فكرة إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين من العصور الوسطى وحتى هرتزل (1)


ذ. عبد السلام نوير – باحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية بالقاهرة –

يُجمع قدر غالب من الباحثين على أن عام 23ق.م شهد آخر  علاقة سياسية أو قانونية لليهود بجزء من فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ انتشر اليهود في قارات العالم القديم، وتميزت بوجه خاص ثلاث مجموعات كبيرة منهم وهي المجموعة التي عاشت في حوض البحر المتوسط والمجموعة التي عاشت في غربي أوروبا والمجموعة التي عاشت شرقي أوروبا. ومنذ ذلك التاريخ شهدت التكوينات السياسية والديمغرافية العالمية تغيرات عاصفة، بيد أنه في مجرى تلك التغيرات عاشت اليهودية نسقاً فريداً من التطور، نسقاً لا يشكل -دون شك- مجرى خاصاً خارجاً عن القوانين التي حكمت التطور التاريخي العالمي، وإن كان يتمتع باستقلالية نسبية كرست مجراها للآلية المتميزة للفعل الاقتصادي اليهودي عبر التاريخ، إذ عملت النشاطات المالية والربوية اليهودية على تحديد في التطور الاجتماعي العالمي بحيث يقف على الدوام على هامش  تطور أنماط المجتمعات المحيطة، فعبر عشرات السنين برع اليهود في نشاطهم الرئيسي وهو الوساطة، مشكلين مجتمعاً يهودياً مغلقاً داخل كل المجتمعات، لكنه مجتمع يشتغل بالمعادن النفيسة و يحتكر -أو يكاد- تجارة النقود، ويعمل بالوساطة النقدية والمالية والتجارية(1).

يهود أوروبا في القرون الوسطى

عاشت الطوائف اليهودية في أوروبا في القرون الوسطى في الجيتو، ولم يكن ذلك دائماً بسبب التفرقة الدينية واتجاه الكنيسة نحو عزل  اليهود عن المسيحيين، فالتاريخ يعرف مناسبات طالب فيها قادة هذه الطوائف بالانعزال عن سائر المواطنين(2) إدراكاً منهم لأهمية الحفاظ على طابع العزلة للتجمعات السكانية اليهودية، هذه العزلة التي شكلت رديفاً لاستئثار اليهود بالأعمال المالية وبأعمال الدعارة في مجتمعات أوروبا. بل قاوم اليهود المدارس الحكومية التي فتحها الفرنسيون خصيصاً لهم في مقاطعة الألزاس نتيجة لخوفهم من الاندماج(3).

لقد مر اليهود -كأقلية تجارية- بتطور طويل ومعقد، وقد بدأ هذا الدور بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، فكانوا حلقة اتصال تجارية بين بلاد المسيحية والإسلام وبين أوروبا وآسيا وبين الصقالبة (السلاف) والدول الغربية. وحينما أرادت قبائل الخزر التي عاشت بمنخفض الفولجا جنوب روسيا؛ الاشتغال بالتجارة الدولية تهوّد ملكها ونخبتها الحاكمة، وصارت اليهودية الدين الرسمي للدولة في القرن التاسع حتى يستفيد من شبكة الاتصالات اليهودية الدولية ولعله ليس من قبيل الصدفة أن اللغات التي تحدثت بها الأقليات اليهودية عبر تاريخها مثل العبرية واليديشية كانت هي دائماً لغة التجارة الدولية.

وقد ساعد التنظيم الجامد للمجتمع الزراعي الإقطاعي على عملية انتقال اليهود من التجارة إلى الربا، لاسيما مع تزايد حاجة المجتمع الأوروبي في العصر الوسيط إلى مال سائل لتمويل الحملات الصليبية، وكان القرنان الثاني عشر والثالث  عشر هما العصر الذهبي لسيادة اليهود في مهنة الربا(4). ومما تجدر الإشارة إليه أن الموقع الاقتصادي لتلك الأقليات والتعصب الديني الذي امتازت به تلك القرون من العصر الوسيط قد خلقا ظروف الاضطهاد الديني الذي تعرضت له بعض الطوائف في أيام الصراع الاجتماعي القاتمة، ولذلك كان بديهياً أن يشتد هذا الاضطهاد مثلاً أيام الصليبيين ويصل درجة المذابح، فقد جسدت الصليبية خطورة الصراع الاجتماعي المتفجر في المجتمع الإقطاعي الأوروبي.

ومع هذا الاضطهاد الذي وصل حدوداً وحشية في بعض الأحيان؛ لم تنشأ أيدولوجية صهيونية، وبقيت فكرة المسيحية في إطارها الإلهي لاسيما وأن الاضطهاد لم يكن مقتصراً على اليهود، فقد امتزج النظام الإقطاعي السائد آنذاك بالتعصب الديني، واستخدمه الإقطاعيون في الصراعات الاجتماعية(5). بيد أن العداء الشديد لليهود في أوروبا -كما تشير المؤرخة الصهيونية بربارة تخمان- كان أشد ما يكون عمقاً إبان الحملات الصليبية مع أنه لم يكن واضحاً قبل ذلك، ويشير مؤرخون آخرون إلى أن المحاربين المسيحيين الصليبيين هم أول من بدأ المذابح اليهودية وهم في طريقهم إلى فلسطين، ومبعث ذلك أن أوروبا لم تكن قبل عصر الإصلاح الديني تعتبر اليهود الشعب المختار الذي قدر له أن يعود للأرض المقدسة، وإذا كان اليهودي مختاراً لأمر ما فإنه للعنة، لذا كان اليهود يُعتبرون مارقين ويوصمون بأنهم قتلة المسيح، ولم تكن هناك ذرة من حب عاطفي لما يوصف بأنه المجد القديم للجنس العبري، كما لم تكن هناك بارقة أمل في إعادة بعث اليهود روحياً أو قومياً، ولم تكن هناك أدنى فكرة عن عودة اليهود لفلسطين. وكانت الصهيونية -يهودية أو غير يهودية- غائبة تماماً عن أوروبا في العصور الوسطى، وكانت إسرائيل تعني مجرد اسم لديانة، بل وديانة دنيا، ولم تكن هناك أية فكرة عن إمكانية أن تكون لإسرائيل صفات قومية(6).

البعث الديني اليهودي لأوروبا

كانت المبادئ البروتستانتية التي وضعتها حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر مغايرة تماماً للمبادئ الكاثوليكية السابقة، وتوصف هذه الحركة بأنها بعث “عبري” أو “يهودي” تولدت عنه وجهة نظر جديدة عن الماضي والحاضر اليهودي وعن مستقبله بشكل خاص، وكان اهتمام حركة الإصلاح البروتستانتي منصباً على العالم القادم، وكان ينظر إلى الحياة بمنظار الأبدية، كما ساد الاعتقاد بالمسيح المنتظر والعهد الألفي السعيد اللذين هما من مقومات المبادئ اليهودية.

ومع أن المسيحية كانت نتاجاً لليهودية إلى حد بعيد، وكانت تشتمل على بعض العناصر اليهودية القوية، إلا أن التغيرات اللاهوتية التي جاءت بها حركة الإصلاح هي التي روجت لفكرة أن اليهود أمة مفضلة، وأكدت على عودتهم إلى أرض فلسطين، وكان هناك قبل ذلك فصل واضح بين شعب العهد القديم العبري الذي كان يعتبر مثالياً واليهود المعاصرين الذين يُنظر إليهم بازدراء، ولكن العبرانيين التوارتيين أصبحوا يُقرنون بأبناء دينهم الحديثين في هذه الفترة.

وساد الاعتقاد بين البروتستانت أن اليهود المشتتين حالياً سىُجمعون من جديد في فلسطين للإعداد لعودة المسيح المنتظر، ولقد اقترنت تلك الفترة بإعلاء العهد القديم ليصير هو المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد لدرجة أن ترجمته للّغات القومية جعلت منه أكثر الآثار الأدبية شيوعاً، بل أصبح مصدر المعلومات التاريخية العامة. هذا بالإضافة إلى تأثير اعتبار اللغة العبرية اللسان المقدس الذي أوحى الله به إلى شعبه.. وقبل نهاية القرن السادس عشر أخذت الحروف العبرية  تستعمل في الطباعة، ولم تعد معرفة العبرية مقتصرة على كتب العهد القديم، بل انكب المسيحيون العاديون ورجال الدين على دراسة أدب الأحبار، وأصبحت  العبرية مسألة ثقافية واسعة كما هي مسألة دين.

لم تتضح بعد كيف أثرت اليهودية والعبرية في عقل أوروبا الحديثة، ومع أن الحقائق متوفرة للجميع إلا أن أحداً لم يحاول جمعها معاً ليظهر كيف تجمعت لتشكل بدايات الحب لليهود في أوروبا والذي تمخض عما نسميه ظاهرة الصهيونية غير اليهودية، والتي رأت من خلال التفسير الحرفي لنصوص سفر الرؤيا أن عودة  اليهود كأمة (إسرائيل) إلى فلسطين هي بشرى تسبق عودة المسيح المنتظر الذي سيقيم مملكة الله في الأرض والتي ستدوم ألف عام هي العهد الألفي السعيد. ومن ثم أنتجت من الفكر واتخذت من المساعي السياسية وسيلة لتحقيق هذا الهدف، فظهرت كتابات تدعي أنه حيث تذكر إسرائيل ويهودا وصهيون والقدس في الكتاب المقدس فإن الروح المقدسة لا تعني إسرائيل الروحية أو كنيسة الله التي تتكون من المسيحيين أو اليهود أو منهما معا، ولكنها تعني إسرائيل التي انحدرت من صلب يعقوب، وينطبق الشيء نفسه على عودتهم لأرضهم وقواعدهم القديمة وانتصارهم على أعدائهم، وقد أخذت هذه الأفكار الصهيونية في الترسيخ في الحياة الروحية الثقافية لبعض الشعوب الأوروبية حتى وصلت عصرها الذهبي في العهد البيوريتاني في إنجلترا برغم الاستياء العام الذي واجهته في بداية القرن السابع عشر(7).

———

1- ملحم خالد ملحم، البنى الاقتصادية والسياسية لإسرائيل، القاهرة العصرية العامة للكتاب 1990 ص 21- 22.

2- د. إميل توما، جذور القضية الفلسطينية، بيروت منظمة التحرير، مركز الأبحاث،

3- ملحم خالد ملحم، مرجع سابق، ص 22- 23.

4- جورج المصري، الأمة الإسلامية في مواجهة  الكيان الصهيوني اقتصادياً، مجلة الوحدة، السنة الخامسة، عدد 56 (مايو 1989)، ص 76.

5- د. إميل توما، مرجع سابق، ص 27- 28.

6- ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية : جذورها في التاريخ العربي، الكويت، سلسلة عالم المعرفة يصدرها المجلس الوطني الثقافي والآداب، ص 28- 29.

7- المرجع السابق، 29- 43.

> مجلة قضايا دولية ع 261

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *