الشباب والحرية


ذ. محمد بن شقرون

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسس الشرع الحنيف، بهما يُقوَّمُ كل شيء، وتسير أمور الحياة سيرا عاديا متوازنا، ويسعد الفرد والمجتمع، ويعيش الكل في أمن وأمان وسلم وسلام.

تعال معي، أخي القارئ الكريم، نتأمل حديث رسول الله  المعنون : بالحرية الشخصية.

فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي  أنه قال : >مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوْا ونجوا جميعا<(رواه البخاري والترمذي).

الناس متفاوتون في مفهوم الحرية الشخصية، كلٌّ يفهمها حسب ميولاته الخاصة، وينظر إليها من زاويته الملائمة عنده.

فأغلب الشباب إلا من أخذ الله بيده، يرى أن حريته لا حدود لها، فتجده يقوم بأعمال وحركات تكاد لا تصدق، بل ويندى لها الجبين ويمُجّها العقل السليم، فمن جانب اللباس، تجده يرتدي سروالا مبرقعا عليه علامات وأشكال بيضاء من أعلاه إلى أسفله الفضفاض الذي يساعد الكناسين في تنظيف الأزقة والطرقات، من شدة طوله وتمزق حاشيته، أما القميص والصُّدْرة التي يستر بها أعلاه، فهي ذات ألوان وزركشات مختلفة الأشكال والألوان، وتحمل أسماء غربية بلغات متعددة غالبا ما تكون إنجليزية أو فرنسية أو إسبانية.

وبالإضافة إلى هذا كله يقتني سجارة أو يلف ورقة محشوة بنوع من الحشيش أو المخدرات.

وإذا رأيته مارا تجد أذنيه في إنصات كامل للموسيقى الغريبة المبثوثة من جهاز صغير، في جيبه، إلى جانب الهاتف النقال.

إذن فهو يعيش في عالمه الخاص، ولا فرق تقريبا بين الولد والبنت.

هنا يتساءل الإنسان، كيف بِمِثْل هؤلاء الشباب أن تكون لهم الرغبة في تحصيل العلم والاجتهاد؟!

كيف نعول عليهم، كطاقة لخدمة الوطن والمجتمع، في المستقبل؟!

ومن هو المسؤول عن تربيتهم في الدرجة الأولى؟

والجواب، والله أعلم، أن معاول الهدم كثيرة لا حصر لها : تبدأ من الأسرة ثم المجتمع ثم المربين، ثم التوجيه العام، من برامج تعليمية وقنوات فضائية إلى الشابكة (الأنترنيت).

أخي القارئ الكريم :

بعد هذه الإطلالة البسيطة تعال نحاول معرفة بعض معاني الحديث الشريف الذي جعلته منطلقا لهذا الموضوع :

القائم  على حدود الله : المفهوم منه أنه المتمسك بدين الله، الذي يقوم بواجب الدعوة إلى الله، وما جاء به رسول الله .

استهموا : اتفقوا على أن يقترعوا فيما بينهم.

ولا شك أن القرعة تحْسِمُ الخلاف بين المُتنازعَيْن أو المتنازعِين.

والقرعة جائزة شرعا، لفعله ، حيث أسهم بين نسائه، عندما كان يريد سفرا، فأيتهن خرجت قرعتها أخذها معه.

الـمعـنـى العـام للحـديث الـشـريـف :

حديثه الشريف  كله جمال وروعة، وهنا يُبَيَّنُ الفرق بين الذين أخطأوا الطريق، وفهموا الحرية فهما خاطئا، وساروا في هذه الحياة حسب أهوائهم وشهواتهم، وفريق آخر رأوا المنكر فسكتوا عنه، المجتمع البشري الآن، وفي كل زمان فيه أخيار وأشرار وأبرار وفجار، فقد شُبّه بركاب سفينة تسير في بحر عظيم الأمواج، وقد انقسموا إلى قسمين؛ الأول منهم يركبون في أعلى السفينة يتمتعون بكل ما خلق الله من جمال البحر والسماء والهواء النقي والزرقة الصافية. والثاني يركبون في أسفل السفينة؛ وقد فقدوا ما تمتع به غيرهم، وهؤلاء يصعدون ليسقوا الماء العذب، وسرعان ما يتفطنون بأنهم يسيئون لجيرانهم، فخطرت ببالهم أن يأخذوا المعاول والفؤوس ويحفروا ثقبا في جهتهم السفلى، ومن لطف الله سبحانه أن الركاب في الأعلى يشعرون بالخطر يحذق بهم جميعا، فيمنعوا جيرانهم من إتمام حفر الثقب، الذي إن وقع غرقوا جميعا.

وبسبب هذا المنع حصلت النجاة لركاب السفينة كُلِّهِم.

بـعـض الـمـسـتـفـادات :

أولا : ما شرعه ، وسنه بسنته الطاهرة، كله حِكَمٌ من الله عز وجل.

ثانيا : ما نشاهده من فساد الأخلاق ومن التنكر لأصول الشرع الحنيف وثوابته، سببه التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثالثا : إن الحرية إذا لم تنضبط بالشرع انقلبت إلى فوضى، وأتت على الأخضر واليابس.

رابعا : المسلمون جسد واحد كما أشار إليه الرسول ؛ فإذا تعدى واحد منهم حدود حريته، عمت الإذاية الجسد كله.

خامسا : عندما نقول الشباب نعني به العيون التي ننظر بها لبناء المستقبل، فكلما صلَح حصل الأمل والاطمئنان، والعكس صحيح.

سادسا : احترام الحريات الخاصة والعامة وبجيمع أصنافها، يحافظ بشكل جيد على بناء وحدة الأمة.

سابعا : إذا لم تحترم حريتك الخاصة، فقدت الوقار والاحترام في نظر جميع الناس.

ثامنا : مجال تطبيق الحرية ينطلق من ذاتك، وهو ينعكس إيجابا أو سلبا على محيطك الذي تعيش فيه.

تاسعا : المستهتر بأمور الدين، المرتكب للمنكرات والمعاصي، لا يبالي بما يفعل من فحش وموبقات، لأنه فاقد للرشد.

عاشرا : نقول للشباب، إن الحرية الحقيقية، أن تأتمروا بأوامر الله ورسوله ، وتنتهوا عما نهى عنه، فإن فعلتم ذلك تفلحوا دنيا وأخرى وتُسْعِدوا أسركم ومجتَمعكم، ولن يفلح قوم لا يتخذون شرع الله حُكْماً وحكَماً.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *