حتى لا تغرق السفينة


تمهيد: تتميز الأمة المسلمة بأنها ذات مرجعية ربانية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهي مرجعية تقوم على كتاب الله العزيز، وسنة نبيه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وإذا كان الكتاب يضع الضوابط الشرعية والنظم والأحكام التي تؤطر حركة الإنسان على هذه الأرض، فإن السنة المشرفة تتولى البيان لكل ذلك، فضلا عن بعض المهام الأخرى التي تتضمن بعض معالم التأسيس فيما يسمى السنة المؤسسة. أما السيرة العطرة فهي تمثل النموذج العملي التطبيقي للخطاب الشرعي، والذي يمثل بدوره أساس البناء الحضاري الذي بقدر ما تستلهم روحه ومفرداته على مر العصور، فإن ذلك يشكل ضمانا لمزيد من التألق والعطاء، على مستوى ارتقاء السلوك البشري، وتحقيق مراد الله في صنع الإنسان الرسالي الذي يعبد الله ولا يشرك به شيئا، وبناء الأمة الشاهدة التي تحمي هذا الكون من التيه والانحراف والهلاك، وتملك القدرة والإمكان لانتشاله وتسديد مساره، كلما أحاطت به الشياطين، وغمسته في لجج الفساد والفجور.

بتعبير آخر، إن النموذج التطبيقي الذي تجسده السيرة، يمثل تنزيلا حيا ونابضا لمجمل القيم التي بثها الخطاب القرآني إلى نفوس المكلفين، وتكفل البيان النبوي برسم معالم ذلكم التنزيل، بالأقوال والأفعال والتقريرات، وبما يستبطنه كل ذلك من تمثيلات وإيحاءات تحرك مكامن الفكر والوجدان، وتمكنهما من امتلاك الحس الحضاري المرهف والدقيق، الذي يعين على اتخاذ القرار الناضج، وتبني الفعل الرشيد، الذي يورث حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

سأحاول في هذه المقالة- بإذن الله- أن أقف وقفة تأملية عند حديث السفينة، مستخلصا بعض ما يوحي به من بصائر وتوجيهات، وقبل ذلك ما يكتنزه من حقائق، ومن إشارات وتنبيهات، على مستوى طبيعة المجتمع الإنساني في بعده العام، وطبيعة المجتمع المسلم المخولبحمل رسالة الشهود على الناس.

أولا: نص الحديث:

روى البخاري رحمه الله :”باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه” من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي  قال: >مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لوأنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا<.

ثانيا : تخريج الحديث:

الحديث أخرجه البخاري  في كتاب الشركة، ” 2493″ وأخرجه أيضا في كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات، : 2686″ بلفظ: ” مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها…” وأخرجه الترمذي في الفتن” 2173″وأحمد:4/ 268″، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى “10/91″، “10/288″ وفي شعب الإيمان” 7576″ 6/91 – 92″ وأخرجهبن حبان:” 297″1/532″- إحسان، وفي:” 298″ 1/533- 534″ بلفظ:” المداهن في حدود الله والآمر بها والناهي عنها كمثل قوم استهموا …” وفي 301″ 1/537″، بلفظ: ” مثل المداهن في حدود الله والآمر بها والناهي عنها كمثل قوم استهموا سفينة…”.

ثالثا: قراءة تحليلية في مضمون الحديث:

إن المتدبر لهذا  الحديث النبوي الشريف، يستطيع أن ينظر إليه من زوايا عدة، ومستويات متكاملة تتصل كلها اتصالا وثيقا بطبيعة المجتمع، وبما يحكمه من سنن وقوانين، تحدد نوعية التعامل معها سير ذلك المجتمع وطبيعة مآلاته وعواقبه، وإن من يقوم بذلك التدبر بذهن صاف وتجرد علمي كامل، لا يسعه إلا أن يعبر عن إعجاب واندهاش إزاء ما يزخر به هذا الحديث من حقائق، وما يحفل به من زخم نظري بالغ العمق والثراء، بحيث يستدعي ولوج مجاله واستكشاف رحابه وطبقاته، توظيف علوم وتخصصات، والتسلح بمداخل منهجية معتبرة، كفيلة باستخراج كنوزه وذخائره. ومن الأكيد أن يتحول الاندهاش المتولد عن دراسة هذا الحديث، إلى خشوع وإجلال، وإيمان وإذعان، عندما يعلم أن الذي صدر عنه، هوالنبي الأمي الذي ختم به الله عز وجل الرسالات، فأرسله رحمة للعالمين، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

1- مستويات القراءة والتحليل:

أ- دلالة تشبيه المجتمع الإنساني بالسفينة: إن أول ما يسترعي نظر الدارس لهذا الحديث النبوي الشريف، تشبيهه للمجتمع الإنساني فيما يكتنفه من أوضاع، وما يجري فيه من علاقات وتفاعلات، بسفينة تمخر عباب البحر، في اتجاهها إلى وجهة معلومة، أوبالأحرى محددة سلفا من القوى الفاعلة والمؤثرة في صنع القرار، وتحديد المسار، على اختلاف مواقعها ومستويات فعلها ونشاطها.

إن هذا التشبيه النبوي ذودلالة عميقة الغور بعيدة المدى، كيف لا وهويصدر عمن لا ينطق عن الهوى؟، إنها دلالة بعيدة المدى من حيث ما تولده فيمن يتعامل معالحديث بحس مرهف وفقه صحيح، من وعي حاد، بارتهان مصير سفينة المجتمع، بنوعية ما يجري فيها من أفعال وتصرفات، بل وقبل ذلك، بما يعتلج في أعماق نفوس أفرادها أوأعضائها من أحاسيس وأفكار، وطموحات وآمال. فبقدر ما تتسم به هذه من ارتباط بجوهر الفطرة واستقاء من معينها الصافي، وتتصف تلك، أي الأفعال والتصرفات، من استقامة واستواء، يكون نصيبها من السلامة والصلاح، واقترابها من شاطئ الأمان.

والعكس صحيح تماما، أي بقدر ما تتلون أحاسيس ركاب سفينة المجتمع وأفكارهم وطموحاتهم وآمالهم بالقتامة والضياع والانشطار، وتوسم أعمالهم وتصرفاتهم بالفساد والانحراف عن جادة الصواب، يكون نصيب السفينة وحظها من الأهوال والأخطار التي تهدد سلامتها في الصميم، فتودي بها ولوبعد حين.

وإن من شأن ذلك الوعي الحاد الذي يولده التشبيه النبوي الكريم- ضمن الوضع المتكامل للشخصية المسلمة- أن يثمر يقظة لا تفتر، وانتباها لا يخبو، ومن ثم اندفاعا صادقا وهمة عالية لحراسة سفينة المجتمع، والذود عنها ضد كل ما من شأنه أن يتهددها من أعاصير وأنواء، بدافع قوي من استشعار المسؤولية عن مصير السفينة ومآلها.

إن من شأن تشبيه المجتمع بالسفينة أن يحول دون احتجاب حقيقة الوضع البالغ الخطورة والحساسية الذي يكتنف المجتمع، وراء كثافة من الغفلة، لأن الذي يترسخ في وعيه ووجدانه أن سفينة المجتمع وسفينة البحر سيان، لا يليق به أن يتطرق إليه وارد من غفلة عما هي مقبلة عليه من تحديات وصعاب، إلا أن يكون ذلك الوارد وليد غفلة عن الحقيقة لسبب من الأسباب، يمس صميم الوعي نفسه، من حيث هو، أومن حيث ما ينبغي أن يولده من قوة الإرادة التي تقف وراء الممارسة والفعل.وإنه من الأكيد أن ما يقع للسفينة من مخاطر وأهوال، ليس ناتجا فقط وبشكل مباشر، عن سلوك واحد أوأكثر ممن يوجد على ظهرها من الأفراد، بل هوناتج في محصلة الأمر عن نكوص المجموع عن الحيلولة دون هؤلاء، والمساس بأمن سفينة المجتمع، وهذا ما عبر عنه الحديث الشريف في قوله  : >فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا<.

إن المفروض أن يؤدي تشبيه المجتمع بالسفينة بمن يتلقون الخطاب النبوي تلقي قبول وإذعان، وتمثل وتطبيق، إلى اليقظة الدائمة، لكل ما يتهدد تلك السفينة من أخطار محدقة.

يقول الدكتور محمود توفيق محمد سعد: “الصورة التي يقدمها النبي  لواقع الحياة على هذه الأرض، وعلائق الناس فيها ببعضهم ومسؤوليتهم في الحفاظ على بقائها وصلاحها، صورة منتزعة من واقع مشاهد، لا يتأتى لأحد أن يجادل، أويتوقف فيه البتة، فلن يكون منه إلا التسليم بما ينتهي إليه التصوير والمقارنة والموازنة، من هدي يأخذ بأيدي الناس إلى التي هي أهدى وأقوم، اقتناعا واطمئنانا، فينقادون إليه انقياد ذي الأغلال، إلى خير يرمى به إليه”(كتاب الأمة رقم:41، إصدار” 1994 ص: 38).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *