دور أمريكا في نشأة الكيان الصهيوني وتوسعه أمريكا : الأساس الديني والأبعاد المصلحية


في عام 1887 قامت أول جماعة ضغط (لوبي) صهيونية في الولايات المتحدة، أسسها رجل دين بروتستانتي هو بلاكستون لصالح إقامة دولة يهودية في فلسطين، وتزايد النفوذ اليهودي بقوة وسرعة في الولايات المتحدة، إلا أن هذا النفوذ الكبير وقوة تنظيم المنظمات الصهيونية اليهودية وجماعات الضغط الإسرائيلية؛ لا يفسر وحده شدة التزام الولايات المتحدة الأمريكية رسميا وشعبياً بدعم (إسرائيل) معنوياً ومادياً، بل تلعب الاتجاهات المسيحية بأسسها اللاهوتية الحضارية دوراً رئيسياً في توفير المناخ الملائم للالتزام والانحياز لـ(إسرائيل) لدى السياسة الأمريكية والرأي العام الأمريكي، وتوجيه السياسة الأمريكية نحو نزعة عامة متميزة تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي(1)
الأساس الديني للسياسة الأمريكية
إن دعم (إسرائيل) والدفاع عن سياستها دون شروط وتأييد الحركة الصهيونية اليهودية؛ هو المحور الأساسي في فكر وسلوك كم هائل من المؤسسات والقيادات وجماعات الضغط المسيحية الأصولية في الولايات المتحدة، حيث تتمحور أبرز الاتجاهات حول التبشير الإنجيلي بـ(إسرائيل) ودعمها نظرياً وعملياً. وتحسن (إسرائيل) استخدام توارتية الحركة المسيحية الأصولية لمصالحها وأهدافها الخاصة، حيث تتبلور أهم الاتجاهات الصهيونية لدى الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة بالولايات المتحدة في الخطوط العريضة التالية :
1- أن دعم (إسرائيل) وتأييدها ليس قضية أخلاقية أو إنسانية أو أمراً اختيارياً، أو يعود إلى اعتبارات سياسية أو عسكرية، بل إنه قضاء إلهي، وبالتالي فإن معارضة (إسرائيل) خطيئة دينية، وإن دعمها وتأييدها هو في سبيل الخير وإرضاء الله.
2- أن وجود مدينة القدس تحت السيطرة اليهودية هو محور عودة المسيح الثانية جغرافياً وتاريخياً، وأن المعبد اليهودي لا بد أن يقام قبل هذه العودة الثانية، وعلى أرض المسجد الأقصى الذي لا بد من زواله.
3- أن الالتزام بتدعيم أمن (إسرائيل) وتقويتها عسكرياً واقتصادياً، وإقامة تحالف استراتيجي شامل معها، ومساعدتها بالتبرعات وشراء وتسويق منتجاتها وسنداتها، وإنشاء صناديق الاستثمار الدولية لمصلحتها، وتشجيع الاستثمار الأمريكي الخاص داخلها، واستصلاح الأراضي، وبناء المستوطنات فيها وفي الضفة الغربية وغزة والجولان، وتوفير فرص التدريب للإسرائيليين داخل مؤسسات ثقافية أمريكية.. هو التزام مسيحي مبني على اعتبارات روحانية وتاريخية وأمنية.
4- اعتبار كل أراضي الضفة الغربية وغزة والجولان ملكاً للشعب اليهودي، وتبرير حروب (إسرائيل) التوسعية، والدفاع عن غزواتها وعملياتها العسكرية الخارجية، وحث الولايات المتحدة على دعم هذه الحروب والسياسات باعتبار أن الله هو الذي عين حدود (إسرائيل) وأيد مطالبها في الأرض.(2)
هذه الخلفية الدينية تمثل محور وجوهر السياسة الأمريكية التي وقفت دوماً إلى جانب الدولة الإسرائيلية، وتفسر ما عجزت عن تفسيره القيادات العربية التي راهنت على الحصان الأمريكي وارتأت أن أوراق حل القضية الفلسطينية بل والصراع العربي ـ الإسرائيلي برمته في يد الولايات المتحدة.
وراثة الدور البريطاني

إذا ما تركنا جانباً هذا المنطلق الأساسي للسياسة الأمريكية وتتبعنا مراحل تطور الموقف الأمريكي من الصراع العربي – الإسرائيلي، فإننا نجد أن الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ اهتمامها يتزايد بمنطقة الشرق الأوسط، وتبنت استراتيجية “ملء الفراغ” الناتج عن تواري وتراجع بريطانيا وفرنسا.

وقد تضافرت عوامل عديدة للفت أنظار الولايات المتحدة إلى أهمية هذه المنطقة وأهمية تواجدها الكثيف فيها، ومن هذه العوامل “البحث عن مصادر التسهيلات في المنطقة لضمان مصالحها البترولية، والحد من النفوذ السوفياتي في المنطقة، وضمان أمن (إسرائيل)، هذه العوامل جعلت الولايات المتحدة تصر على التواجد في المنطقة، ولكنها لم تنجح في كسب صداقة البلاد العربية بسبب علاقاتها المتميزة ودعمها المستمر لـ(إسرائيل).
وفي 14 أيار / مايو 1948 أعلن عن قيام دولة (إسرائيل)، واعترفت بها الولايات المتحدة الأمريكية بعد عدة دقائق من هذا الإعلان، خارقة بذلك العرف الدولي بخصوص الاعتراف بالدول الجديدة، وكاشفة عن التواطؤ الذي كان قائماً بينها وبين المنظمات اليهودية.

كما استخدمت الولايات المتحدة نفوذها السياسي والاقتصادي لحماية (إسرائيل) عندما حملت مجلس الأمن -باعتبارها عضواً دائماً فيه- على إصدار قرار بوقف القتال في 29 أيار / مايو 1948، وقرار آخر بنفس المعنى في 15 تموز/يوليو 1948.
كما ظهر التواطؤ الأمريكي مع (إسرائيل) عندما عارضت الولايات المتحدة في 19 آذار / مارس 1948 صدور قرار من مجلس الأمن يتضمن اتخاذ الإجراءات التنفيذية لضمان حقوق الشعب العربي في فلسطين ضد سياسة التوسع التي بدأت تمارسها (إسرائيل).
وفي عام 1956 رأت الولايات المتحدة الفرصة سانحة أمامها لتصفية الوجود البريطاني والفرنسي في المنطقة، وذلك حينما عارضت العدوان الثلاثي ولم تشارك فيه بل وتدخلت لإيقافه، ومن ثم استثمرت الولايات المتحدة العدوان الثلاثي لتحقيق مكاسب استراتيجية لها.
وقبيل حرب 5 حزيران / يونيو 1967 أعلنت الولايات المتحدة بأنها لن تسمح أو تتساهل مع أي طرف يبدأ العدوان، ولكن الأحداث التي تلت ذلك اثبتت أن أمريكا لم تشجب العدوان الإسرائيلي، وبعد أن كانت تتعهد بالحفاظ على السلامة الإقليمية لكل دولة من دول المنطقة، إذا بها تعطي إشارة الضوء الأخضر لـ(إسرائيل) لكي تبدأ الحرب، ويؤكد ذلك زيارة أبا إيبان ومائير (عميت) للولايات المتحدة في الفترة السابقة للعدوان مباشرة.(3)
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل قامت الولايات المتحدة بشل مجلس الأمن لصالح (إسرائيل) بإصرارها على مجرد وقف القتال بدون إشارة إلى الانسحاب في الفترة من حزيران / يونيو إلى تشرين الثاني / نوفمبر 1967، حتى كانت الولادة العسيرة للقرار في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1967، وقد أصرت الولايات المتحدة على أن يكتفي مجلس الأمن بوقف القتال -رغم قسوة العدوان وشموليته- دون إدانة أو طلب انسحاب القوات الإسرائيلية من الأقاليم العربية المحتلة، وقد تعللت الولايات المتحدة بتعذر تحديد الطرف المعتدي في حرب 1967، وكانت تلك سابقة خطيرة في الأمم المتحدة، وقد تجسدت هذه النتيجة الشاذة في التهديد من جانب الولايات المتحدة باستعمال الفيتو لإسقاط سائر الاقتراحات التي تقدم بها أعضاء مجلس الأمن المتضمنة إدانة (إسرائيل) وإرغامها على الانسحاب الفوري.

واستطاعت الولايات المتحدة أن تكمم وتخمد أنفاس مجلس الأمن لمدة ستة أشهر تمكنت (إسرائيل) خلالها من تثبيت أقدامها في الأقاليم العربية.
وإذا كان مجلس الأمن قد أصدر قراراً بالإجماع بوقف القتال، وهو القرار 233/1967 فإن الولايات المتحدة قد أكدت أن النص أو الإشارة إلى الانسحاب يعد دعوة لتجديد القتال، وعملت الولايات المتحدة على إدخال مجلس الأمن في متاهات الصياغة المبهمة المتعمدة، وهو الأسلوب الذي تفشى بعد ذلك في أوصال قرار مجلس الأمن رقم 242، وبدأت الخطة الأمريكية المحكمة الحلقات بمشروع قرار أمريكي يدعو إلى تحقيق سلام عادل ودائم ولكن عن طريق انسحاب قوات مسلحة من أقاليم محتلة، بدون إشارة صريحة إلى القوات الإسرائيلية، وبما يعني التزام (إسرائيل) بالانسحاب من سائر الأقاليم العربية المحتلة وعلى وجه الخصوص القدس الشرقية. وقد تلقفت بريطانيا هذا المشروع، وقدمت مشروع قانون يوفق بين المشروعات المتعارضة، ومن ثم ولد القرار 242.

——

1- انظر د. يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي -الاسرائيلي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت الطبعة الأولى، 1990، ص 185.

2- انظر المرجع السابق، ص 192- 193. 3- انظر د. غازي إسماعيل ربايعة، الاستراتيجية الإسرائيلية (1967- 1980) مكتبة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *