استراحة الموعظة


إن الإسلام اعترف برغبة النفس البشرية وميلها إلى سماع الطرائف والحكم، والحكايات والنوادر، وتأكد له أنها تجد في ذلك مشوقا كبيرا لتلقي ما يعرض عليها في اهتمام وانتباه.

يقول الإمام مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي رحمه الله تعالى: اعلم أيدك الله أن النفس تمل، كما أن البدن يكل، وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملت طلبت الراحة.

قال بعض السلف: حادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدثور. كأنه أراد احتملوها واجلوا الصدى عنه، وأعدوها قابلة للخير، فإنها إذا دثرت(1) وصديت لم ينتفع بها.

وعن عطاء بن السائب، قال: كان سعيد بن جبير يقص علينا حتى يبكينا، وربما لم يقم حتى يضحكنا.

وكان ابن عباس ]ما إذا أكثروا عليه في مسائل القرآن والحديث، يقول: خذوا في الشعر وأخبار العرب(2).

وعن سليمان بن حرب قال: كنا عند عماد بن زيد يحدثنا بأحاديث كثيرة، ثم قال لنا: خذوا في أبراز(3) الجنة فحدثنا بالحكايات(4).

فعلى الواعظ أن يدرك هذا حتى إذا استأنس من الناس الفتور والارتخاء، والشرود والعياء، عليه أن يلجأ إلى الطرائف والحكم والنوادر.

والحايات كوسيلة تفتح أعين الناس، وتنبه أذانهم، وتنشط نفوسهم، ولا يقدر على ذلك إلا إذا كان صاحب نفس يملأها التفاؤل والأمل، وتغمرها بشريات الخير والنجاح.

عن أبي هريرة ] قال: يا رسول الله إنك تداعبنا، قال:”نعم، غير أني لا أقول إلا حقا(رواه الترمذي في الشمائل).

سأل رجل الشعبي عن المسح عن اللحية، فقال: خللها بين أصابعك، فقال: أخاف ألا تبلها، فقال الشعبي: إن خفت فانقعها من أول الليل.

وسأله آخر: هل يجوز للمحرم أن يحك بدنه؟

قال نعم.

قال مقداركم؟، قال: حتى يبدو العظام.

وسأله آخر: ما اسم امرأة إبليس؟

فقال: ذلك نكاح ما شاهدناه(5).

وسئل أحدهم عن مسألة في الفرائض، وهي: رجل مات وخلف ابنا وبنتا، وزوجة ولم يترك شيئا من المال.

فقال: للإبن اليتم، وللبنت التكل، وللزوجة خراب البيت، وما بقي من الهم فللعصبة(6).

لكن العصبة في هذه الفريضة نجاهم الله من الهم والغم لأن الإبن يحجبهم حجب إسقاط عن الهم الذي خلفه أبوه.

هكذا كانت تصدر المفاكهة من فحول العلماء لتنشيط نفس السامع وإعدادها لمساع الخبر في اهتمام وانتباه، فعن إسرائيل بن زياد قال : كان سعيد بن أبي عروبة، إذا لقيني ومعي ألواح  و يقول : ما تريد؟ قلت : أكتب الحديث، قال : اكتب حدثنا الأعرج، عن الأعمى، عن الأعرج، عن الأعمى فسعيد بن أبي عروبة أعرج، وقتادة أعمى، وأبو حسان أعرج، وابن عباس أعمى.

وحدث عاصم، الأطول يوما فتبسم وضحك، فقال : أنا أحول وثابت بن يزيد أحول، وعاصم أحول، فاجتمعنا ثلاثتنا حُوْلاً.

وكنا نرى هؤلاء العلماء الأعلام إذا وقع في مجلسهم شيء يتأسف له الحضور وتنقبض له النفوس، ظهر من سلوكهم وتصرفهم الحكيم ما يزيل الانقباض ويبعث النفوس إلى الانشراح والنشاط في حلقة المجلس، فقد اجتمع أصحاب الحديث عند وكيع وعليه ثوب أبيض، فانقلبت المحبرة على ثوبه، من جراء ازدحامهم في مجلسه -فسكت مليا ثم قال : ما أحسن السواد في البياض.

بهذه المفاكهة اللطيفة طيب وكيع ] نفوس جلسائه، ورد لهم روح النشاط الذي جعلهم يزدحمون في مجلسه.

وقد روى علي بن أبي طالب ] أن النبي  قال : من أكرم المسلم بكلمة يلطفه بها، أو مجلس يكرمه به، لم يزل في ظل الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك<(7).

والحكاية الهادفة التي تثير في السامع الدهشة والتعجب بسحر صورها ومشاهدها، لها أثر كبير في تحريك اليقظة والانتباه في النفوس، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : حدث النبي  ذات ليلة نساءه حديثا -أي كان عجيبا مثيرا للانتباه- فقالت امرأة منهن كأن الحديث حديث خرافة، فقال : أتدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة أسَرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس حديث خرافة(8).

——

1- أي تغطت.     //   2- غذاء الأرواح، ص 26.

3- أبراز أي بذور النبات.

4- الجامع الأخلاق الراوي، ج 2 ص 131.

5- غذاء الأرواح بالمحادثة والمزاح، ص 39.

6- المصدر السابق.

7- الحديث في إسناده سهل بن أحدم الديباجي كان رافضها غاليا.

8- رواه الترمذي في الشمائل والطبراني في الأوسط والهيثمي في مجمع الزوائد….

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *