جَاذِبِيَّةُ الْقٌرْآنِ (1)


القرآن هو الضوء اللامع للكلمات والحروف في عالم الأزل والأبد. وهو صوت الملكوت الذي يخاطب فكر الإنس الجن. وعندما يتحول إلى لؤلؤة خارقة الجمال داخل صَدَفَةٍ لامعة، يرى فيه أبطال البلاغة والأدب آنئذٍ جمالا لا يبهت، وحُسْناً لا يزول! وسيبقى هذا الكون الكبير- الذي هو معرضٌ للجمال والفن والألوان الإلهية المتناسقة والمتناغمة- موطنَ خَوْفٍ ورُعْبٍ، تجول فيه العفاريتُ والأرواح الشريرة، مع أنه -أي الكون- يعد كتابا؛ كلُّ سطر فيه يُفْشِي سرا من أسرار الملأ الأعلى، وستبقى سطور هذا الكون وأوراقه مبعثرة ومتشتتة؛ حتى يأتي اليوم الذي يتحول فيه القرآن إلى نور ينهمر على وجه هذا الوجود. ويُجْمِعُ الناس -عدا أصحاب الأفكار المسبقة – أنه عندما أشرق القرآن كشمس ساطعة؛ زالت الغيوم السوداء، التي كانت تجثم على الدنيا، وظهر الوجه الضاحك للوجود، وانقلبت جميع الأشياء إلى فقرات، وجمل، وكلمات؛ لكتاب مؤنس ومبهج لقارئه. عند سماع صوته انهمرت الأنوار على عيون القلب، وبدأت المشاعر التي فارت في الأرواح، والألسنة التي أصبحت ترجمانا لهذه المشاعر بإنشاد أناشيد النور.
أجل!… فاعتبارا من اليوم الذي أضيئت به العيون والقلوب؛ كم من لغز في الكون كان ينتظر الحل منذ آلاف السنوات! وكم من مشاكل معقدة متداخلة بعضها مع البعض الآخر، كانت تنتظر الحلول؛ حُلَّتْ الواحدة منها إثر الأخرى، وظهرت العلاقة الصحيحة بين الإنسان والوجود والخالق؛ واضحة وضوح البدر التمام، ولبست كل الألغاز والمعميات لباس المعاني، وانتظمت في مدارات الحكمة.
القرآن هو قمة العلم المتين والصحيح، وأساس التعبير الدقيق، وقاعدة للتعبير المنطقي. وكما كان هذا الفرقان العظيم سيد الكتب السماوية وغير السماوية كان المخاطب الأول به سيد الأنبياء والمرسلين. الكتب السابقة جاءت لكي تضع إشارات على طريقه وأعلاما، أما الكتب التي جاءت بعده فلكي تقوم بشرحه ووضع الهوامش والحواشي، كل حسب خريطة روحه وغنى ذلك الروح. عرفه من قبله بصورته التي بشر بها الأنبياء بهذه الرسالة، وعرفه الذين جاءوا من بعده بصورته المنـزلة الملموسة، ورأوا التأثير الكبير الذي أحدثه، والانقلاب العظيم الذي حققه، فانحنوا أمام بلاغته التي لا تضاهى، واعترفوا بأنه سلطان الكلمة والإعجاز البلاغي.
وعندما كان القرآن يتنـزل إلى الدنيا بموجات مختلفة من الأنوار لم يصرف أصحاب القلوب النيرة نظرتهم عنه أبدا، ولم يلتفتوا عنه، بل ارتبطوا به بكل جوارحهم وأرواحهم.. أجل!.. بينما كان ينـزل من السماء كشلال ليملأ القلوب العطشى، فتح أصحاب القلوب الواعية صدورهم له ولم يضيعوا قطرة واحدة منه.
استطاع هذا القرآن أن يوصل صوته إلى أبعد زاوية من زوايا الدنيا في قفزة واحدة، وأن يسكت كل أصوات الشؤم، وأثار في كل قلب يبتغي الحق ولا يملك فكرا مسبقا عواطف جياشة كأنها أصوات خريرة الكوثر، وأطفأ في القلوب التي فتحها نيران الهجر، وفجر في كل روح أمل الوصال والشوق إليه. الطبائع الباردة تحرك به نبض الحرارة، أما القلوب المتولهة برغبة الأبدية والخلود فقد أنِسَتْ به واطمأنت إليه.
وإذا كان هناك من بقي جديدا ونضرا على الدوام في هذه الدنيا الفانية التي يقدم فيها كل جديد ويبلى فيها كل نضر، ويبهت فيها كل لون، فهو القرآن.فهو الكتاب الوحيد الذي استطاع أن يقف منذ نزوله في وجه جميع الأعاصير والعواصف التي هبت، والأمطار والثلوج التي سقطت، وفي وجه جميع الظروف القاسية التي ظهرت أمامه، واستطاع أن يحافظ على أصله ككتاب سماوي وحيد، دون تغيير أو تحريف. لذا فما أن يرتفع صوت القرآن من حنجرة قارئ حتى نشعر وكأنه نزل الآن من السماء! وكأننا مدعوون إلى وليمة إلهية آتية من الجنة! وعندما ينثر اللآلي تشعر القلوب المؤمنة أنها قد سمت واستغنت عن جميع ثروات الدنيا! إن هذا القرآن قلادة بيان منظومة من الكلام الإلهي، وفيض من العلم الذي يشكل الحدود النهائية للإدراك البشري، وخارطة لكل الوجود مرسومة ومزينة ومحاكة بالحرير اللاهوتي. عندما يسمع صوته في أي بقعة يبدو كل كلام وكل تعبير آخر نوعا من الضوضاء لا غير. وفي البقاع التي ترتفع فيها أعلامه يغمر النور قلوب المؤمنين، وتنـزل الحجارة على رؤوس الشياطين، ويعيش الربانيون هناك أعيادا دائمة.
ربط الله ربُّ العالمين ذو القوة المتين سعادةَ الدارين بإرشاده وتوجيهه. فلا يمكن الوصول إلى الهدف من دونه، ومن يستغني عن إرشاده ووصاياه، ولا يلتجئ إليه؛ يضيع في الطرق ويتيه. هو آخر وأكمل كلام يهدي من اتبعه وسار في إثره، ويوصله إلى الغاية والهدف. ومع أنه يتلى بكل سهولة صباح مساء فلا يُستطاع الإتيان بمثله. ومن يستمع إليه بأعماقه يشعر أنه قد سمع كل ما يجب سماعه، وأصوات هؤلاء تتداخل على الدوام مع أنفاس الملائكة. حتى نزوله وتشريفه للأرض كان كل نبي يشعل مشعل الهداية التي يحملها من مصدر نوره وضيائه، وحَوَّلَ الصحارى القاحلة حوله بقطرات قلية منه إلى جنان وارفة الظلال.
بل إن العصور المظلمة التي جال فيها ظله أصبحت عصورا ذهبية. أما العصور التي تعرفت به عن قرب وعاشته فقد تحولت إلى ما يشبه الجنة.
من وهب نفسه له سما إلى مرتبة الملائكة، وأصبح كل ما في الكون من أحياء وجماد أليفا عنده.
من فهم القرآن حق الفهم تصبح البحار الواسعة كقطرة ماء، ومن تنور بنوره تتحول الشمس تجاهه إلى مجرد شمعة. أنفاسه التي نشعرها في أعماق قلوبنا يحييها، وضياؤه الذي يغمر الأشياء يجعل كل موجود برهانا لحق تعالى. من يصله صوته -وإن كان في أبعد أرض وأخفاها- دبت في الحياة وكأنه سمع صُورَ إسرافيل. والقلوب التي تستمع لصوته وبلغته الخاصة به تتوثب حركة وتحيا {هَذَا بَصَائِرُ للنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثية:20). أجل هو بصائر ورحمة للذين لم تمت قلوبهم.
لم يكن القرآن في أي يوم من الأيام – مثل غيره من الكتب- كتابا بقي ضمن إطار زمن أو مكان معين من طفولة الإنسانية. بل هو معجزة كبيرة وشاملة وغنية تتجاوز كل الأزمنة والأمكنة، وتلبي جميع المطالب الإنسانية بدءا من العقائد وانتهاءا بأصغر الآداب الاجتماعية. وهو يستطيع حتى اليوم تحدي الكل وتحدي جميع الأشياء.
قام في العهد الذي نزل فيه بمواجهة جميع اعتراضات مخاطبيه، وتحداهم أن يأتوا بكتاب، أو حتى بسورة أو بآية من مثله. ذُهل منه المعارضون الأولون له، وسُحروا من بيانه ومن بلاغته، حتى اتهموا الرسول بأنه ساحر، وأنه شاعر. وإزاء أخباره الغيبية التي أتى بها من وراء الأستار فقدوا صوابهم فقالوا عنه إنه كاهن، ولكنهم عجزوا تماما عن الإتيان بمثله. أي أن أبطال الشعر والنثر والخطابة وأعلامها من معارضيه اضطروا إلى الصمت والخرس والانسحاب إلى جحورهم.
أما منكرو هذا العصر المعاندون فعلى الرغم من توارثهم روح المعارضة والإنكار من هؤلاء السابقين، إلا أنهم على الرغم من أنواع الديماغوجية والديالكتيك وجميع أنواع المجابهة والاعتراض لم يستطيعوا إنجاز شيء خارج إظهار العجز والغضب. تغير الزمان وتعاقبت العصور واختلفت القناعات ووجهات النظر، وحميت حدة المعارضة والصراع، ولكن القرآن لا يزال واقفا كالطود الشامخ، وكالبحر الواسع، وكالسماء التي لا تحدها حدود، تجاه جميع المعارضين وتجاه جميع الاعتراضات. وهو مستمر في بث روعه وروعته في القلوب، وفي هداية العقول، منذ نزوله قبل أربعة عشر قرنا، وتربعه على عروش قلوبنا!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *