إذا لم تستحي فاصنع ما شئت


عن أبي مسعود ] قال: قال رسول الله  : >إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت<(رواه البخاري).

تـقـــديـــــم:

إن خلق الحياء له مكانة متميزة بين باقي المكارم والمحامد، وهو خلق نبيل، وخصلة حميدة، يحفظ صاحبه من الوقوع الزلات والمعاصي والمنكرات، وقد أخبرنا رسول الله  بذلك فيما رواه البخاري عن أبي مسعود ] قال: قال رسول الله  : >إن مما أدرك الناس مــن كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت<.

الـمـعـنـى  الإجــمـالـــي:

الحياء خلق نبيل تخلق به الأنبياء ودعا إليه الرسل، وأجمعت عليه الديانات والرسالات، وتمسك به الناس على مر الأزمنة والعصور

الــمـعـانــي  الـتـفـصـيـلـيـة:

1- لقد أخبرنا رسول الله  أن كمال الأخلاق كلها مردها إلى كمال خلق الحياء، فالحياء له مزية كبرى في سيرة الإنسان وسلوكه، حيث يبعثه دوما على ترك قبيح ومنكر، ويمنعه من التقصير في أداء الواجب، ويدفعه باستمرار إلى الاتصاف بكل ما هو جميل وإلى فعل الخير والمعروف، فهو خلق رئيس في الإسلام، لذلك قال عنه  : >إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء<، كما جعله جزءا أساسيا من أجزاء الإيمان، ولازما من لوازمه، وشرطا من شروطه، ومكونا رئيسيا من مكوناته، فكمال الإيمان متوقف على خلق الحياء، ومن لا حياء له لا إيمان له، قال رسول الله  : >الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبُذاء من الجفاء، والجفاء من النار<، وقال رسول الله  : >الحياء والإيمان قرناء جميعا إذا رُفع أحدهما رُفع الآخر<، ومعناه أن الحياء والإيمان متلازمان لا يفترقان، فمتى وُجد الحياء قوي الإيمان و زاد، وإذا غاب الحياء فإن الإيمان ينقص ويضعف ويفتر. وقال رسول الله  : > الإيمان بضع وستون- أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان<، فقد أفرد رسول الله  خلق الحياء بالذكر في هذا الحديث من بين باقي الأخلاق وشعب الإيمان لأن في ذلك دلالة صريحة على أن الحياء هو الذي يأخذ بيد صاحبه إلى باقي شعب الإيمان، وبه تتحقق باقي الأخلاق، ولذلك اعتبر رسول الله  الحياء خيرا كاملا على من يتخلق به، وعلى من يعيش حوله، فقال  : >الحياء خير كله<، وقال: >الحياء لا يأتي إلا بخير<.

وقديما قال الشاعر:

يعيش المرء ما استحيى بخير

ويبقى العود ما بقي اللحاء

فلا والله ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

2-  الحياء هو عبارة عن شعور داخلي يحس به الإنسان في نفسه، حيث يشعر بانقباض النفس وضيقها فلا تطاوعه على الرذيلة، أو على فعل شيء قبيح، أو على إتيان منكر، وبهذا الشعور ترتفع نفس المؤمن، وتعلو، وتتنزه عن كل عمل حقير، أو صفة دنيئة، وتكره كل أمر يحط من قدر صاحبها.

والحياء -بعبارة أخرى- هو حياة القلب، ويقظة الضمير، ونقاء السريرة، وصفاء الروح :

فالحياء هو الذي يمنع صاحبه من النظر إلى ما حرم الله، ومن تتبع عورات الناس والتطلع إلى معرفة أسرارهم وإلحاق الأذى بهم.

والحياء هو الذي يمنع صاحبه من الكذب، والغش، والخديعة، والزنا، والسرقة، والخيانة، وشهادة الزور، والفحش، والفجور، وغير ذلك من الأمور.

والحياء هو الذي يمنع النساء من الخروج على الناس عاريات متبرجات، وهو الذي يمنعهن من استفزاز مشاعر الناس بلباسهن الفاضح، وروائحهن المنتشرة، ومشيتهن المنكسرة، وخضوعهن في القول.

والحياء هو الذي يمنع الشباب من مغازلة الفتيات ومعاكسة النساء.

والحياء يمنع من اللعن والسباب والشتم واستعمال الكلمات الفاحشة والألفاظ النابية والعبارات الساقطة.

والحياء هو الذي يدفع صاحبه إلى أداء الواجب بصدق وأمانة وإخلاص وجد واجتهاد :

فالحياء يدفع الصانع إلى إتقان صنعته، والتاجر إلى الصدق في تجارته، والموظف والأجير إلى الإحسان في أداء واجبهما، والراعي إلى النصح لرعيته، والولد إلى البر بوالديه، والوالد إلى تربية أبنائه تربية صالحة، والزوج إلى معاملة زوجته بالحسنى، والزوجة إلى طاعة زوجها والتعاون معه على تحمل أعباء مسؤولية الأسرة.

والحياء هو الذي يدفع الجميع إلى المعاملة بالحسنى.

مـسـتـفـــادات  وفــوائــد:

1- لقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة في التخلق بالحياء رجالا ونساء:

– فهذه بنت نبي الله شعيب التي قابلت موسى ، قد ذكرها القرآن الكريم بحيائها في قوله تعالى: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء}(القصص : 25)، فهي تتدفق حياء وهي تمشي، وتقطر حياء وهي تتكلم، وهي كلها حياء وحشمة ووقار.

– وهذا نبي الله يوسف يمنعه حياؤه من عزيز مصر والوقوع في الفاحشة مع زوجته التي راودته عن نفسها، قال تعالى : {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون}(يوسف: 23).

– وهذا حبيب الحق وسيد الخلق سيدنا محمد  كان أشد الناس حياء، عن أبي سعيد الخدري ] قال: >كان رسول الله  أشد الناس حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه<.

– وجاء في مناقب عثمان بن عفان ] أنه استأذن على رسول الله ، وكان متكئا فاعتدل، وكان قد دخل عليه أبو بكر وعمر وهو على هيئته شبه مضطجع، فقالت له نساؤه : يا رسول الله، استأذن عليك أبو بكر وأنت متكئ، واستأذن عليك عمر وأنت كذلك، فلما استأذن عليك عثمان أصلحت من شأنك، فَلِمَ ذلك؟ فقال النبي : >وكيف لا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة في السماء<.

– وهذه السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أدخل بيتي، وكان قد دفن بالبيت رسول الله  وأبو بكر ]، فكنت أقول لنفسي: (أبي وزوجي)، فأخلع ثيابي، فلما مات عمر بن الخطاب ] دفن بجوار الرسول  وأبي، فاستحييت أن أخلع ثيابي، فكنت أشد ثيابي على نفسي حياء من عمر.

– وهذه إحدى الصحابيات الجليلات جاءت إلى رسول الله  تريد الإسلام، فقال لها رسول الله :”بايعيني على ألا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني….” فلما سمعت المرأة كلمة( لا تزني) وضعت يدها على رأسها وأنزلت وجهها من شدة الحياء، فأعجب الرسول  بحيائها.

2- إن المجتمع يزيد طهرا ونقاء كلما ازداد أفراده تمسكا بالحياء، وإذا إذا نُزع الحياء ماتت القلوب، ونامت الضمائر، ومرضت النفوس، وفسد المجتمع، وغرق الجميع في وحل المصائب والمشاكل، قال رسول الله : >إن الله إذا أراد أن يَهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نُزع منه الحياء لم تلقه إلا مَقيتا مُمَقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نُزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مُخَونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعونا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعونا نزعت منه رِبقة الإسلام<.

3-  الذي يتصف بالحياء كريم النفس، تقي، نقي، عفيف، وَرِع، لا يحب أن يرى نفسه مُهانة، ذليلة، حقيرة أمام الله أولا، وأمام نفسه ثانيا، وأمام الناس ثالثا. والذي يتصف بالحياء يعرف لنفسه قدرها، لذلك فهو يتجنب كل شيء يسيء إليها أو يحط من قدره وكرامته.

والذي يتصف بالحياء هو الذي إذا وجد نفسه في موقف يتنافى مع الكرامة أصابه القلق، واحمرَّ وجهه، وتصبب بالعرق جبينه، وخفق قلبه، وارتعش جسمه.

4-  من اقترف إثما وتلذذ بفعله فقد نزع منه الحياء،.

ومن ارتكب معصية وفرح لها أوتفاخر بها فقد نزع منه الحياء.

ومن فاتته خطيئة وندم على فواتها فقد نزع منه الحياء.

ومن ضيع طاعة ولم يُبال بضياعها فقد نزع منه الحياء.

ومن منع خيرا أو وقف في وجه معروف فقد نزع منه الحياء:

ومن دافع عن منكر أو انتصر لباطل فقد نزع منه الحياء، ومن رأى منكرا ولم يتحسر قلبه على ذلك فقد نزع منه الحياء.

وإذا تعود الناس على رؤية المعصية ولا يتأثرون لها فقد نزع منهم الحياء.

وإذا غاب عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انتظر الهلاك

فاللهم ارزقنا الحياء منك في السر والعلانية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *