مــيـثـاق الـفـتــوى


عقد المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة مؤتمره العالمي للفتوى وضوابطها، وقد نشرت الجريدة في العدد الماضي توصيات المؤتمر، ونظراً لأهمية موضوع الفتوى ننشر في هذه الحلقة وما يليها خلاصة ما أسفر عنه المؤتمر بشأن الفتوى وضوابها.

مــيـثـاق الـفـتــوى

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من  لا نبي بعده ، نبينا محمد وعلى وأصحابه أجمعين . وبعد:

فقد دعت رابطة العالم الإسلامي إلى (المؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها) عدداً كبيراً من المفتين والعلماء في العالم الإسلامي ، وذلك لمناقشة قضية من أهم قضايا المسلمين المعاصرة ، ألا وهي قضية الفتوى، وبيان أهميتها وخطرها وما يعرض لها من مشكلات قد تثير بلبلة في صفوف المسلمين، وتؤدي في بعض الأحيان إلى الاختلاف والفرقة وتشويه صورة الإسلام، وقد خلصوا إلى ميثاق الفتوى، المكون من ثلاثةأبواب ، والمشتمل على إحدى وأربعين مادة .

الباب الأول  : مبادئ وأساسيات

(حقيقة الفتوى، ومجالاتها، وأهميتها، وحكمها، وشروط المفتي، وصفاته، وآدابه ، وآداب المستفتي)

1- الفتوى هي: الإخبار بحكم الله عن دليل لمن سأل عنه .

وهي من البيان الذي أوجبه الله على العلماء في قوله: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}(آل عمران :187).

وحذر سبحانه من كتمانه ، قـال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}(البقرة :159).

كما حذر نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك في قوله: >من سٌئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة<(أخرجه أبو داود والحاكم).

2-المفتي هو: المخبر بحكم الله عن دليل لمن سأل عنه.

3-مجالات الفتوى : تشمل الفتوى جميع تصرفات العباد ، لا يخرج عنها اعتقاد، أو قول ، أو عمل ، وهذا يشمل علاقة المكلف بربه، وبنفسه وبغيره ، وبالدولة التي يعيش فيها، وعلاقة الدولة بغيرها من الدول في زمن السلم والحرب. أي إن الفتوى تتصل بمختلف  المجالات : العقيدة والعبادة والمعاملة والمال والاقتصاد والأسرة والسياسة والحكم والقضاء وغير ذلك .

4- أهمية الفتوى : الفتوى شأنها عظيم، فالمفتي مخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وبقدر عظم شأن الفتوى وشرفها وأجرها يكون عظم خطرها واشتداد ضررها -إذا تصدى لها من ليس أهلاً لها- على من يستفتيه ، وعلى سائر الأمة.

قال صلى الله عليه وسلم : >من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه<(رواه أبو داود واللفظ له والحاكم وصححه).

وقال صلى الله عليه وسلم: >إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا<(متفق عليه).

ولهذا كان السلف -رحمهم الله-  مع غزارة علمهم ، وحرصهم على تعليم الناس وإجابة أسئلتهم يردون السائل إلى غيرهم ليكفيهم عهدة الفتوى.

5- للفتوى الصادرة عن أهلها أثر كبير في بيان حقائق الإسلام وتفنيد أباطيل خصومه ، وتأكيد أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان ، وصالحة لتنظيم مختلف نواحي الحياة الخاصة والعامة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والإدارية وغيرها ، على أتم الوجوه وأعدلها .

6- حكم الفتوى : الأصل في الإفتاء أنه فرض كفاية. قال تعالى : {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(التوبة : 122).

وتجب الفتوى وجوباً عينياً على المفتي المؤهل في بعض الأحوال، نحو أن لا يوجد مؤهل غيره.

7- يحرم على المفتي الفتوى في الأحوال التالية:

أ- إذا كان لا يعلم حكم المسألة أصلاً. ولا يستطيع استنباط حكمها وفق الأصول الشرعية .

ب- إذا كان الإفتاء بهوى من المفتي .

قال تعالى : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(الأعراف: 33).

وقال الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النحل116- 117).

وقال تعالى : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنــزَلَ اللّـهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}(المائدة : 48).

ج-  إذا كان منشغل الفكر ، وفي حال لا  يتمكن معها من التأمل والنظر.

د – إذا خشي غائلة الفتوى بأن تؤدي إلى مآلات غير محمودة.

ويجوز امتناع المفتي عن الفتوى في الأحوال التالية:

أ- إذا خشي لحوق ضرر به.

ب- إذا قام غيره مقامه.

ج- إذا كانت الفتوى مما لا نفع فيها للسائل.

د- إذا كانت المسألة المسؤول عنها غير واقعة.

8- شروط المفتي : يشترط في المفتي شروط ، لا يجوز له التصدي للإفتاء قبل تحققها، ولا يحل لأحد أن يستفتيه بدونها، وهي :

أ- الإسلام.

ب- البلوغ.

ج– العقل.

د – العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها.

هـ- العدالة ، فمن اختل دينه ، أو فسدت مروءته لم يصلح للفتيا ، وذلك لعدم الوثوق بقوله.

9- من كان من أهل الاجتهاد ، وجب عليه الإفتاء بما أداه إليه اجتهاده.

ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد من أتباع المذاهب الفقهية وكان من أهل التخريج أو الترجيح جاز له الإفتاء تخريجاً على أقوال المجتهدين ، أو ترجيحاً بالدليل من هذه الأقوال.

ومن كانت رتبته دون ذلك ، جاز له الإفتاء بما علمه بدليله، من مذهبه أو مذهب غيره.

10- من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المفتي :

أ – أن يكون صحيح التمييز ، قوي الفطنة ، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل .

ب- أن يتصف بالأناة والتثبت والحلم والمهابة والوقار.

ج- أن تكون له معرفة بأحوال المستفتين وبالواقع الذي يعيشون فيه ، إما بنفسه أو بمن يستعين به من أهل الخبرة.

د- أن تكون لديه خبرة في تنزيل الأحكام على الوقائع وذلك بالتتلمذ على من صقلتهم التجربة، والاطلاع على فتاواهم، والتأمل في مآخذها ، وكيفية تنزيل الأحكام على الوقائع.

11- من أهم واجبات المفتي وآدابه:

أ- الإخلاص لله تعالى ، ومراقبته.

ب- مشاورة أهل العلم والاختصاص عند الالتباس.

ج- التوقف عن الإجابة عند عدم ظهور الحكم له، وعدم التحرج من قول : لا أدري.

د- عدم التردد في الفتوى عند ظهور الحكم له.

هـ- المحافظة على أسرار المستفتين.

و- دلالة المستفتي على ما ينفعه ، ومراعاة الجوانب التربوية والتوجيهية في فتواه.

ز – عدم التعرض لشخص المفتي عند مناقشة رأيه الشرعي.

12- من آداب المستفتي:

أ- اجتناب السؤال عما يؤدي إلى الارتياب في دينه وعمله.

ب- البحث عن المفتي الأهل، إما بنفسه إن قدر ، أو بخبر العدل ، أو نحو ذلك

ج– الحرص على العلم بالحكم المبرئ لذمته، وليس البحث عمن يفتيه وفق رغبته وهواه.

د- التأدب مع المفتي ، وعدم التلبيس عليه.

الباب الثاني  :مشكلات الفتوى، وأسبابها، وآثارها

13- أهم المشكلات التي تواجه الفتوى في العصر الحاضر:

أ- ابتعاد بعض المتصدين للفتوى عن منهج الوسطية المبني على الكتاب والسنة ،  وسلوكهم أحد طريقين متطرفين : إما التشدد، وإما التساهل المفرط.

ب- صدور بعض الفتاوى بآراء شاذة عارية عن الدليل الصحيح المعتبر .

ج- انفراد بعض المتصدين للفتوى بالإفتاء في نوازل تمس المجتمعات ، وتتصف بطابع العموم ، والتشعب الذي تخرج به الفتوى عن حيز الفن الواحد إلى حيز الفنون المتنوعة ، مما يجعل أمر استيعابها وتصورها على حقيقتها معتركاً صعباً لا يستطيع خوض غماره الواحد بمفرده.

د- صدور بعض الفتاوى المخالفة لأصول الاعتقاد ، وكليات الشريعة ، ومبادئ الأخلاق، وما شرع من الأحكام بنصوص ثابتة قطعية.

هـ- التصدي للفتوى ممن لم تتحقق فيه شروط المفتي وصفاته وآدابه.

و- اجتراء من ليس من أهل العلم الشرعي على فتاوى العلماء الربانيين ، وقرارات المجامع الفقهية والتشكيك فيها.

ز – تعارض بعض الفتاوى في المسائل المتجانسة، وما يؤديه ذلك أحياناً من الحيرة والشك لدى العامة.

ح- توسع بعض المفتين في ذكر الخلاف دون بيان الرأي المختار.

14- أهم أسباب مشكلات الفتوى في العصر الحاضر ، ما يلي:

أ- ضعف العلم بالنصوص ودلالاتها، وبالضوابط والأصول الحاكمة للاستنباط والتفسير والتأويل.

ب- قلة عدد المؤهلين للفتوى الذين تتوفر فيهم شروط المفتي وصفاته وآدابه.

ج- التذرع بالمحافظة على المصالح وتلبية الضرورات والحاجات الموهومة.

د- دعوى التجديد ومسايرة العصر.

هـ- طلب بعض وسائل الإعلام الفتوى ممن ليس أهلاً لها.

و – مراعاة المصالح الخاصة ،والهوى والتشهي، أو حب الشهرة والظهور ، أو عدم الخوف من الله ومراقبته.

ز- الفهم غير الصحيح لمعنى التيسير في الإسلام.

حـ- عدم فهم بعضالمتصدرين للفتوى فقه الواقع ومآلاته، وعدم مراعاتهم ما قد تحدثه هذه الفتاوى من المفاسد والأضرار.

15- أهم الآثار السلبية التي نتجت بسبب هذه المشكلات في حالات عديدة:

أ- تحريم الحلال ، وتحليل الحرام ، الذي يعد من كبائر الذنوب، بل قد يخرج المسلم عن دائرة الإسلام.

ب- بروز القول بالتكفير بالمعصية، واستحلال دماء المسلمين والخروج على ولاة الأمر.

جـ- تشويه صورة الإسلام، والتنفير منه.

د  – حصول الفرقة في بعض المجتمعات الإسلامية ، وانقسام المسلمين فيها إلى فرق وأحزاب.

هـ- زعزعة الأمن والاستقرار ، وإشغال الأمة عما هو أهم وأصلح للمجتمع.

و – ظهور الريبة والشكوك بين أفراد المجتمع وولاة أمورهم.

ز- إضعاف جهات الفتوى المعتبرة، والتسبب في عدم القناعة بها لدى البعض.

ح- النيل من العلماء الربانيين ، ورميهم بالجمود والتشدد في الفتوى.

ط- الوقوع في الحيل المحرمة ، وتتبع الأقوال الشاذة المعارضة للأدلة المعتبرة ، وسلوك منهج  التلفيق غير الصحيح ؛ اتباعاً للهوى وما تميل إليه النفس ، والتماساً لرغبات البعض.

في العدد القادم إن شاء الله : الحلول والضوابط.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *