حول أدب الغموض


قد يكون معظمنا متفقاً على أن الإبداع الأدبي بما أنه -أساساً- خطاب نتوجه به للآخرين، فلابدّ أن يحمل قدرته الفنية على التوصيل، والتجربة الإبداعية التي لا تصل إلى الشاطيء الآخر.. إلى “الآخرين” محكوم عليها بالعجز.. بعدم القدرة على العبور، وقد تسقط غرقاً فيبتلعها التيار فلا تحظى بفرصتها للتحقّق.
إن لغتنا العربية الشاعرة، الحسّاسة، الخصبة بمفرداتها ومجازاتها واستعاراتها التي ما لها من نفاد.. لا يمكن بحال أن تبخل بقدراتها الإبداعية وأدواتها الفنية لتوصيل التجربة. فليس إلاّ العجز والانحسار في قدرات الأديب نفسه ذلك الذي يغمض في التجربة ويمنعها من الوصول إلى الآخرين.
لقد دوّنت بعض الملاحظات المتواضعة بهذا الصدد في مقال بعنوان “حول أدب الغموض : الجسور المقطوعة” نشرته مجلة الوعي قبل أكثر من عشرين سنة، فلا مبرّر لإعادة القول فيه. ولكنني أودّ التأشير هنا على واحدة من التصوّرات أو القناعات الخاطئة للأدباء المحدثين في الساحة العربية. إنهم يعتقدون أن المذاهب الأدبية الأكثر حداثة في الغرب كالطليعية والبنيوية والمستقبلية واللا وعيية، ومن قبلها الرمزية والسريالية.. إلى آخره.. تعاني في أعمالها الإبداعية من الغموض، وأن هذا الغموض شيء أساسي في تكوينها وأنه مرسوم مسبقاً في تصوّر أصحابها.. إنه ـ بإيجاز ـ قدرها.. وأننا إذا أردنا أن نجدّد نحن الآخرين فإن علينا أن نغمض ونلغز..
أبداً.. فإننا لو تمعّنا في أي من الأعمال الإبداعية للمذاهب الآنفة، فإننا سنعرف كيف أنها، على غموضها وإلغازها، تحمل القدرة على التوصيل. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الغموض والإلغاز ليس هدفاً بحدّ ذاته، وانما هو ضرورة فنية للتعبير عن حالة نفسية أو عقلية أو وجدانية أو إنسانية أو كونية. والمهم هو أن هذا الغموض سرعان ما يتكشف في نهاية الأمر عن معنى أو إشارة ما يتلقاها القاريء فيعرف بالتأكيد ما يريد الأديب أن يقوله..
والذي يحدث عندنا -في كثير من الأحيان للأسف- ليس هذا، وإنما شيء آخر تماماً.. الغموض الذي يستهدف نفسه والذي لا يحمل أية دلالة ذات مغزى، أو هو يحملها -ربما- لكنه يعجز عن توصيلها إلى “الآخرين”.
ولعلّ من فضول القول بأن التكشّف الكامل للعمل الإبداعي يقوده إلى التضحّل، ويفقده خصائصه الفنية، ويؤول به إلى التقريرية والمباشرة والبرود.. وأنه -إذن- لابدّ من التغطية.. من المجاز -من الانزياح عن الدلالات المباشرة للكلمات.. من إحاطة التجربة التعبيرية بأكبر قدر ممكن من المضافات الفنية التي تبعد بها عن الكلام الاعتيادي.. وهذا بالتأكيد قد يقودها إلى نوع من الإلغاز والغموض وهما في الحقيقة مما يميّز الإبداع عن الكلمات المطروحة على قارعة الطريق كما يسمّيها ” الجاحظ “..
لكن المبالغة في الإغماض، وفق قصد مسبق، أو بنتيجة العجز، سوف يقود التعبير إلى التشرنق، والعزلة، ويصدّه عن الوصول إلى الآخرين، فيفقد وظيفته الفنية الأساسية. إن كثيراً من قصائد الشعر الحرّ -على سبيل المثال- تتحول على أيدي أنصاف الشعراء، من المولعين بالتقليد والملاحقة، إلى نوع من لعبة الكلمات المتقاطعة.. من الشفرات السرّية، التي لا يقدر على فكّها وحلّ رموزها سوى واضعها نفسه.. وهذا بالتأكيد ليس ميزة للأديب بقدر ما هو إدانة لأدواته الفنية وقدراته التعبيرية.

د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *