إن وعد الله حق…


قال الله تعالى : {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}(لقمان : 32).

إن وعد الله حق! تلك هي الحقيقة يا أخي، فهل فكرت في الوعد أم هل أعددت الزاد للموعد؟ اسمع نداء الله إليك {يا أيها الناس..} وأنت بالتأكيد من الناس : إن يوم القيامة آت لاريب فيه، والحشر والحساب واقع لاشك فيه، فلا تغرنك الحياة الدنيا بزينتها، ولا تنسينك الموعد ببهجتها {ولا يغرنكم بالله الغرور} وما أكثره!.

إن وعد الله حق، فتدبر، وإياك ثم إياك أن تكون من الغافلين عن ذلك، فإنه لا يجزي هناك والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، فاستعد، فقد قرب الموعد، وحان وقت الرحيل وإن هي إلا لحظات وإذا بك تفتح عينك في الموعد المحدد، والوقت المعلوم {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم} {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} {يوم يقوم الناس لرب العالمين} كلُّهم أجمعون، ولكنك وحيد وغيرك كذلك. لا والد ينفع، ولا مولود يفيد {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} تعرض كغيرك وأنت فرد، وتحشر وسط الآخرين وأنت وحيد {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} لقد تجردت من كل شيء، وتخليت عن كل شيء، وتخلى عنك كل شيء {يوم يفر المرء من اخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} فتدبر! فإن اليوم يوم فرار، لكن إلى أين؟ {يقول الانسان يومئذ اين المفر، كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر} ولذلك -والله أعلم- كان عمر لا يفتر عن ذكر يوم اللقاء، فقد فهم عن الله، وتلقى الكلمات وها هو يخطب في الناس فيقول : >ولكفى عمر انتظار الحساب< ويحاسب نفسه يوما ويقول >فماذا تقول لربك غذا إذا أتيته؟< واشتهر عنه ] >لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة لِمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟<.

إن وعد الله حق! {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، وما نوخره إلا لأجل معدود يوم يات لا تكلم نفس الا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} كل يتبع إمامه -وما أكثر أئمة الشر في زماننا -فاحذر- ويخطو على نهج مَثلِه وقدوته {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} فتسير وفود الصالحين إلى جنات الخلد، وتساق قوافل المجرمين إلى جهنم {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، ونسوق المجرمن إلى جهنم وردا} فما أشده من يوم، وما أصعبه من موعد، يذكره الصالحون باستمرار فيبكون باستمرار، ويعملون ويستعدون باستمرار، يروى أن ضيغم بن مالك رحمه الله بكى ليلة من أول الليل إلى آخره لم يسجد فيها سجدة، ولم يركع فيها ركعة، فلما سئل عن ذلك بكى وقال : >لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غدا ما لذوا بعيش أبدا، والله إني لما رأيت الليل وهوله وشدة سواده ذكرت به الموقف وشدة الأمر هناك، وكل امرئ يومئذ تهمه نفسه {لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} ثم يشهق ويضطرب<(1).

لقد ذكر الموقف هناك فبكى هنا، فما بالنا -يا أخي- لا نذكر الموقف كما ذكروا، ولا نبكي على تفريطنا وتقصيرنا كما فعلوا؟ أم ترانا غفلنا عن الله وما غفلوا، وركنا إلى الدنيا وما ركنوا، وأمنا مكر الله وما أمنوا، وسلكوا سبيل الحق وسلكنا سبل الغي..؟!!

إن وعد الله حق، فتدبر تكن ممن يتلقى الكلمات، ويسمع الآيات، ويعمل ليكون من أهل الجنات، جعلني الله وإياك منهم.. ولا تنس قول النبي : >والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا<.

د. امحمد العمراوي

1- رهبان الليل 85/2.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *