من سيرة الخليفة العباسي المهتدي


د. عبدالله بلحاج

كان رحمه الله ورعاً تقياً متعبداً زاهداً عادلاً فارساً شجاعاً قوياً في أمر الله خليقاً للإمارة ولم تعرف له زلة. لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير. وقيل إنه سرد الصوم مدة إمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وزيت وخل، وكان يشبه بعمر بن عبد العزيز. وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد فيه بالليل. وكان قد سد باب الملاهي والغناء وحسم الأمراء عن الظلم، وكان يجلس بنفسه لعمل حساب الدواوين بين يديه.

وكان سهل الحجاب كريم الطبع، يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه، ويجلس للمظالم، ويلبس قميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده، وكان من العدل على جانب عظيم. حكي أن رجلاً من الرملة تظلم إلى المهتدي بالله من عاملها فأمر بإنصافه، وكتب إليه كتاباً بخطه وختمه بيده وسلمه إلى الرجل وهو يدعو له. فشاهد الرجل من رحمة المهتدي وبره بالرعية وتوليته أمورهم بنفسه ما لم ير مثله، فاهتز ووقع مغشياً عليه، والمهتدي يعاينه. فلما أفاق قال له المهتدي: ما شأنك أبقيت لك حاجة؟ قال لا، والله، ولكني ما رجوت أن أعيش حتى أرى مثل هذا العدل. فقال له المهتدي: كم أنفقت منذ خرجت من بلدك؟ فقال: أنفقت عشرين ديناراً. فقال المهتدي: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة، وإذا أنفقت ذلك فهذه خمسون ديناراً من بيت المال فإني لا أملك مالاً، فخذها لنفقتك واجعلنا في حل من تعبك وتأخر حقك. فبكى الرجل حتى غشي عليه ثانياً، وبهت بعض الناس، وبكى بعضهم. فقال أحد الجماعة أنت والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى.

حكــمتموه فقضى بينكـم        أبلج مثل القمر الزاهر

لا يقبل الرشوة في حكمه       ولا يبالي غبن الخاسر

فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به، ولكني أذكر قول الله عز وجل: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}. فما بقي في المجلس إلا من استغرق بالدعاء له بطول العمر ونفاذ الأمر وكان يقول لو لم يكن الزهد في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلفته فإن منصبي يقتضيه، لأني خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسول الله  النائب عنه في أمته.

وقتل في رجب من سنة ست خمسين ومائتين. وكانت دولته سنة، وعمره نحو ثمان وثلاثين سنة .

> د. عبد الله بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *