انتصار غزة، خطوة تاريخية على طريق التصدي لمشروع المملكة اليهودية العالمية


د. عبد الوهاب محمد الجبوري – باحث عراقي –

المتابع لمراحل نشوء المشروع الصهيوني وتطوراته لابد أن يصل إلى قناعة هي أن العدوان الإسرائيلي على غزة هو استمرار للعدوان الصهيوني على فلسطين والأمة العربية، والذي كان قد بدا تنفيذه العملي الواسع باغتصاب فلسطين عام 1948 ومازال مستمرا وسيستمر لاحتلال المزيد من الأراضي العربية على مراحل من حيث الزمان والمكان والأساليب، وهو جزء من المشروع الصهيوني بإقامة ما تسميه المصادر الدينية الإسرائيلية دولة إسرائيل الكبرى ومن ثم ارض إسرائيل العظمى تمهيدا لإقامة المملكة اليهودية العالمية -بدعم وإسناد الولايات المتحدة والحركة الصهيونية وقوى عالمية أخرى – حسب الأساطير التوراتية والتلمودية التي وضعها ورسمها حاخامات اليهودية منذ فترة طويلة..

فالمهمات التي وضعتها الحركة الصهيونية ابتدأت من زمن بعيد ولا زالت مستمرة تحارب على جبهات متعددة، ابتدأت من فراغ كلي يكتنف جميع المقولات والمفاهيم التي تشكلت عليها قاعدة ادعاءاتها، عدا أنها تنهض على أساس غير خلقي ولا إنساني، فقد عملت على تحديد اتجاهين متوازيين :

اتجاه يلغي واقعا ماديا قائما وهو وجود الشعب العربي في فلسطين واتجاه وهمي مفترض لا وجود له باعتباره وجودا فعليا قائما حقا وهو الوجود اليهودي الاستيطاني الاحلالي..

فالوسائل التي استخدمتها الصهيونية العالمية للوصول إلى أهدافها كثيرة، لكن من أهمها توظيف التاريخ لخدمة مشروعها العدواني التوسعي العنصري، فالتاريخ بالنسبة للفكر الصهيوني هو التوراة والتلمود، والديانة اليهودية ابنة هذا التاريخ، والديانة اليهودية والتاريخ التوراتي هما عكازتا الحركة الصهيونية اللتان لولاهما لظلت تراوح في مكانها دون أن تحقق أيّاً من أهدافها ودون أن يقدر لها الاستمرار..

من هنا استمد الفكر الصهيوني جانبا من فلسفته من التراث الديني اليهودي الذي يقوم على أساس من عزل اليهودي عن غير اليهودي، وقد تم هذا العزل من خلال مجموعة من المفاهيم الدينية التي فسرت تفسيرا عنصريا قوميا، ومن أهم هذه المفاهيم خصوصية الإله وخصوصية العهد والاختيار الإلهي وخصوصية الخلاص الإلهي..

وقد أدت الترجمة العنصرية للمفاهيم الدينية إلى تحويل الديانة اليهودية إلى ديانة قومية خاصة والى تكوين صورة سلبية للآخر غير اليهودي تصل في قمتها إلى التعبير عن الرغبة في دماره وإبادته لان الخلاص الذي يحققه(الرب) لجماعته الخاصة يقابله دمار شامل لأعداء (الرب) ويمثل هؤلاء الأعداء بقية البشرية n حسب المزاعم اليهودية n فالبشر ينقسمون إلى يهود وغير يهود إلى أهل عهد مع(الرب) وبقية البشر ليسوا من أهل العهد، إلى مختارين وغير مختارين، وفي النهاية إلى مخلصين وغير مخلصين أو هالكين..

الأمر الآخر المهم الذي نود الإشارة إليه هو أن الصهيونية استخدمت النظريات العرقية الغربية لتبرير نقل اليهود المنبوذين من أوربا وتبرير إبادة السكان الأصليين، وقد وضعت أوربا اليهود والغجر في أدنى السلم العرقي عن أوربا، وبالنسبة للشعوب غير الأوربية فقد اعتبرتهم النظرية الغربية متخلفين حضاريا وعرقيا، واختلقت ما سمي بعبء الرجل الأبيض الذي يفرض عليه غزو الشعوب الأخرى لإدخالها في الحضارة، وهكذا اخذ الفكر الصهيوني بهذه النظرية العنصرية وطبقها حرفيا في طرح برامج التعامل مع العرب، وبرر غزو فلسطين وطرد العرب منها أو إبادتهم بنفس النظرية التبريرية الاستعمارية وتكونت الرؤية اليهودية (ببعديها الصهيوني والإسرائيلي) للعربي الفلسطيني وللعربي عموما من عنصرين :

الأول : يعتبر العربي عضوا في الشعوب الشرقية الملونة  المتخلفة..

الثاني : يرى في العربي ممثلا للاغيار، ووفق هذه الرؤية، فان العربي شخصية متخلفة يجب نقلها إلى المدنية والحضارة على يد الحركة الصهيونية التي ترى اليهودي عضوا في الحضارة الغربية منتميا إلى الجنـــس الأبيض وموضع القداسة..

إن بناء الأيديولوجية الصهيونية يستمد براهين إثباته ويكتسب قوة تصديقه في المجتمع اليهودي الصهيوني عبر الصياغة الفكرية الخاصة لوقائع الصراع مع العرب وأحداثه، سواء فيما يتعلق بمقولة معاداة السامية التي تجد في التفسير الخاص للعداء العربي إثباتا لصوابها أو فيما يتعلق بمقولة الشعب اليهودي الواحد التي تجد في الهجرة متعددة الأجناس برهانا على صدقها أو فيما يتعلق بمقولة الأرض التاريخية التي تجد في الاستجابة الجغرافية العربية الرخوة لعمليات الاحتلال الإسرائيلي مصداقا لصوابها، وهي المقولات الثلاث الأساسية التي تكون البنية الجوهرية للأيديولوجية الصهيونية..

انطلاقا من هذه الاعتبارات أقام الفكر الصهيوني مشروعه العنصري العدواني الاستيطاني الاحتلالي التوسعي على أساس الاغتصاب والغدر والخيانة وساروا فيه ضد تيار التاريخ وضد طبيعة الأمم وضد نواميس المجتمعات والحضارات وقد خططت حركاتهم الحديثة : الماسونية والصهيونية والمادية على قاعدة هدم الدين والأخلاق بهدف تقويض الحضارة ومحو العقائد وإسقاط الدول والإمبراطوريات والقضاء على الأمم، وأبرز ما تحمله تعليمات اليهود: نصوص تفيض وحشية وعنصرية وحقدا على العالم كله، وقد غذيت العقول بهذه الأحقاد على مدى الأجيال فأصبحت قوام النفسية اليهودية وعقدة التركيب الاجتماعي، وقد استطاعت الصهيونية التلمودية التي أثرت كثيرا على الحضارة الغربية تطبيع الفكر الغربي بطابع الجشع والطمع والحقد فكان أن حققت ما سعت إلى تحقيقه وهو إقناع الغرب بالمنهج التلمودي، الذي يستهدف إقامة المملكة اليهودية العالمية، وفي هذا يقــــــــول الدكتور(أيدر) رئيـس اللجنة الصهيونية: (إن هدف الصيونية هو إبادة العرب جميعا) ويقول (موشيه دايان) وزير الدفاع الإسرائيلي الأســبق لقد استولينا على أورشليم ونحن في طريقنا إلى يثرب والى بابل) أما المفكر اليهـودي (نورمان بيوش) فيقول: (في وسع اليهود الامتداد إلى جميع البلاد التي وعدوا بها في التوراة من البـــحر الأبيض حتى الفرات)..

هكذا نشأت الأجيال اليهودية متشبعة بالفكرة التي صاغها كتاب التوراة حين بدءوا بتدوينها خلال وجودهم في بابل في حوالي منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وعلى يد كبيرهم (عزرا) وهناك قاموا بتحريف التوراة ووضعوا هذه الفكرة العنصـــرية التي تتفق مع دعوتهم التضليلية (شعب الله المختار) وأقاموها على أساس أن وعد الله لإبراهيم عليه السلام في أبنائه بامتلاك الأرض المقدسة، هذا الوعد قاصر على ابنه إسحاق وذريته وحدهم، ومن هنا يجيء هذا الادعاء التاريخي الباطل بحقهم في العودة إلى ارض الميعاد..

وفي ضوء هذه التوجهات والمساعي فان اليهود الصهاينة لم ينجحوا في احتلال فلسطين وأراض عربية أخرى وتحريك القوى العالمية في اتجاه مصالحهم اعتباطا أو صدفة وإنما كان ذلك عن تخطيط مدروس وبأساليب غاية في الخبث والدهاء والشمول..

وقد تحركت الصهيونية n بوجهيها السياسي والديني – على ثلاث جبهات شملت العالم كله:

1-  الحركة  الأولى: في اتجاه المسيحية والغرب وذلك عن طريق الماسونية وحصيلتها الثورة الفرنسية التي أفرزت نشوء حركة الهاسكالاه اليــــهودية بزعامة (مندلسون) والتي دعت اليهود إلى خرق الجيتو والاندماج بالمجتمعات الغربية وإحياء اللغة العبرية والتفكير بإنشاء وطن قومي لليهود، كما ساهمت هذه الثورة بكسر قوانين الكنيسة التي كانت تحجزهم عن الاشتراك في الحياة الاجتماعية والسياسية ومن ثم أتاحت لهم تملك وجوه النشاط الثقافي والصحفي والاجتماعي ومن ثم السيطرة على رجال الحكم والسياسة..

2-  الحركة  الثانية: في اتجاه الارثودوكسية وروسيا وذلك عن طريق الماركسية وثمرتها الحركة الشيوعية، وتجلى هذا بإسقاط القيصرية وإقامة البولشفية في روسيا، وبذلك أصبح لليهود نظام مواجه للرأسمالية التي كانوا هم صناعها من قبل ووضع العالم كله بين فكي أسد..

3- الحركة الثالثة: في اتجاه الدولة العثمانية والعالم الإسلامي وذلك عن طريق الماسونية وثمرتها الحركة الصهيونية التي طرحت برنامجها الاستيطاني العنصري في مؤتمرها الأول ببازل بسويسرا عام 1897، وتجلى هذا بإسقاط الدولة العثمانية والخلافة، وبذلك انفتح الطريق أمام يهود العالم إلى فلســــــــــــــطين وإقامة الدولة اليهودية في القدس..

من هنا نجد أن اليهودية العالمية هي أم لثلاثة توائم: الماسونية والماركسية والصهيونية.. الماسونية التي فتحت الطريق أمام السيطرة العالمية والماركسية التي أقامت الصراع العالمي والصهيونية التي أسست دولة في قلب العالم العربي الإسلامي..

استنادا إلى ما تقدم فإننا نؤكد أن العدوان الإسرائيلي على غزة لا يستهدف حمـــاس وفتح وفصائل المقاومة وحدها بل يستهدف الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها ويستهدف تدمير بناه التحتية ومرتكزات وجوده الحضارية كلها مثلما يستهدف الأمة العربية وعامة المسلمين في كل مكان..

وأول ما يركز عليه العدوان الإسرائيلي n الذي سوف لن يتوقف وسيتكرر – هو الإنسان الفلسطيني كانسان عربي مسلم وسيكون فكره وإيمانه ودينه ووحدته هي في أولويات أهداف المشروع الصهيوني العدواني التوسعي، كون إسرائيل تدرك جيدا أن الدين والإيمان والإرادة لدى المواطن الفلسطيني هي من ابرز عناصر قوة الشعب الفلسطيني والشعب العربي والمسلمين عامة..

من هنا سيظل العدو الإسرائيلي يراهن على استمرار الخلافات بين الفصائل الفلسطينية وقياداتها وقواعدها ومنهجها واستراتيجياتها، وسيبذل كل جهوده للحيلولة دون توحيد الرأي والكلمة والموقف..

فإسرائيل وبدعم من الصهيونية العالمية والولايات المتحدة وقوى عالمية أخرى تريد تدمير كل ما لم يتم تدميره حتى الآن خلال الستين عاما الماضية من الاحتلال كي تخلو لها الأرض وإفراغها من أهلها الشرعيين لجلب المزيد من المستوطنين اليهود من كل العالم لتكون فلسطين مرتكزا لإقامة مملكتهم العالمية..

ومن اجل تحقيق هذا المشروع الصهيوني ستعمل إسرائيل على أن يطال العدوان كل دولة عربية أو إسلامية أو فئة أو جماعة أو أشخاص سواء عارضوا هذا المشروع أم لم يعارضوه، ذلك أن متطلبات العدوان واستراتيجيته تحتم على إسرائيل أن يشمل العدوان كل بلدان العرب والمسلمين تباعا وعلى مراحل حسب بنود إقامة تلك المملكة اليهودية كما يزعم تلمودهم..

الاستنتاج

مع كل ما تحقق من أهداف صهيونية حتى ألان فإننا نستطيع القول أن هذا النجاح الذي حققته الحركة الصهيونية سوف لن يستمر بعون الله لان العرب والمسلمين قد عرفوا الطريق الصحيح إلى المواجهة مع الصهيونية، رغم حالة الضعف التي هم عليها الآن، ورغم محاولاتها حصر التعامل مع فلسطين في دائرة عربية، إلا أن هناك من العرب والمسلمين من نقل فكرة الصراع لتشمل الدائرة العربية والإسلامية والإنسانية حتى وان كانت هذه الحركة بطيئة أو غير فعالة في الوقت الحاضر، ومن الحقائق التي تكشفت أمامهم هي أن الصهيونية لم تنجح في إقامة إسرائيل إلا لضعفهم وسيطرة الأطماع المادية والشخصية عليهم وانقسام حكامهم وساستهم وانفصام عرى الوحدة بينهم، لكننا نعتقد أن تجربة الحروب الصليبية ما تزال قائمة أمامهم ولا بد أن يأتي اليوم الذي يتعلمون فيه من هذه التجربة وان يعرفوا ويقرروا أن طريق الوحدة والتكامل والترابط في مواجهة الصهيونية ورص الصفوف وتناسي الخلافات وتغليب المصلحة العليا على المصالح الأنانية الضيقة هو وحده منطلق النصر الذي صنعه صلاح الدين بعون الله وبالإيمان والتوحد والصدق والإرادة والاعتماد -بعد الله- على الذات ومقومات القوة فيها، فحقق لهم الخروج من الأزمة باعتماد منهج قوامه العودة إلى قيم الإسلام ومبادئه وتطبيق شريعته ونظامه التربوي وتطبيق فريضة الجهاد كمَعلم بارز من معالم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وان الباحث أو المحلل السياسي عندما يطرح مثل هذا الموضوع فانه يدرك تماما بان الصهيونية والإمبريالية وقوى الشر تسعى للحيلولة دون تحقيق ذلك، لكنه مقتنع تماما من تمكن العرب والمسلمين في يوم ما، ولعله قريب بعون الله، من تجاوز حالة ضعفهم وواقعهم المؤلم لأنهم يؤمنون إيمانا مطلقا بان لا سبيل لتحرير فلسطين إلا بالتخلص من سيطرة الأفكار الدخيلة عليهم والتحرر من الأنانية والخوف والرهبة من سطوة القوى الدولية المتحكمة وان قراءته العلمية والدقيقة للتاريخ تؤكد أن الشعوب المظلومة والمضطهدة والمغلوب على أمرها وطلائعها النخبوية لابد وان يبلغوا في لحظة معينة أو في زمن معين نقطة الوعي والإدراك لحقيقة الواقع المؤلم وعندها سوف يتحررون من الرهبة والخوف ويتحركون بإرادة ووعي واتكال على الله وعلى قواهم الذاتية لتصحيح مسارات اللعبة السياسية القذرة التي تديرها الحركة الصهيونية والولايات المتحدة وقوى الشر الأخرى دون خوف أو تردد..

حيا الله غزة وبارك في انتصارها الكبير على المعتدين ورحم الله شهداءها وشهداء المسلمين وحيا الله مقاومتها الباسلة وغيرة رجالها وأهلها وحيا الله شعب فلسطين عمق الثورة والمقاومة وبارك الله بكل حر شريف مد يد العون لها ولمقاومتها وتعاطف مع صمودها وأيدها بأي شكل من أشكال التأييد والدعم والعون والتعاطف، والخزي والعار للمتخاذلين الذين سيلعنهم التاريخ والأجيال القادمة..

وهنا من حقنا أن نعلن بفخر واعتزاز أن الانتصار الكبير الذي حققه شعبنا الفلسطيني في غزة بقيادة مقاومته الباسلة في أول حرب فلسطينية إسرائيلية واسعة تدور رحاها على الأرض الفلسطينية المقدسة، سوف يشكل أولى خطوات إفشال المشروع الصهيوني العدواني الذي يستهدف إقامة المملكة اليهودية العالمية وهو في مهده، فهذا وعد الله لعباده المؤمنين الصابرين الصادقين..

هذه هي قراءتنا لمغزى الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفلسطيني على العدوان الإسرائيلي والمطلوب خلال هذه المرحلة والمرحلة القادمة تعزيز وحدة الموقف الفلسطيني وتوحيد الرؤى والمواقف ورفع درجة الاستعداد والتحسب لمواجهة كل الاحتمالات التي يمكن أن يقوم بها العدو الإسرائيلي لان هذا العدو بات يدرك جيدا حقيقة انتصار غزة بكل أبعاده التاريخية والفكرية والاستراتيجية، مما سيجعله يواصل منهجه العدواني العنصري الذي اعتمده منذ اغتصاب فلسطين وكما اشرنا إليه في سياق الحديث..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *