استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟


5- الوجود والتواجد (3)

 تحدثنا في الحلقتين السابقتين (المحجة 305 و306)) عن تعليلين اثنين فيما يتعلق بدلالة كل من الكلمتين (التواجد) و(الوجود)، وما بينهما من اختلاف في المعنى، وأن استعمال التواجد بمعنى الوجود خطأ فادح، ونعرض في هذه الحلقة بعون الله تعالى  التعليل الثالث وهو :

ثالثا : اختصاص كل صيغة من بين الصيغتين (فعول) و(تفاعل) بوظائف دلالية معينة :

1- وجود على وزن (فعول) : لو تتبعنا دلالات الكلمات المصوغة على هذا الوزن (فعول) لوجدنا أنها تحتمل احدى الدلالتين الآتيتين :

أ- طول مدة وقوع الحدث الملازم للفاعل مثل اللزوم، والجلوس والقعود..الخ.

ب- ثبوت وقوع الحدث وملازمته للمتصف به مثل نهِكه نهوكا، وورد وروداً، وجحد جحوداً، ومثال ذلك ما يلي :

– الخروج : (و) يستعمل في معنى الظهور، يقال خرجت الشمس من السحاب أي انكشفت، وقد يستعمل في معنى الانتقال، يقال خرجت من فاس إلى وجدة، وهو متنوع في نفسه لغة، لأنه عبارة عن الانفصال من المكان الذي هو فيه إلى مكان قصده، وذلك المكان تارة يكون قريبا، وتارة يكون بعيداً، وعلى هذا فالسفر أحد نوعي الخروج وضعاً ولغة..( الكليات 432 بتصرف).

وقد تكون مدة حدوث الفعل الذي تدل عليه صيغة (فعول) الممثل لها بالخروج أطول وأبعد كما هو واضح في كلمة (الحدوث) وهو الخروج من العدم  إلى الوجود..(الكليات 400 بتصرف).

ولاشك أن خروج الشمس من السحاب، وانتقال المسافر من مكان إلى آخر يتطلب زمنا ميعنا، وقد يكون هذا الزمن خارجا عن نطاق الإدراك البشري كالخروج من العدم إلى الوجود!

هذاعن طول المدة التي يمكن أن تستفاد من دلالة صيغة (فعول)، أما عن ثبوت الحدث وملازمته للمتصف به بصيغة (فعـول) فنمثل لـه بمثـالين فقط هما :

اللزوم : ومعنى اللزوم للشيء : عدم المفارقة عنه، يقال لزم فلان بيته إذا لم يفارقه..(الكيان 795) ومثل اللزوم في دلالته اللفظية على الثبوت : القنوت في دلالته المعنوية و] كل القنوت في القرآن فهي الطاعة إلا قوله : {كل له قانتون}(البقرة : 116) فإن معناه مقِرّون..(الكليات 702) ولاشك أن المُطيع يلازم أوامر المطاع وينفذ ما يقره منها.

ح- ودلالة صيغة (فعول) على طول مدة وقوع الحدث وملازمته للمتصف به فاعلا كان كما هو واضح في مثل : جلس فلان جلوسا، أو مفعول مثل نهك السفر فلانا نهوكاً. أو تكثيره والمبالغة فيه، من الدلالات التي تختص بها صيغة (فعول) سواء كـــانت جمع تكسير مثـــل بُذور.(ابن يعيش 21/5) أو صفة مثــــل كهول (نفسه 24/5) إذ الملاحظ أن بذور جمع كثرة لمفرد هو بذرة على وزن فعْلة، والمفرد هنا (بذرة) اسم. أما كهول فمفردُه هو كهل، وهو صفة، ويجتمع الأصلان (الاسم) بذرة، و(الصفة) كهل في صيغة الجمع على (فعول).

هكذا يتضح أن كلمة (وجود) التي تأتي على صيغة (فعول) تعني نوعاً من ملازمة الحدث الذي يستفاد أصلا من فعل (وَجَد) للمتصف به كيف ما كا ن. فنحن عندما نقول : بأن شيئا ما موجود في مكان مّا. فإن الأمر يقتضي أن يكون هذا ذلك الشيء في ذلك المكان لفترة من الزمن تسمح لنا بأن ندركه ونصدر هذا الحكم عليه فعلا، وهذا ما لا يتأتى بالنسبة للكلمات الواردة على صيغة (تفاعل).

2- تواجد على وزن تفاعل : أشرنا في الحلقة الثانية (المحجة عدد 306) إلى أن كلمة (تواجد) فعل مزيد بحرفين هما التاء في أوله، والألف في وسطه ((ت) و(ا)   جَد) وهو فعل يتعدى إلى مفعول به أحياناً، ولا يتعدى أحياناً أخرى. بل يكتفي بالفاعل كما ذكر ابن عصفور، ونقف عند أمثلة النص المذكور (انظره في العدد الماضي 306) بشيء من التحليل لأن هذا التحليل سيساعدنا على التميز بين نوعين من وظائف (تفاعل) الدلالية : نوع يدل على المشاركة بين اثنين فأكثر في حدث واحد، ونوع لا يدل على هذه المشاركة، وإنما يدل على معاني أخرى سنعطي أمثلة منها إن شاء الله، ومن ثم ضبط ما تيسر من دلالات (تفاعل) بحول الله.

وقد أورد ابن عصفور الأمثلة التالية لصيغة (تفاعل) المتعدية تارة واللازمة أخرى إذ يقول : >فالمتعدية نحو : تقاضيته، وتناولنا الحديث، وتجاوزنا المكان< فالكمات الأولى في هذا النص : (تقاضَى) و(تناول)، و(تجاوز) أفعال، والتاء الأخيرة في المثال الأول : تقاضيت، والضمير (نا) في المثالين الأخيرين (تناولنا) و(تجاوزنا) فواعل. والهاء في المثال الأول (تقاضيته)، والحديث في المثال الثاني، والمكان في المثال الثالث : مفعولات، ولذا اعتبرنا الفعل الذي جاء على وزن (تفاعل) في هذه الأمثلة متعديا، أي أنه تطلب المفعول به حتى يتم المعنى. وهذه المفعولات هي (الهاء) و(الحديث) و(المكان).

أما الأفعال غير المتعدية فقد مثل لها بقوله : تغافل، وتعاقل. فالملاحظ بالنسبة للمثالين الأخيرين أن المنطوق به هو الفعل فقط، والفاعل مقدر (هو) ويمكن النطق به فنقول تغافل فلان، أو تعاقل فالجملة مكونة من فعل وفاعل، ولا وجود للاسم الثاني بعد الفعل الذي يمكن أن يعتبر مفعولا به، ولذا سُمي كل من الفعلين (تغافل) و(تعاقل) لازماً، أي غير متعدي إلى مفعول به. ولهذه المسألة أي التعدية واللزوم أثرها في التمييز بين نوعين من الوظائف الدلالية التي تنسب لصيغة (تفاعل) وهذا ما يشير إليه ابن عصفور في النص السابق بقوله وإنما يجوز أن نقول >تفاعلته وتعديه.. إذا لم يكن المفعول فاعلا..<

والآن نعرض بعض وظائف (تفاعل) الدلالية وهي كما يلي :

1- الدلالة على المشاركة في الفعل بين اثنين فصاعداً، وهذه الوظيفة أي اشتراك صيغة (تفاعل) في الدلالة على مشاركة اثنين فأكثر في فعل واحد من أهم وظائف صيغة (تفاعل) المتعدية مثل تسابق فلان وفلان، وتسابق المحسنون في أعمال البر، وتشاجر اللاعبون في الميدان فالفعل كما هو ملاحظ فعل واحد (تسابق) على وزن تفاعل لكن الذي صدر منه هذا الفعل ليس فرداً واحداً، وإنما هو اثنان أو أكثر، وفي هذا المعنى يقول سيبويه يرحمه الله >وأما تفاعلت فلا يكون إلا وأنت تريد فعل اثنين فصاعدا..<(ك 69/4) وفي هذا المعنى أي اشتراك اثنين فأكثر في فعل واحد مما يصاغ على (تفاعل) يقول أبو حيان وهو بصدد تفسير قوله تعالى : {واتقوا الله الذي تسّاءلون به والارحام}(النساء : 1) : ومعنى يتساءلون به ، أي يتعارضون به السؤال.. وظاهر تفاعل : الاشتراك أي تسأله بالله، ويسألك بالله…<(البحر المحيط 497/3).

ويوضح سبيويه أساس صدور الفعل من المتشاركَيْن، أو المتشاركين فيه بقوله : >ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته، وذلك قولك : تضاربنا، وتراميا، وتقاتلنا..<(69/45)، ويقصد سيبويه بقوله : >ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته، الحدث الذي يصدر من الفاعل إلى المفعول ففي (فاعلته) فعل وهو (فَاعَل) وفاعِلٌ وهو الضمير المتصل (التاء)، ومفعول به وهو الهاء (ه). وعليه ففي مثل (تضاربنا، وترامينا…الخ< يصدر الفعل وهو (تضارب) و(ترامى) من الفاعل وهو الضمير (نا)، ويقع على المفعول وهو الضمير نفسه (نا)، وذلك باعتبار تبادل الفعل بين الفاعلين (نا) حيث يصير كل واحد منهما فاعلاً باعتبار صدور الفعل منه، ويقع على مشاركة فيه عندما يضربه أو يرميه بشيء ما. ومفعولا به في نفس الوقت باعتبار تلقيه الفعل من مشاركه فيه كما نرى بالنسبة للمتلاكمين أو المتصارعين في الحلبة، وهذا ما نسميه بالمشاركة في الفعل التي هي وظيفة (تفاعل) الأولى. ولهذه الدلالة أمثلة في القرآن الكريم، والكلام العربي الفصيح من ذلك قوله تعالى : >وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون}(الصافات : 27) وقوله سبحانه : {في جنات يتساءلون عــن المجرمين..}(المدثر : 40).

هذه هي إحدى وظائف صيغة (تفاعل) التي يصاغ فعل تواجد على منوالها فهل تشاركها فيها صيغة فعول؟!

-يتبع-

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *