ماذا بعد العدوان الصهيوني على غزة ؟


ذ. يونس اليماني
العدوان الأخير على قطاع غزة العزة ليس سوى حلقة من حلقات المشروع الصهيوني الإرهابي الذي ينفذ في أرض فلسطين المباركة منذ ستين عاما. طيلة هذه السنوات لم يعرف هذا المشروع كللا ولا مللا، بل في كل مرة يوظف أشكالا جديدة وطرقا مختلفة،ويحشد طاقات المنتمين إليه والداعمين له من الساسة والحاخامات والمفكرين والطلاب والأطفال و…

ليس الهدف هنا أن نستعرض ما يتعلق بهذا المشروع الصهيوني وآليات عمله، فذلك شأنه وهوعدونا على كل حال. لكن الهدف هوتنبيه أبناء أمتنا  العربية والإسلامية – الذين خرجوا عن بكرة أبيهم صارخين في وجه العدوان الغاشم متضامنين مع إخواننا في غزة- إلى أن هذا العدوان ليس فعلا عدوانيا عابرا توقف بعد إنفاذ مجازره ومذابحه. مع العلم أن المعابر لما تفتح بعد،وأطلال المنازل والمساجد والمؤسسات لازالت مشاهدها قائمة، وأعداد الشهداء في ارتفاع،كما أن الهجمات العسكرية متواصلة من قادة الإجرام، فضلا عن كون غزة لاتمثل سوى 150 كلم من الأراضي الفلسطينية المحتلة،إضافة إلى عمليات التهويد والحفريات التي تطال المسجد الأقصى المبارك والأحياء المجاورة له… هذا الأمر يحتم علينا إدامة التفاعل مع القضية الفلسطينية واستمراره، خاصة بعد أن نجحت معركة الفرقان في إرجاعها إلى مربعها الأصلي كقضية جوهرية ومركزية بالنسبة لجميع المسلمين وحققت مكاسب لم نكن نحلم بها  في الوقت القريب حقيقة. فهذه مكاسب سياسية وتلك إعلامية وأخرى حقوقية وغيرها… وهي مكاسب عظيمة ورفيعة الرتبة -بطبيعة الحال- إلا أنها يمكن -مع مرور الوقت-  أن تصير حديث النخبة المشتغلة في هذه المجالات بصفة مباشرة، كما يمكن أن تغطي عليها قضايا أخرى يرزح تحتها العالم الإسلامي. لذلك ينبغي أن نستثمر التعاطف الشعبي من أجل تحويله إلى أداة فاعلة أكثر ومؤثرة باستمرار في ساحة المواجهة المباشرة مع العدوالصهيوني وأزلامه في المنطقة  وأيضا في تاريخ الأجيال القادمة. خاصة منها التي عاشت فصول العدوان الأخير وشهدت على إرهابه وإجرامه.فلا يكون هذا التعاطف والتضامن مقتصرا على مبادرات مستعجلة تستجيب فقط لهذه اللحظة الحرجة.

إن أول خطوات التفاعل الإيجابي وأعظمها أثرا على المدى البعيد هوالحفاظ على مركزية القضية في سلم أولويات الاهتمام، وأداة ذلك ووسيلته هوالتعريف بفلسطين والمسجد الأقصى تاريخا وحضارة وجغرافيا وشهداء وملاحم وبطولات تؤكد أحقية المسلمين بهذه الأرض المباركة، مقابل التعريف بحقيقة المشروع الصهيوني ومؤامراته الخبيثة وطبيعته العدوانية الذي يستغل لأجلها النبوءات التوراتية ويؤلف الأساطير التي تؤسس لإنفاذ مخططاته على الأرض، وأيضا توثيق اعتداءاته وجرائمه في حق المقدسات والإنسان والحيوان والعمران…

هذه الخطوة الأساسية تحقق لنا أمورا مهمة منها :

1- النظر إلى القضية الفلسطينية نظرة كلية شاملة بعيدة عن التجزيء الذي يتلف كثيرا من الحقائق ويضيعها. هذا النظر الكلي يتيح لنا تصحيح التصور ويؤسس لفعل جماهيري واع في ميادين مختلفة وجبهات متعددة. كما يبصر كل أفراد الأمة بحجم التحدي الذي يواجههم ويضعهم أمام المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وهنا لابد من الإشارة إلى أن النظر إلى قضية فلسطين والمسجد الأقصى يجب أن يتأسس على رؤية عقائدية ومنظور قرآني صرف  من جهة مخاطبة المسلمين وأيضا على أحقية الشعوب بالبقاء والأمن في أوطانها عند مخاطبة غيرهم.

2- استمرار الضغط على الحكومات لتكون في مستوى تطلعات شعوبها وانتظاراتهم.

3- حفظ الذاكرة التاريخية والحضارية للأمة من الضياع.

4- تأصيل قضية فلسطين والمسجد الأقصى بالذات وتجذيرها في العقول الناشئة.

5- حضورها الدائم في حياة الأمة وتفكيرها ومشاريعها وبرامجها.

ومن أهم الخطوات الفاعلة -في هذا المساق – العمل على توعية الناس بأهمية الاستمرار في مقاطعة المنتوجات الصهيونية ومؤسساتها القائمة في كثير من البلدان العربية والإسلامية. هذه التوعية يجب أن تكون في مسارين :

> المسار الأول : إقناع الناس بأن الاقتصاد  والمال هوالحبل الممدود من الناس للعدو، يتمسك به لإدامة وجوده ومخططاته العدوانية.

> المسار الثاني : دفع الشبهات التي يلقي بها أرباب التطبيع وأبواقه في كل حين من أجل تشكيك الناس في مصداقية هذا الخيار الاستراتيجي وفعاليته، من قبيل غياب البدائل وارتهان الاقتصاد المحلي لاقتصاد الأعداء وغيرها… وهي شبهات تنم عن نفسية استحكم فيها الانهزام إلى أبلغ مدى، وإرادة سلمت ناصيتها إلى أسيادها. كما أنها تهدف إلى تغييب الدور الشعبي المؤثر وقتل إرادته الفاعلة واختياراته الحرة، وتحويل الأمة – بتعبير أحد الإخوة- إلى مجرد”ظاهرة صوتية” تتقن فن الخطابة وتجييش العواطف ورفع الشعارات والصرخات، وبعدها تنصرف إلى حال سبيلها لتدفع أموالها عن غير وعي أوقصد لشراء منتوج سرعان ما يتحول رصاصا في صدور الأبرياء العزل وفسفورا أبيض يخرق الأجساد ويخنق الأنفاس…

لذا يجب الاستمرار في حملة المقاطعة للمنتوجات الصهيونية  مادام العدو يحتل شبرا من الأراضي المقدسة ولا ينبغي التخلف عنها بمجرد انطفاء شعلة الحماس وفتور ردة الفعل كما حصل في مراحل سابقة، سكت فيها المنادون بالمقاطعة، فالمقاطعة  -كما يقول- الشيخ حسين كوراني هي” المشروع الوحيد الذي يمكن الأمة كلها من الانخراط في الممانعة، فلا يجوز التسويف فيه..”

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *