إياكم والحالقة!!


مـقـدمـة:

“إياكم والحالقة..” هذا التحذير بهذه الصيغة مقتبس من حديث المصطفى  : >إياكم والحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين: فساد ذات البين، {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}<..

> كما جاءت كلمة (حالقة) في حديث الزبير بن العوام أن النبي  قال: >ثم دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء. والبغضاء هي الحالقة. حالقة الدين، لا حالقة الشعر. والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم<.. في قوله  : >ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا :بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة<(رواه أبو داود).

لا ريب أن الشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة الَّتي يوغر بها صدور الخلق، لينفصلوا بعد اتحاد، ويتنافروا بعد اتفاق، ويتعادوا بعد أُخوَّة، وقد اهتمَّ الإسلام بمسألة احتمال وقوع الخلاف بين المؤمنين وأخذها بعين الاعتبار؛ وذلك لأن المؤمنين بَشَر يخطئون ويصيبون، ويعسر أن تتَّفق آراؤهم أو تتوحَّد اتجاهاتهم دائماً، ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف بدءاً من مرحلة المشاحنة والمجادلة، ومروراً بالهجر والتباعد، وانتهاءً بمرحلة الاعتداء والقتال، والإسلام دين يتشوّف إلى الصُلح ويسعى له وينادي إليه، وليس ثمة خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة يُصلح فيها العبد بين اثنين ويُقرب فيها بين قلبين، فبالإصلاح تكون الطمأنينة والهدوء والاستقرار والأمن وتتفجر ينابيع الألفة والمحبة..

لذلك كانت وصية الحق تبارك وتعالى لعباده المؤمنين {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}، ومعنى ذات البين: صاحبة البين، و>البين< في كلام العرب يأتي على وجهين متضادين:

> الفراق والفرقة: ومعناه إصلاح صاحبة الفرقة بين المسلمين بإزالة أسباب الخصام والحث على التسامح والعفو، وبهذا الإصلاح يذهب البين وتنحل عقدة الفرقة..

> الوصل: ومعناه إصلاح صاحبة الوصل والتحابب والتآلف بين المسلمين، وإصلاحها يكون برأب ما تصدع منها وإزالة الفساد الذي دبّ إليها بسبب الخصام والتنازع على أمر من أمور الدنيا”

رذيلة فساد ذات البين

فساد ذات البين يؤدي -على الاحتمال الأقل- إلى الهجران، ويؤدي إلى أن يهجر كل منا أخاه فإذا ما هجر واحد منا أخاه فاسمعوا ما يقول عنه  :>لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام<(البخاري).. وفي حديث آخر: >من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه!<(سنن أبي داود)..

أيها الأحبة، إلى متى ستظل رذيلة فساد ذات البين قائمة بيننا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأعراق والمجتمعات؟ إلى متى؟! لنفكر في هذا ملياً، نبينا محمد   أوحي إليه أن المهمة التي وكلت إلينا هي الصلاح والإصلاح لأن ربنا سبحانه وتعالى يقول لنا: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}، {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} فالإصلاح بين المؤمنين على أساس مستلهم من شريعتنا وديننا، وقد ورد في البخاري أيضاً أن نبينا  كان مرة مع أصحابه فسمع أن أهل قباء تراموا فيما بينهم بالحجارة، فقال النبي  : >اذهبوا بنا نصلح بين إخواننا<..

لا شك أن فساد ذات البين تنتقل بالمخاصمين إلى تتبع سلسلة من الأعمال تهوي بهم إلى الهلاك، فمن غيبة ونميمة وتجسس إلى كيد وتخطيط بالسوء، ومن مشاحنات متبادلة إلى انشغال بالآثام وإهدار للوقت في القيل والقال وتتبع السقطات والعورات.. وهذا لعمري يؤول بالطرفين إلى القضاء على كل معالم التدين الذي يدّعونه للأسف.. وهذه هي الحالقة!!.. حالقة الدين.. تحلق كل شيء.. تأتي على كل شيء.. وتشطب رصيد كل الأعمال الخيرة ولا تُبقي إلا على الفاسد منها.. وهذا ما أشار إليه الرسول   حين قال: >أتدرون من المفلس؟<، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.. فقال  : >إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار<..

هذا هو الإفلاس الحقيقي، وهذه هي الحالقة بالفعل.. والمتديّن الذي يباشرُ بعضَ العبادات ويبقى بعدَها بادي الشرِ كالحَ الوجه قريبَ العدوان، يسعى إلى إفساد ذات البين، كيف يُحسبُ امرءاً تقيا؟ ولهذا كان سبيل الإصلاح هو الطريق الأصوب لعلاج هذه المعضلة، والإحالة بينها وبين حلق الأعمال..

أهمية الإصلاح بين الناس

إن الإصلاح بين الناس عبادة عظيمة يحبها الله سبحانه وتعالى، فالمصلـح هو ذلك الذي يبذل جهده وماله ويبذل جاهه ليصلح بين المتخاصمين، فهو من أحسن الناس قلوباً، يُحب الخير وتشتاق إليه، يبذل ماله ووقته، ويحمل هموم إخوانه ليصلح بينهم..

كم من بيت كاد أن يتهدّم بسبب خلاف بسيط بين الزوج وزوجه وكاد الطلاق يفتك بشمل الأسرة فإذا بهذا المصلح بكلمة طيبة ونصيحة غالية ومال مبذول يعيد المياه إلى مجاريها، ويصلح بينهما..

كم من قطيعة كادت أن تكون بين أخوين أو صديقين أو قريبين بسبب زلة لسان أو هفوة.. وإذا بهذا المصلح يرقّع خرق الفتنة ويصلح بينهما..

كم عصم الله تعالى بالمصلحين من دماء وأموال.. وفتن شيطانية.. كادت أن تشتعل لولا فضل الله سبحانه ثم بجهود المصلحين.. فهنيئـاً لمـن وفقـه الله للإصلاح بين متخاصمين أو زوجين أو جارين أو صديقين أو شريكين أو طائفتين..

فانظر إلى أهمية الإصلاح تتجلى لك بوضوح.. فهو عبادة جليلة وخلق جميل يحبه الله عز وجل ورسوله ، وهو خير كله {والصلح خير}(النساء : 128)، يقول  :>كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم يعدل بين الناس صدقة<(رواه البخاري) قال أنس ] “من أصلح بين اثنين أعطـاه الله بكل كلمة عتق رقبة”، وبالإصلاح تكون الأمة وحدة متماسكة، وبه يصلح المجتمع وتأتلف القلوب وتجتمع الكلمة وينبذ الخلاف وتزرع المحبة والمودة، وهو عنوان الإيمان في الإخوان {إِنَّمَا المومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}(الحجرات :10).. وإذا فقد الإصلاح هلكت الشعوب والأمم وفسدت البيوت والأسر وتبددت الثروات وانتهكت الحرمات وعم الشر القريب والبعيد.. وقال  : >ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن<..

ومن عظيم بركة الرب وعفوه ورحمته أنه يصلح بين المؤمنين يوم القيامة، عن أنس بن مالك ] قال: بينا رسول الله   جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: >رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تبارك وتعالى للطالب: فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب فليحمل من أوزاري.. قال: وفاضت عينا رسول الله  بالبكاء ثم قال: إن ذاك اليوم يحتاج الناس إلى من يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من ذهب وقصور من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ أو لأي صديق هذا؟ أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن! قال: يا رب ومن يملك ذلك؟! قال: أنت تملكه! قال: بماذا!؟ قال: بعفوك عن أخيك.. قال: يا رب فإنى قد عفوت عنه! قال الله عز وجل: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة.. فتلى رسول الله   عند ذلك قوله تعالى: {اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}<(رواه الحاكم)..

و الله تعالى لا يحب من يبيت وبينه وبينه أخيه المسلم شحناء، يقول  : >تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أَنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا<(رواه مسلم).

وتأتي أهمية الإصلاح في كونه يدخل ميادين عدة، حيث يمكن للمصلح أن يجني فضل الإصلاح بين الناس في ميادين كثيرة داخل المجتمع،  في الأفراد والجماعات، في الأزواج والزوجات، بين المتداينين، في القبائل والطوائف، في الأموال والدماء، في النزاع والخصومات، بين الدول والشعوب…

فقه الإصلاح وشروط المصلح

ولكي تؤدي هذه العملية دورها المطلوب يجب على المصلح أن يكون صالحا، فعليه أن يُحصّل فقه هذا الإصلاح، وأن يتأدب بآداب الإصلاح ومن أعظمها:

> استحضار النية الصالحة وابتغاء مرضاة الرب جل وعلا {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله نوتيه أجرا عظيما}(النساء : 114).

> تجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية فهي مما يعيق التوفيق في تحقيق الهدف المنشود.

> لزوم العدل والتقوى في الصلح، لأن الصلح إذا صدر عن رجل صالح معروف بالعدل، أو عن هيئة اجتماعية معروفة بالعدالة والتَّقوى، وجب على الجميع الالتزام به والتقيُّد بأحكامه إذعاناً للحقِّ وإرضاءً للضمائر الحيَّة {فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا}(الحجرات : 9)، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله في تعريف (أعدل الصلح): “فالصلح الجائز بين المسلمين يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدا العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم”(أعلام الموقعين).

> أن يكون المصلح عاقلا حكيما منصفاً في إيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه مدركا للأمور متمتعا بسعة الصدر وبُعد النظر مضيقا شقَّة الخلاف والعداوة، محلا المحبَّة والسلام.

> سلوك مسلك السر والنجوى، ولئن كان كثير من النجوى مذموماً إلا أنه في هذا الموطن محمود، {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ الاَّ مَنْ امَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ اصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}(النساء:114).

> الحذر من فشو الأحاديث وتسرب الأخبار والتشويش على الفهوم مما يفسد الأمور المبرمة والاتفاقيات الخيرة، لأن من الناس من يتأذى من نشر مشاكله أمام الناس، وكلما ضاق نطاق الخلاف كان من السهل القضاء عليه..

> اختيار الوقت المناسب للصلح بين المتخاصمين حتى يؤتي الصلح ثماره ويكون أوقع في النفوس.

> أن يكون الصلح مبنيا على علم شرعي يخرج المتخاصمين من الشقاق إلى الألفة ومن البغضاء إلى المحبة.

> التلطف في العبارة واختيار أحسن الكلام في الصلح، حيث نجد أنه لما جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ وفيه دليل على الاستعطاف بذكر القرابة، ولذلك قال بعض السلف:”أكْسِ ألفاظك أحسنها”.. ولا بأس ببعض الكذب الذي يهدف من خلاله إلى جمع شمل المتخاصمين كأن يقول المصلح “إن أخاك يذكرك بخير” أو يقول:”لم يقل فيك إلا خيرا” وقس على هذا.. يقول رسول الله  : >لَيْسَ الْكَذابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا<(رواه البخاري)..

> استحباب الرفق في الصلح وترك المعاتبة إبقاء للمودة، لأن العتاب يجلب الحقد ويوغر الصدور، وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري:”رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن!”..

> ابدأ بالجلسات الفردية بين المتخاصمين لتليين قلبيهما إلى قبول الصلح، مع الثناء على لسان أحدهما للآخر.

> وأخيرا.. الدعاء، بأن يجعل الله التوفيق حليفك وأن يسهل لك ما أقدمت عليه مع البراءة إليه سبحانه من قوتك وقدرتك وذكائك وإظهار العجز والشدة والحاجة إليه للتأييد والتوفيق..

واجبنا اتجاه المصلح

علينا ونحن نريد أن يعم الإصلاح بين أفراد أمتنا، أن نقدر صنيع المصلح وندعم عمله وأن نفتح له أبوابنا وقلوبنا وأن ندعو له وأن نقول له: جزاك الله عنا خيرا.. ثم بعد ذلك نكون أسهل في يده.. ليّنين إذا طلب منا طلباً، أو طلب منا أن نتنازل عن شي فعلنا ذلك راضين..

أيها المتخاصمون! تذكروا الموت.. كم من ميّت الآن في قبره، ربما وضعه فيه أحب الناس إليه!!.. وقد كان بينه وبين هذا خصومة فإذا ما تذكر موته وإذا ما تذكر تلك الحياة التي بينهما ندم حيث لا ينفع الندم!!

فاتقوا الله.. وأصلحوا ذات بينكم.. ابتعدوا عن مفاسد الدنيا كلها.. لماذا تهجر إخوانك يا عبد الله؟ .. ألأجل مال أو من أجل قطعة أرض أو من أجل أمور دنيويـة لا خير فيها ؟!!.. تنبّه لذلك يا عبد الله.. وعليك أن ترجع المياه إلى مجاريها.. وأن تصلح بين إخوانك وبين أحبابك..

اللهم أصلح ذات بيننا، وأذهب البغضاء الغل والحسد من بيننا، اللهم طهر قلوبنا من الغل والحسد والغش.. اللهم أصلح بيننا وبين أقاربنا.. اللهم أصلح بيننا وبين أحبابنا..

> مقتبس من محاضرة ألقيت بمسجد الهداية بمدينة أزرو- إقليم إفران

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *