تـفـسيـر سـورة الـمنـافـقـون(1)


سبب التسمية وسبب النزول

سـبـب الـتـسـمـيـة

سورة “المنافقون” تعرف بهذا الاسم وردت تسميتها في بعض الأحاديث (بسورة المنافقين) لذكر المنافقين فيها، فقد ورد أن رسول الله كان يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بسورة >الجمعة< ويقرأ في الركعة الثانية بسورة >المنافقين<. وسميت كذلك لأنها تفضح المنافقين وتوبخهم فكان من السنة أن النبي يقرأ بهاتين السورتين (سورتي الجمعة والمنافقين) في صلاة الجمعة.

النفاق وجهٌ ثالث من التصرفات الإنسانية عُرف بالـمدينة إن مسألة النفاق نوع من التصرفات الإنسانية، أي من تصرفات البشر، إن هذه الظاهرة ظاهرة عرفها الإسلام في المدينة.

كان المسلمون في مكة مستضعفين ومضطهدين، كانوا يعانون الويلات من أذى المشركين في مكة، فما كان أحد يتظاهر بالإيمان أمام رسول الله ، ما كان يجد نفسه في حاجة إلى أن يتزين بالإيمان، إنما كان الناس أحد رجلين : كافر هو في كفره، ومؤمن صابر على إيمانه، ومن كان مؤمنا أو أعلن إيمانه أو عرف عنه إيمان كان يؤدي عن ذلك ضريبة غالية ويتعرض لأذى شديد، فالناس إذن لم يكن فيهم إلا قسمان : كافر ومؤمن لكن حينما انتقل الإسلام إلى المدينة المنورة وُجد وضْعٌ جديد وُجدتْ قوة جديدة وهي الدولة الإسلامية التي لها حدودها، لها شخصياتها، لها رئيسها لها جيشها، فحينئذ انقسم الكفار إلى قسمين كفار بقوا وظلوا على كفرهم وأعلنوا أنهم كفار كاليهود مثلا، وكفار يتظاهرون بأنهم مؤمنون وهم في نفس الوقت كفار، فوُجد هذا الصنف الثالث الذي هو في الحقيقة منبثق عن الكفار، المنافقون ما كانوا أبدا مؤمنين إنما هم كفار اختاروا أن يمشوا على الحبْلَيْن وأن يتظاهروا بالإسلام ، ولكنهم في باطنهم مع الكفار.

إن المنافق أضاف إلى كفره خبثا، وتظاهر بالإيمان ومن هنا كان خطره على المسلمين أكبر من خطر الكافر، إذن فوجد هذا الصنف الذي سيأتي الحديث عنه وهذا لا يمكن أن يوجد في مكة، لأن مكة لم تكن أبدا مكانا يصلح لأن يكون فيه نفاق، كان فيه اضطهاد، لا أحد، ولا يتظاهر بالإسلام، فالإنسان إما أن يكون مؤمنا وإما ألا يكون، لذلك قالوا لم يظهر في المهاجرين منافق عند علماء الحديث أي لم يعرف من المهاجرين منافق واحد، بل الذين تظاهروا بالإسلام وبالمسلمين كانوا موجودين في المدينة.

سـبـب الـنــزول

هذه السورة متأخرة كذلك في النزول فهي تعتبر الثانية بعد المائة بحسب النزول فهي متأخرة في نزولها، نزلت بعد سورة الحج وقبل سورة المجادلة. ففي غزوة بني المصطلق حدث شيء بسيط أو سهل استغله المنافقون فكان سبب فضيحتهم، هذا الحدث يتمثل في أن أحد حلفاء المهاجرين تخاصم مع أحد حلفاء الأنصار، فاستنصر الأنصاري بالأنصار، واستنصر المهاجري بالمهاجرين، حتى كادوا أن يقتتلوا وسمع رسول الله بهذا الحدث وتدخل فقال : >أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم< فسكتت هذه الموجة التي أشعل نارها المنافقون وأعطى رسول الله حينئذ البيان الشافي : أن هذه الدعوة دعوة جاهلية، ودعوة للرجوع إلى الوراء ودعوة إلى ضعف الأمة، وسماها دعوة نجسة مُنتنة خبيثة الرائحة، لماذا، لأن الإسلام لا يتحدث عن عصبيات.

إن الإسلام صهر الأنصار والمهاجرين في دائرة أشمل، وضم إليهم قبائل من العرب، وضم إليهم من الروم والفرس وشعوباً كثيرة من بلاد كثيرة.

إن الإسلام استطاع بهديه أن يذيب العصبيات وأن يسكت تلك الثارات، وأن يجعل الحديث حديثا عن الأمة الإسلامية، والله تعالى يذكر الناس بما قاسوه من تفرق وتشرذم وضعف بسبب أنهم كانوا متفرقين، فجاء الإسلام وجمعهم على الهدى والخير، وعلى القرآن والاعتصام بحبل الله المتين.

ســـورة الـمنـافـقـون تفـضح النـفسيـات الـمـريـضـة
إن للقرآن مزايا كثيرة وعديدة وله فوائد جمة وهذه الفوائد منها : أنه يشرح لنا النفسيات ويحلل لنا عناصر البشر وأنماط التفكير التي عند البشر، فالبشر فصائل وأنواع وطوائف، وكل طائفة حينما تؤمن بفكر معين فإن ذلك الفكر ينسحب على سلوكها، فتسلك سلوكا مناسبا لذلك الفكر.
فهناك الكفار، وهناك المنافقون، وهناك اليهود، وهناك النصارى، وهناك فئات كثيرة. والقرآن عرض لأكثر الفئات وبيّنها، وبيّن أفكارها، فالقرآن تحدث عن الدّهرية الذين ينكرون الآخرة، وينكرون البعث، وذكر مقولتهم، وتحدث عن الزنادقة، وتحدث عن المجوس، وتحدث عن اليهود والنصارى، وصَنَّف هذه النفسيات، بحيث إن المسلم أصبح عنده الآن مرجع مُهِمٌّ في تعرف أحوال الناس.

مشكلتنا أننا نريد أن نضع لأنفسنا من جديد أفكاراً جديدة عن فصائل الناس الذِين حَسَم القرآن فيهم حسماً بيِّناً، حَسَم في اليهود وبيَّن سلوكهم، وهذا السلوك لا يمكن أن يتغيَّر فكما هو الآن في نهاية هذا القرن، قد كان منذ أن كان موسى \، ولا يزال هذا الفكر مستمراً، ولا يزال هذا السلوك الفكري يُمْلي هذا السلوك العمليّ ما دام هناك يهود، لأن اليهود لا يمكنهم أن يكونوا غير يهود يحملون أفكاراً عنصرية، حينما يقولون نحن شَعْبُ الله المختار، حينما يقولون نحْنُ أبناء الله وأحباؤه، حينما يستحلُّون أعراض الآخرين، حينما يرون أن من ليس يهوديًّا هو من الأميّين، وأن كل شيء معه حلال لهم، وحينما يقولون ليْسَ عَلَيْنا في الأميّين سبيل، حينما ينطلقون من هذه المنطلقات من الذي يجْعَل سلوكهم يتغيَّر الآن؟ وهل يمكنهم أن يتحولوا إلى حَمَائم سلام الآن؟ وهل يمكن أن يتحوَّلُوا إلى عنصر ينسجم مع الناس؟ إن اليهوديّ مُسْتَعْلٍ إنه لا يمكن أن يدخل معك في سِلْم ولا في وفاق، ولا في هدنة، لأنه أكْبَرُ منك، إنه ابن الله وأنت بشر عاديٌّ، هم أبناء الله وأحباؤه، وأنت إنسان عاديٌّ فكيف يمكن أن ينسجم معك إنسانٌ يرى أنه ابن الله.

لا يمكنك أن توفّق حينما تعامل الإنسان بمعزل عن عقيدته، يمكننا أن نفهم الناس من خلال تصوراتهم وعقائدهم، وأحسن دراسة للشعوب يجب أن تبدأ من دراسة عقلياتهم. حينما كان امبراطور اليابان يسمي نفسه ابن إله الشمس وكان يعتبر نفسه ابناً للإله، كان عقل هذا الإمبراطور معمورا ومسكونا بهذه القضية، فكان كثير من رؤساء الدول يزورون اليابان فلا يستقبلهم الإمبراطور لأنه لا يمكنه أن يستقبل إنسانا عاديا بشريا مسيئا. إذن فالعقيدة عندهم أملت هذا البروتوكول وهذا التصرف.
إذن فأحسن طريقة للتعامل مع الشعوب هي فهمها من خلال عقيدتها ومن خلال دراسة أسلوبها في التفكير وفي الحياة.

والقرآن أعطانا من هذا الجانب عطاءا جما، وأعطانا شيئا كبيرا يجب أن نعتمده ونحن نتعامل الآن مع هؤلاء البشر، من هم اليهود؟ واليهود لم يكونوا إلا ذلك الذي ذكره القرآن عنهم، لن يختلفوا ما دامت عقيدتهم موجودة.
بالأمس القريب أي منذ سنوات قريبة -وتحت اللوبي الصهيوني- وصلوا إلى أن ينتزعوا من الأمم المتحدة بيانا بأن الصهيونية ليْسَتْ حركةً عنصرية، حيث إن الأمم المتحدة وكل شعوب أوروب،ا وكل الشعوب كانوا يقولون إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية، ولكن اليهود استطاعوا بمَالِهم وبضَغْطهم أن يؤثروا على الأمم المتحدة وينتزعوا هذا البند ويقولوا : الصهيونية ليست حركة عنصرية، الفكرة التي كانت عند هيتلر هي الموجودة عند بعض الزعماء أو عند بعض الرؤساء، فيجب أن ينظر إليهم من خلال نظرتهم لأنفسهم، إذن جميع تصرفات المنافقين تنطلق من تصوّراتهم الاعتقادية التي فضحها الله عز وجل في هذه السورة.

د. مصطفى بنحمزة

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *