معركة غزة: دروس وعبر


ذ. محمد البويسفي
تعرضت غزة الأبية لأبشع عدوان منذ عام 1948م، حيث القتل والتدمير والخراب بالجملة، الغرض منه تركيع المقاومة، والقضاء على حماس ومحوها من الوجود، بسبب رفضها رفع الراية البيضاء، والدخول في مسلسل الاستسلام والتفريط في الأرض مقابل امتيازات شخصية.

لكن صمود المقاومة الأسطوري وغير المتوقع، وإصرارها على المواجهة رغم عدم توازن القوة أربك العدو، وجعله يبحث عن مخرج من الورطة التي وقع فيها بدخوله إلى غزة، فقرر وقف إطلاق النار مــن جانب واحد.

صمود المقاومة أثبت أن المعارك الحقيقية هي معارك الإرادات والعزائم، وأن أسباب النصر ليست دائما مادية، ولكنها قضية إرادة ومنهج صحيح في إدراك المعارك.

المقاومة تعرف جيداً قوتها ووظيفتها، فهي حركة مقاومة وممانعة، ليس مطلوباً منها هزم العدو والانتصار عليه كما هي انتصارات الجيوش النظامية في حروب تقليدية، بل هي تعي جيداً أن وظيفتها تتمثل في منع العدو من النصر، والعيش في أمان، وتتمثل في جلب العدو إلى حرب استنزاف طويلة الأمد بشرياً ومادياً، والمقاومة في ذلك تملك النفس الطويل وتستند إلى خلفية شعبية غير محدودة، وإلى شرعية مجمع عليها في كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وإلى عقيدة قتالية مبنية على حب الشهادة في سبيل الله وعلى الجزاء الأخروي.

ولهذا نجحت المقاومة في رد العدوان وحرمت إسرائيل من النصر، كما نجحت في إحياء الجماهير العربية والإسلامية والعالمية، وأعادت رسم صورتها كما ينبغي أن ترسم في أذهان الرأي العام العالمي، ومحت تلك الصورة المغلوطة التي حاول الإعلام الغربي المتحيز ترسيخها لدى مشاهديه في الغرب، وهي أن حماس وقوى المقاومة الأخرى منظمات إرهابية تعتدي وتقتل المدنيين والأبرياء في إسرائيل بناءً على عقيدة دموية ظلامية وكراهية المخالف لها.

فما حققته المقاومة في فلسطين لم تحققه الجيوش العربية جمعاء في حروبها ضد إسرائيل .

كانت إسرائيل تتوسع بعد كل مواجهة ضد الجيوش العربية، والآن تنسحب من قطاع غزة بعد جنوب لبنان إثر مواجهة المقاومة.

ذلك أن المقاومة قامت بنقلة نوعية في مواجهة العدو، من قبل كانت المعارك تدور خارج فلسطين المحتلة، إما في مصر أو سورية أو لبنان..، والنتيجة تدمير مدن وقرى تلك الدول، و جنود العدو ينفضون أيديهم و يعودون إلى إسرائيل التي لم تمس بسوء. بمعنى أن المعارك كانت تُدار خارج الميدان الذي ينبغي أن تكون فيه أما المقاومة فقد نقلتها إلى داخل إسرائيل حتى صارت مدنها تٌقصف بالصواريخ. كإسديروت و عسقلان مثلا، بحيث لم يعد أحد في إسرائيل يأمن على حياته، لقد فُقد الأمن و الأمان في إسرائيل.

أراد الصهاينة تركيع الشعب في غزة الذي الْتَفَّ حول المقاومة واحتضنها رغم الحصار والتجويع والتقتيل..، وذلك من خلال قتل المدنيين بشكل همجي هستيري، أراد الصهاينة نزعَ روح المقاومة من الشعوب وهزْمَ الإرادة، وزعْزعةَ الثقة في النفس والأمل بإمكانية الانتصار على إسرائيل، وهذا سرُ التدمير الهائل للأحياء السكنية وهدم البيوت على ساكنيها، يريدون أن يقنعوا الشعوب بأن ثمن احتضان المقاومة باهظ جداً، ولا جدوى لها بما تجلبه من تدمير وقتل للمدنيين حتى تنفض يدها وتتبرأ منها.

لكن ما أثبتته التجربة أنه كلما كثر القتل والتدمير وازداد بشاعة، كلما زاد عزم المقاومة على الصمود والمواجهة، بل هناك وعي متنام لدى المقاومة بأن إسرائيل الآن تضرب بكل ما تملك من قوة، وتستخدم آخر ما أنتجته الشركاتُ العسكريةُ مِن أسلحةٍ جد متطورة في مواجهة المقاومة، لعلها تستطيع كسر شوكتها والنيل من إرادتها.

ولسان حال المقاومة في غزة يقول: ما الذي نخشاه؟ فإسرائيل أفرغت كل ما في جعبتها من أسلحة وخطط عسكرية، ودهاء سياسي، لكننا لم نستنفذ كل ما في جعبتنا من أسلحة، وكل ما أخرجناه جزء ضئيل مما هو موجود عندنا، ونعد العدو بالمفاجآت التي لم تخطر على باله، فكلما تطور سلاح الجو الصهيوني وعلا فوقَ سماءِ غزة، إلا وعلت  الإرادة والكرامة لدى المقاومين وكلما تطورت أسلحة التدخل البري والتمشيط الأرضي كلما التصقَ المقاومون بالأرض واحتموا بها في صورة وفاء من الأرض لمن تشبث بها تحتضنه وتوفر له الملجأ والملاذ الآمنَيين.

في بداية العدوان على غزة كنا نقول: يمكن للجيش الصهيوني دخول غزة نظراً للإمكانات العسكرية التي عليها، لكنه لم يستطع الدخول ومواجهة رجال المقاومة وجها لوجه، وكل ما استطاع فعله هو قتل الأطفال والشيوخ والنساء عبر القصف من الجو والبر والبحر بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً وتدميراً، وعوضاََ عن فشله في إصابة الأهداف العسكرية والنيل من المقاومة، صار يقصف المؤسسات المدنية من المؤسسات التعليمية ودور العبادة والمستشفيات..، وذلك عمل الجبناء والأغبياء. وبهذا العمل الجبان الدال على الإفلاس في كل شيء، انكشف أمام المقاومة وأمام العالم، وفقد الجيش الصهيوني، الذي كان يوصف بالجيش الذي لا يقهر، الهيبة وقوة الردع، وبدا عاجزاً أمام صواريخ المقاومة وهي تنطلق من غزة متحدية الرادارات والصواريخ المضادة وكل التكنولوجيا العسكرية الصهيونية الغبية.

كما كشفت معركة غزة الوجه الحقيقي للنظام الغربي المتحيز للظالم على المظلوم، وللجلاد على حساب الضحية، وانكشف ادعاؤه للأخلاق وقيم حقوق الإنسان والحرية والعدالة.

وكشف أيضا الأنظمة العربية أمام شعوبها وسقطت هيبتها بعد أن تخلت عن وظيفتها في حماية مواطنيها ومقدساتها، وصارت في وضعية انتهاء الصلاحية، وهذا ما رأيناه حين اصطفت بعض الأنظمة العربية إلى جانب العدو، وتبرأت من المقاومة وحملتها مسؤولية العدوان، حتى أن بعض الدول الغربية كانت أكثر إنصافاً من الأنظمة العربية، وكان جديراً بها إذ تخلت عن نصرة شعوبها أن تقف في الحياد.

كما كشفت معركة غزة عن حقيقة الشعبين الفلسطيني والصهيوني ففي غزة ومن تحت الأنقاض نسمع صوت الصمود والإباء نساء ورجال يؤكدون ثباتهم وصبرهم وتفضيلهم الموت في غزة على الحياة في ذل .

وفي المقابل نسمع عن تخصيص الصهاينة -شعب الله المختار- مستشفيات للمذعورين والمنهارين نفسياً وعصبياً أمام صوت انفجار صواريخ القسام، بل وأمام صفارات الإنذار.

وهذا يبين طينة كل شعب ومدى استعداده وطول نفسه في صراع غير محدود لإثبات الوجود.

لقد نجحت المقاومة في رد العدوان، وفي إسقاط مقولة الجيش الذي لا يقهر، وكشفت إسرائيل على حقيقتها بأنها أوهن من بيت العنكبوت.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *