المقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني على مدار قرن (1897م – 2000م)


ذ. ناجي علوش – كاتب صحفي من الأردن –

مـــقـدمــة :  منذ أن بدأ الاستيطان الإسرائيلي أواخر القرن الماضي في فلسطين والشعب الفلسطيني يستشعر الخطر الداهم، كما استشعره العرب في مصر وبلاد الشام؛ فقد جاءه غرباء هذه المرة، ليسوا سائحين عابرين ولا زوّارًا ما إن يظهروا حتى يغيبوا، ولا هم جيش احتلال يقيم الحاميات، ويصدر الأوامر، بل أشتاتُ مهاجرين، عندهم مشروع سياسي كبير لا يقوم إلا باحتلال الأرض وطرد الشعب.

وزاد من خطورة الأمر ثلاثة عوامل: الأول قيام مؤتمر “بال” سنة 1897م، وإعلان مشروع الدولة الصهيونية، والثاني: تغلغل الحركة الصهيونية في أجهزة السلطنة العثمانية وخاصة بعد الانقلاب  الدستوري سنة 1908م، وبدء التسلسل الصهيوني، والثالث: احتلال البريطانيين للدولة الفلسطينية 1917م ودور وعد بلفور.

وكانت هذه العوامل كلها تواجه شعب فلسطين بالخطر الدَّاهم، وتطرح عليه قضية المقاومة. ومنذ ذلك الحين وهو يقاوم، فَعَلامَ استندت مقاومته؟ وكيف قامت وتطورت؟ وما هي عوامل قوتها وضعفها؟ هذا ما سنحاول تباينه في هذه الدراسة الموجزة(1) عبر تتبع مراحل المقاومة المختلفة.

المرحلة الأولى (1897 – 1917) هجرة استراتيجية ومقاومة عفوية

بدأت المقاومة – في الحقيقة – قبل بداية هذه المرحلة؛ لأن تدفُّق الهجرة واتساع استيلاء الصهيونيين على الأرض العربية، ومعاملة العرب بروح العداء والشراسة وامتهان حقوقهم بصورة مُعْوَجَّة غير معقولة، وتوجيه الإهانات لهم دون أي مبرر كافٍ، والمفاخرة بتلك الأفعال فوق كل ذلك -كما يقول “آحادهاعام” سنة 1891م- أدى إلى تفاقم النقمة؛ ولذلك فإن فلاحي الخضيرة، وملبس (بتاح تكفا) الذين فقدوا أراضيهم حتى تحولت إلى مستعمرات قاموا بهجوم على المستعمرات التي قامت على أرضهم، ثم عادوا فقاموا بهجوم مماثل سنة 1892م، وقام وفد من وجهاء القدس بالاحتجاج على المتصرف رشاد باشا؛ لأنه تَحَيّز لليهود، وفي 24/6/1891 أرسلوا احتجاجًا إلى الصدر الأعظم بالآستانة طالبوا فيه بمنع هجرة اليهود الروس إلى فلسطين، وتحريم استملاكهم للأراضي فيها(2).

وكانت نقمة العرب في فلسطين واضحة، حتى إن “آحادهاعام” الذي زار فلسطين سنة 1891م بدعوة من جمعية أحباء صهيون كتب مقالاً بعد عودته إلى أوروبا حذّر فيه الصهيونيين من ثورة عربية قومية ضد مستعمراتهم(3).

ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في “بال” سنة 1897م، لم يَعُد موضوع الهجرة موضوع مهاجرين مشردين بلا هدف سياسي. إذ كانت أهداف مؤتمر “بال” واضحة من تشجيع الاستيطان إلى تنظيم اليهود، ومن تعبئة المشاعر اليهودية إلى تعميق الوعي القومي.

وكان تطور الحياة السياسية في مصر، وبروز نشاط الأحزاب والصحافة قد ساعد على التعريف بالخطر الصهيوني؛ ولذلك فإن عرب فلسطين وهم يسمعون بالاستعدادات لقيام المؤتمر، كانوا يبحثون سُبُل درء الخطر. والتقى -ضمن هذا الإطار- متصرِّف القدس مع قنصل ألمانيا لبحث “ضرورة وضع حد للخطر الصهيوني على فلسطين”،(4) وَتَرَأَّس في العام نفسه مفتي القدس محمد طاهر الحسيني هيئة مكلفة من السلطة بالتدقيق في نقل الملكية، حتى لا يتمكن المهاجرون الصهيونيون من الحصول على أراضٍ جديدة.

ونستطيع أن نقسم هذه المرحلة إلى فترتين: الأولى من عام 1897م حتى عام 1907م، والثانية من عام 1907م حتى عام 1917م.

> الفترة الأولى:

بدأ الرد العربي في فلسطين والوطن العربي سنة 1898م، ففي هذا العام وقف “أهل فلسطين موقفًا حازمًا ضد المشاريع الصهيونية والهجرة اليهودية، وإمكان قيام (إسرائيل) في بلادهم؛ لأنهم اعتبروا ذلك خطرًا على حقوقهم وامتيازاتهم”(5). وقام عرب شرق الأردن في هذا الوقت بالقضاء على المستعمرة الوحيدة التي أسست في منطقة جرش.

ولم تلبث سنة 1900م أن شهدت حملة عرائض واسعة النطاق ضد بيع الأراضي للمهاجرين الصهيونيين، وارتفع صوت نجيب عازوري سنة 1905م محذرًا من الخطر الصهيوني، وكان نجيب موظفًا في القدس (1898 – 1904)، ولكنه استقال لأن المتصرف المعين “رشيد بك” لم ينفذ قوانين الباب العالي المتعلقة بالهجرة، قال نجيب عازوري في كتابه “يقظة الأمة العربية”: “هناك حادِثان هامَّان من طبيعة واحدة، ولكنهما متناقضان، وهما يقظة الأمة العربية، والجهد اليهودي الخفي لإنشاء مُلْك إسرائيل القديم من جديد، وعلى مقياس أوسع. إن مصير هاتين الحركتين هو الصراع المستمر إلى أن تَغْلُب إحداهما الأخرى، ومصير العالم كله منوط بالنتيجة النهائية لهذا الصراع بين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين متعارضين”(6).

> الفترة الثانية:

تبدأ بالقرار الذي اتخذه المؤتمر الصهيوني سنة 1907م بمباشرة “النشاط الاستعماري العملي في فلسطين على أوسع نطاق”. وأعلن ماكس نوردو في المؤتمر: “نحن ننوي الذهاب إلى فلسطين بمثابة الحَمَلَة المعتمدين للمدنية والتحضر، ورسالتنا هي توسيع الحدود الأخلاقية (الأدبية) لأوروبا حتى تصل إلى الفرات”، ثم أضاف نوردو أن “فلسطين تحوي كثافة سكانية ضئيلة؛ مما يؤهلها لاستيعاب الملايين من المستوطنين المتحمسين للعمل”، والذين “لا يمكنهم الانتعاش إلا هناك دون سائر الأمكنة(7).

وأنشئ سنة 1908م مكتب فلسطين في يافا، وكانت مهمته شراء الأراضي في فلسطين، وفي هذا العام نفسه “بوشر بناء الأحياء اليهودية قرب يافا”، وهي التي أصبحت تل أبيب فيما بعد. وأنشأت الحركة الصهيونية مؤسسات أخرى كشركة “أنكلو ليفانتين” المصرفية في الآستانة، وشركة تطوير الأراضي الفلسطينية والصندوق الثقافي اليهودي إلخ.

أشكال المقاومة في المرحلة الأولى

اتخذت المقاومة في هذه المرحلة ثلاثة أشكال:

الأول- خط التعبئة الصحفية والثقافية:

وقد لعبت هنا الصحف ورجال الفكر والثقافة دورًا أساسيًّا. وجاء الرد على المؤتمر الصهيوني من الشيخ محمد رشيد رضا (1865 – 1935) في القاهرة، وعلى صفحات المنار،(8) وتابعت ذلك الصحف العربية الأخرى.

وزاد اهتمام الصحافة بالأمر مع اتضاح الأهداف الصهيونية، ومع قيام الحركة الدستورية سنة 1908م؛ إذ ظهرت في العهد الجديد صحف جديدة، في دمشق وبيروت والقدس ويافا، وكان الجديد في الأمر ظهور عدة صحف في فلسطين. فقد صدرت صحيفة “الكرمل” عام 1908م في حيفا لصاحبها نجيب نصَّار، واعتبرت كشف مخاطر الصهيونية هدفها الرئيسي،(9) وقامت صحيفة “الأصمعي” بدور مماثل، وما لبثت أن صدرت صحيفتا “فلسطين” 1911م و”المنادي” لتسهما في تبيان مخاطر الصهيونية.

وقد لعبت “الكرمل” دورًا طليعيًّا، فدعت إلى “عقد المؤتمرات للبحث عن الطرق المؤدية لتنظيم هيئتكم الاجتماعية، وحفظ كيانكم، وإلا صرتم حكاية تاريخية بعد حين..”، وانتقدت المؤتمر العربي الأول؛ لأنه لم يعالج مسألة الصهيونية،(10) وقد قامت صحيفة “فلسطين” بنقد مماثل،(11) كما قامت الصحف العربية بحملات مماثلة، وكانت تشدد على ضرورة التنبيه على الخطر الصهيوني.(12) وصَاحَبَ ذلك نشاط ثقافي مُنْذِر ومُحَذّر، كان للشعر دور فيه،(13) وقد لعبت الصحافة والثقافة هنا دورًا مشهودًا.

الثاني- خط العمل السياسي والنضالي:

ويتوزع هذا الخط على الميادين الآتية:

1 –  مطالبة الدولة العثمانية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المهاجرين الصهيونيين من التوطن والتملك، وكانت اتصالات القيادة الصهيونية بالدولة العثمانية -وخاصة بعد الحركة الدستورية – تثير مخاوف العرب؛ ولذلك أخذت برقيات الاحتجاج والتنبيه تتوالى على عاصمة السلطنة منذ 1900م. وجاء في مضبطة نشرتها “الكرمل” يوم 4/7/1913م وقّعتها غزة والقدس ويافا احتجاجًا على ما نشرته الصحف من عزم الحكومة على إعطاء 800 دونم لشركة الأصفر: “كتاب مفتوح إلى أمير المؤمنين وسلطان العثمانيين والصدر الأعظم وناظر الداخلية.. فتغلغل الشركات الصهيونية داخل هذه البلاد طولاً وعرضًا، لا تقلّ نتيجتها في المستقبل عن حرب البلقان..”(14).

2 –  إنشاء الجمعيات والأحزاب لتعبئة الشعب ضد المخاطر الصهيونية، ولبناء الحياة السياسية والاقتصادية بما يكفل القدرة على المقاومة، فأنشئت سنة 1909م “منظمة محلية مهمتها الحيلولة دون بيع الأراضي لليهود”(15)، وقامت سنة 1913م جمعية مكافحة الصهيونية في نابلس، وتأسست سنة 1914م الجمعيات التالية في القدس: “المَعِيّة الخيرية الإسلامية” و”جمعية الإخاء والعفاف”، و”شركة الاقتصاد الفلسطيني – العربي”. و”شركة التجارة الوطنية الاقتصادية”، وكان هدف هذه المؤسسات “الوقوف في وجه الأخطار الوشيكة التي تهدد أرض الوطن، وإنقاذ البلاد من الدمار”(16).

ونشأت مثل هذه الجمعيات في مدن فلسطين الأخرى، كما نشأت في بيروت والقاهرة والآستانة. وكان هدف “جمعية مكافحة الصهيونية” ما يلي:

أ  –  “معارضة الصهيونيين بكل الوسائل، سواء بإيقاظ الرأي العام وتوحيد وجهات النظر حول هذه النقطة، ونشر برنامج الجمعية بين كل أوساط الأمة العربية عامة، وفي سورية وفلسطين خاصة”.

ب –  “تأسيس فروع وجمعيات في كل مدن سوريا وفلسطين من أجل هذا الغرض وحده”.

جـ- “السعي لنشر الوحدة بين كل العناصر التي تتكون منها الأمة العربية”.

د  –  “تقديم مساعدات في الشؤون الاقتصادية والتجارية والزراعية، وتطوير المزارعين والفلاحين من أجل أن يكونوا قادرين على إنقاذ أنفسهم من أيدي الصهيونيين.

هـ- “إرسال ممثلين إلى كل ذوي العلاقة في هذه المسألة لوقف جدول الهجرة الصهيونية”.

وإذا كان هذا هو البرنامج الرسمي للجمعية، فإن “الإرهاب ضد المستوطنين اليهود في فلسطين جرى التفكير به في السر”.(17)

ولما كان خلق وعي قومي مطلوبًا عن طريق نشر العلم والثقافة، فقد أنشئ معهدان، هما: معهد الدستورية ومعهد الروضة.

3 –  خوض المعركة ضد الصهيونية: وذلك عبر مجلس “المبعوثان”، وقد اعتبر النواب المنتخبون عن مدن فلسطين هذا برنامجهم كما يظهر من محاضر مجلس “المبعوثان”. ويبرز هنا أسماء روحي الخالدي، وسعيد الحسيني(18).. وكان النواب يخوضون المعركة الانتخابية على هذا الأساس(19). وأَسْهَم في ذلك نواب عرب آخرون وعلى رأسهم الشهيد شكري العساي(20) – نائب دمشق -. ولقد أجبر النواب العرب في مجلس المبعوثان؛ رئيس الوزراء على أن يعلن “أنه لن يسمح لليهود باستيطان فلسطين”، كما أجبروا وزير الداخلية سنة 1911م “على أن يعلن معارضته للأهداف الصهيونية”.(21)

4 –  القيام بنشاطات متعددة الأشكال لمواجهة النشاط الصهيوني، وكان من ذلك:

أ  –  مهاجمة المستعمرات، وسرقة المواشي، وقطع الأغْرَاس، وإفلات المواشي على الحقول، وتهديم الأسوار.. لأن السكان العرب “اعتبروا اليهود أَلَدَّ أعدائهم”(22). وكانت هذه العمليات عمليات انتقامية يقوم بها الذين طُرِدُوا من أراضيهم، والفلاحون الساخطون الذين رأوا قيام قلاع تأسيسية للدولة الصهيونية بين ظَهْرَانيهم. وتزايدت النقمة الشعبية مع بداية الحرب بسبب تزايد النشاط الصهيوني، والتنازلات التي قدّمتها السلطات المركزية في الآستانة، وقاد ذلك إلى تزايد قتل المستوطنين، وانتشار عمليات القتل من الشمال إلى الأجزاء الأخرى.

ب –  القيام بتظاهرات شعبية مختلفة، وتوزيع نشرات معادية للصهيونية. وكانت محاكمات الصحف التي أوقفت بسبب مهاجمة الصهيونيين تتحول إلى شبه مظاهرات وطنية(23).

جـ- إنشاء أحزاب مثل الحزب الوطني العثماني سنة 1911م، وتشكيل جمعيات ولجان ذات طبيعة خاصة، كلجان منع بيع الأراضي، ولجان الإشراف على الموانئ، لضمان تطبيق القوانين الخاصة بالدخول(24).

وهكذا نرى أن حركة المقاومة كانت واسعة، وأنها تعددت في أشكالها وشملت ميادين مختلفة، من الصحافة إلى الغارات، ومع ذلك فإنها كانت خلال هذه المرحلة كلها لا تزال مقاومة شبه عفوية، وخاصة في ميدان المقاومة المسلحة. ولم تستطع هذه المقاومة أن توقف مدّ الهجرة، وأن تُظْهِر للحركة الصهيونية، وللصهيوني المهاجر أن تكلفة بناء متسوطنات في فلسطين عالية، وأن مواصلة الهجرة غير ممكنة.

——–

1- لم نتعرض في هذه الدراسة لتطور الحركة الصهيونية لضيق المجال ولأن الدراسة تتعلق بتطور المقاومة.

2- ناجي علوش: الحركة الوطنية، ص 89.

3-  د.أنيس صايغ: الهاشميون وقضية فلسطين، منشورات جريدة المحرر والمكتبة المصرية.

4- د. أنيس صايغ: الهاشميون وقضية فلسطين، منشورات جريدة المحرر والمكتبة المصرية، 1966، ص45.

5- د. أنيس صايغ، المرجع السابق. ص46.

6- د. أنيس صايغ، المرجع السابق، ص45.

7-  د. أسعد رزوق: إسرائيل الكبرى، دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت 1968، 150- 219.

8- د. أسعد رزوق، المرجع السابق، ص149 n 150.

9- د. خيرية قاسمية: المقاومة العربية الفلسطينية أواخر العهد العثماني، مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العدد ص55. ومحمد صالح المراكشي: تفكير محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار 1898 – 1935. الدار التونسية للنشر، تونس، المؤسسة الوطنية للكتاب -الجزائر 1985، ص187.

10- نجيب نصار “الكرمل” العدد 360، تاريخ 2/8/1913.

11- خيرية قاسمية، مرجع سابق.4

12- ناجي علوش، مرجع سابق، ص106.

13- الكوثر. غزة ربيع الثاني 1329، 1 نيسان/ أبريل 1911، ص433. – مرأة الغرب، 28آب/ أغسطس 1911، المؤتمر الصهيوني وآراء رئيسه – المؤيد، العدد 6142 ، 6شعبان 1328 و11 آب/ أغسطس 1910، مستقبل فلسطين – حمدي.

14- ناجي علوش، مرجع سابق، ص33.

15- نجيب نصار، “الكرمل” ، العدد 346 ، 4/7/1913.

16- ناجي علوش، مرجع سابق، ص98.

17- ناجي علوش، مرجع سابق، ص104.

18- Neville Mandel: Turks, Arabs and Jewish ,immigration into Palestine (1882 n 1914) P.P 102 – 103

19- عبد الحميد الزهراوي، صحيفة الحضارة.

20- د. خيرية قاسمية، مرجع سابق، ص58.

21- د. خيرية قاسمية، مرجع سابق. ص58

22- ناجي علوش، مرجع سابق، ص96-97.

23- ناجي علوش، مرجع سابق، ص96.

24- د. خيرية قاسمية، مرجع سابق، ص57

> مجلة قضايا دولية ع 261

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *