دور الاستعمار البريطاني في تأسيس الكيان الصهيوني


التوسع الصهيوني والـموقـف البريطاني

بعد قيام ثورة 23 تموز / يوليو 1952 ودخول جمال عبد الناصر في سلسلة معارك مع الغرب بدءاً بكسر احتكار السلاح الغربي وعقد صفقة الأسلحة الشهيرة عام 1955 مع المعسكر الشرقي ، ومرورا بمعركة تمويل السد العالي ، وانتهاءً بتأميم قناة السويس؛ كان رد الفعل الغربي إزاء هذا التحدي من جانب عبد الناصر هو مجيء العدوان الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا و إسرائيل عام 1956، ومع اختلاف الأهداف التي حركت الأطراف الثلاثة للعدوان إلا أن الجميع قد اتفق على ضرورة تقليم أظافر الدولة الأولى في النظام العربي وكسر شوكتها .

وقد رأت بريطانيا التي كانت حينئذ إمبراطورية تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة، أن العدوان هو محاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى لها من مواقع في المنطقة ، وقد فشل العدوان الثلاثي الذي لم تؤيده الولايات المتحدة ولا الاتحاد السوفياتي ، وتم انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من مصر في 23 كانون الأول/ ديسمبر 1956، وانتهت حرب السويس بعد أن حققت مصر مطالبها واستردت كل حقوقها إلا حقاً واحداً هو منع (إسرائيل ) من خليج العقبة. (1).

ومنذ العدوان الثلاثي أصبح الموقف البريطاني هو التأييد الكامل لـ(إسرائيل) وذلك انعكاسا لتبعية بريطانيا للولايات المتحدة ، وقد استمر هذا التأييد حتى عام 1967، وعند وقوع حرب حزيران/يونيو 1967 تقدمت بريطانيا بمشروع القرار 242 إلى مجلس الأمن ، وجاء هذا القرار غامضاً ، وهو ما يعكس أسلوب بريطانيا التقليدي ، وقد أثار غموض القرار خلافا شديدا بين (إسرائيل) وبريطانيا، إلى أن تولى ما يكل ستوارت وزارة الخارجية البريطانية بدلاً من جورج براون الذي كان يسمى “صديق العرب”، واستطاع مايكل ستوارت تضييق هوة الخلاف مع (إسرائيل). وعندما تولى حزب المحافظين الحكم كان له تصور يقوم على عدة أسس هي : انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها عام 1967 مع تعديل طفيف في الحدود ،ووجود أرض عازلة بين الأطراف، ووجود قوات دولية لا تشترك فيها فرنسا وبريطانيا، وضمان حدود آمنة لـ(إسرائيل) وحل مشكلة اللاجئين بعقد مؤتمر يضم (إسرائيل) والاطراف المعنية للوصول إلى حل لهذه المشكلة.

وقد بذلت بريطانيا جهوداً كبيرة إبان فترة حكم المحافظين لتحسين علاقاتها بالدول العربية ، إلى أن جاءت حرب تشرين الأول / أكتوبر التي أثرت بمتغيراتها على بريطانيا وجعلتها أكثر ميلاً إلى تحسين علاقاتها بالدول العربية. ونظراً لوقوع الحظر النفطي وتأثر بريطانيا به إلى درجة إغلاق المصانع وحدوث بطالة شديدة وتعرض اقتصادها لهزة كبيرة ، كان على بريطانيا أن تحدد موقفاً واضحا من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ورأت الحكومة البريطانية أن مصلحة بلادها في عدم التحيز الكامل لجانب (إسرائيل) على حساب علاقاتها مع العرب ، ومن ثم فقد أيدت بريطانيا عقد مؤتمر جنيف للسلام ، وأعربت عن رغبتها في المساهمة بدور كبير لإنجاح هذا المؤتمر. وعلى الرغم من تصويت بريطانيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد القرار الخاص بمنح منظمة التحرير الفلسطينية صفة المراقب، فإنها بررت ذلك بأسباب قانونية ، وأصدرت سفارتها في الدول العربية بيانا لتوضيح هذه الأسباب ، ومنذ ذلك الحين أصبح الموقف البريطاني من القضية الفلسطينية يقوم وفقاً للأسس السابق ذكرها وامتد هذا الموقف في ظل اعتماد التسوية السياسية وسيلة لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، حيث ساهمت بريطانيا بجهد في إطار جهود المجموعة الأوروبية التي تكن لها مصلحة في الضغط على (إسرائيل) أو الدخول في صدام مع الولايات المتحدة التي كانت تعارض ممارسة أية ضغوط على (إسرائيل) ، ومن ثم كان موقف بريطانيا خليطاً من السياسات التي لم تنطوي على عناصر ترضي جميع الأطراف دون إرضاء أي منها على حساب الآخر ، ودون إرضاء أي منها إرضاءً تاماً.

ويمكن أن يبرر هذا السلوك من قبل بريطانيا بانحسار دورها كقوة عظمى كبرى إلى حد ما ، وبروز دور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ الأمر الذي جعل بريطانيا لا تولي أهمية كبيرة للسياسة الخارجية مثلما كان الأمر في ظل الحقبة الاستعمارية.

ومع بدء مسيرة السلام العربية ـ الإسرائيلية التي انطلقت منذ مؤتمر مدريد، فإن سياسة بريطانيا إزاء هذه التطورات جاءت ضمن سياسة المجموعة الأوروبية التي أيدت عملية السلام على الأسس التي ارتضتها أطراف الصراع المعنية ، وتميزت سياسة بريطانيا من بين سياسات دول المجموعة بأنها كانت أكثر ميلاً في اتجاه تأييد الموقف الأمريكي في كل صغيرة وكبيرة، إلى الحد الذي يشبه علاقة التبعية بين البلدين. وقد ساهمت بريطانيا بجهود في إطار المجموعة الأوروبية لدعم سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني من خلال إقامة مشروعات في أراضي الحكم الذاتي ، وبالمثل استمرت المساعدات البريطانية “لاسرائيل” وقام وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد ووزير الدولة للشؤون الخارجية دوجلاس هوج؛ بعدة زيارات في المنطقة لتفعيل عملية السلام على المسارات المختلفة. وعلى مستوى المفاوضات المتعددة الأطراف فإن المجموعة الأوروبية واليابان وكندا شاركت روسيا والولايات في رعاية هذه المفاوضات ، وتلعب بريطانيا دوراً مهماً في هذا الإطار من خلال اللجان الخمسة التي انبثقت عن هذه المفاوضات.

وفي المحصلة النهائية فإن الدور البريطاني قد بدأ يسير في اتجاه الذوبان في السياسة الخارجية للمجموعة الأوروبية ، والمحافظة على شعرة معاوية من خلال الحرص على اتباع مواقف متشابهة مع المواقف الأمريكية من ناحية ، وبحيث لا تغضب العرب من ناحية ثانية ، ولا تلغي دعمها لـ (إسرائيل) من ناحية ثالثة.

إعدد: مركز الدراسات الحضارية

 

—-

1- انظر محمد حسنين هيكل : ملفات السويس، مركز الأهرام للترجمة والنشر، الطبعة الأولى، 1986، 535. > مجلة قضايا دولية ع 261

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *