن أن يكون فقه الواقع عندهم أن تؤخذ الأم إلى دار العجزة بعد أن تَبْيَضّ أول شعرة من رأسها.
هذا فقه الدين عندهم والذي يفسره فقه واقعهم ، أما فقه الدين عندنا فإن عيسى \ لم يكن بجبار ولا شقي وإنما كان بأمه بارا مشفقا، {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيئا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا}(مريم : 29 -31) فإن كان مباركا من قبل الله فبركته لن تتجاوز أمه بالتأكيد، هذا فقه الدين عندنا وذلك فقه الدين عندهم، أما فقه الواقع عندهم فيفسر فقه دينهم فلا غرابة في أن ينادي الابن الأمريكي أمه بقوله (أيتها الفاسدة) Petch، أما فقه الواقع عندنا فلن يفسر فقه الدين أبدا لما يظهر من الفرق الهائل بين الكم الكبير من الآيات القرآنية والأحاديث الموصية بحق الأم وبين الكم الهائل من الطريق السلبية المتعامل بها مع الأم المسكينة، حتى أصبحت آخر فرد في الأسرة يمكن أن يعود إليها الابن ويضع رأسه على صدرها.
إذا كانت الأم في واقعنا تُضْرَبُ بالأحذية وتسب وتشتم بأرذل الصفات وأبشع الأنعات وتقاد من شعرها ويرد عليها الكلام إلا من رحم الله من الأبناء البررة فإن فقه الدين يخالف ذلك تماما دون أدنى شك لمن فهم الإسلام وأدرك تعاليمه. ومما أستحضره في هذا المقام قصة أم كانت تأخذ ولدها يوميا إلى المدرسة وكان الابن يكره هذا التصرف كرها شديدا لأن أصحابه كانوا يعيرونه بأمه العوراء فقد كانت فاقدة لأحدى عينيها، ومرة نهر وصاح في وجهها أن ابتعدي عني أيتها العوراء ولا تأتي معي بعد اليوم إلى المدرسة، وهرب من تلك المدينة لما كانوا يقولون له وينعتونه بولد العوراء، فلما كبر وتزوج وأنجب الأطفال تذكر أمه بعد سنين طويلة فبحث عنها فوجدها على فراش الموت، فطلب منها السماح فسامحته وقالت له : يا ولدي سأحكي لك قصة أودعك بها من هذه الحياة، فقال لها احكي يا أمي، فقالت (بينما أنا أسير معك ذات يوما إلى المدرسة وأنت صغير جدا إلتوت قدمك فسقطت على وجهك فدخل غصن في عينك فأتلفها فأخذتك إلى الطبيب فقال لي يوجد أمل في شفاء عينه ولكن باستبدالها ولن نجد في هذا الزمان من يضحي بعينه ولو بآلاف الدراهم، فقالت له الأم أنا أعطيه إحدى عيني فأجريت العملية بنجاح وصرتَ أنت بعين وأنا بدونها) وأسلمت الأم الروح إلى خالقها والولد مندهش من حكايتها الأخيرة.
إن توصية الرسول الكريم بالأم ثلاثا لينم عن خبرة كاملة بهذا المجتمع العربي الذي يعطي الأب مع سلطته الفطرية سلطة مادية مطلقة بحيث لا يستطيع الابن أن يتعدى ويرد الكلام على من يعطيه ثمن الحمام والحلاق، فيكون سوء التعامل مع الأب نادراً قليلاً مقارنة مع الأم المسكينة التي هي بدورها تنتظر من الزوج ثمن الحمام والغاسول، فتكون الأم ملاذا لتفريغ شحنات الابن الناتجة عن سيطرة الأب وتصرفاته، ولذلك جاءت توصيات الرسول الكريم بالأم أكثر من توصياته بالأب.
من ذلك فالأم في فقه الواقع المعاصر عندنا لا تفترق كثيرا مع الأم في فقه الواقع الغربي، فإذا كانت ترمى في دور العجزة هناك فهي ترمى على أبواب المساجد هنا، وإذا كانت تجلس مع الكلاب هناك وتفضلهم على الأبناء فهي تجلس مع المتسولين هنا. فإذا كان تعامل الأوروبي السيئ مع أمه مقبولا من حيث جريانه في نفس ما يحض عليه دينه المزور فإنه بلا شك غير مقبول من إنسان جل توصيات ربه وأقوال رسوله تحذر من قول أف للوالدين.
ومن ذلك يظهر جليا أن قولهم “عيد الأم” مجرد كذب وافتراء على الأم المسكينة فكيف يكون للأم عيد في الغرب ولها مأتم فيه، ومبلغ الحرص عندنا أن تكون الأم مما يوافق فقد الدين لا فقه الواقع إذ لا سلطة للواقع إلا بالدين.

ذ. امحمد رحماني
——–

1- لوقيا 14 : 26. //2 – لوقيا 11 : 27 -28.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>