أهمية الزكاة في الإسلام والحكمة من مشروعيتها


تحتل الزكاة في الإسلام مكانة رفيعة ومنزلة سامية، ومرتبة متقدمة، فهي ركن من أركانه الأساسية، وشعيرة من شعائره الدينية الكبرى، وفريضة من فرائضه المؤكدة المعلومة من الدين بالضرورة، وهي قرينة الصلاة في القرآن الكريم والحديث الشريف في عشرات الآيات والأحاديث النبوية الشريفة جاحدها ومُنكرها مرتد كافر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه ورثته المسلمون. ومانعها بخلا وشحا أو تهاونا يقاتل عليها حتى يؤديها وتؤخذ منه طوعا أو كرها، كما قال أبو بكر الصديق ] : >والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله  لقاتلتهم عليها<(البخاري بشرح الفتح 262/3).

وهي بعد هذا كله تشكل أهم دعامة من دعائم الإسلام الاقتصادية الكبرى، وتُكوّن موردا من موارده المالية التي لا تنضب على مر السنين والأعوام، ووسيلة من وسائله الناجحة لتحقيق التضامن  الاجتماعي والتكافل الإجباري بين أفراده، ورحمة من رحماته تعالى إلى عباده المؤمنين.

شرعها الله تعالى رحمة بعباده لحِكم بالغة، وأهداف سامية، ومصالح كثيرة، ومنافع لا تعد ولا تحصى، ولا يحيط بها إلا الله تعالى من أهمها ما أشار إليه قوله تعالى في سورة التوبة : {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم}(الآية 103).

الحكمة من مشروعية الزكاة

فالحكمة من مشروعيتها إذاً هي :

أولا : تطهر نفوس الأغنياء وأرباب الأموال والثروات من البخل والشح والحرص، وتطهر قلوبهم من الجشع والأنانية وحب المال والأثرة والاستبداد بالمال والثروة.

وثانيا : تطهرهم من الذنوب والآثام، وتكفر عنهم ما اكتسبوه من المعاصي والسيئات كما قال تعالى : {إن تبدوا الصدقات فنِعِمّا هي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم}(البقرة : 271).

وفي صحيح البخاري أنه  قال : >فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والـــمعروف<(البخاري بشرح الفتح 301/3).

وثالثا : تطهر الأموال المزكاة من حقوق الله وحقوق العباد وتطيبها لأهلها، كما قال  : >إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم<.

وعن ابن عمر  رضي الله عنهما في قوله تعالى : {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} أنه قال : >إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت الزكاة جعلها الله طهرا للأموال<(البخاري بشرح الفتح/3 ).

ورابعا : تطهر  المجتمع الإسلامي ماديا من الفقر والبؤس والحرمان والتسول، وتطهره نفسيا من البغض والحقد والحسد والكراهية، وتطهره أخيرا من صراع الطبقات وما يترتب على ذلك من المآسي والآفات.

وخامسا : شرعها الله تعالى للتزكية، تزكي أنفس الأغنياء وقلوبهم، كما تزكي أموالهم، وثرواتهم ومجتمعاتهم، الكل يزكو بالزكاة، فالمزكي يسمو بزكاته  عند ربه، وفي أعين مجتمعه، وماله وثرواته تزكو وتنمو وتتكاثر وزكاته التي يخرجها تكفل الله بإخلافها في الدنيا، وتضعيفها له في الآخرة أضعافا مضاعفة، حين لا ينفع مال ولا بنون مصداقا لقوله تعالى : {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين}(سبإ : 31) وقوله : {يمحق الله الربا ويربي الصدقات}(البقرة : 276) وقوله : {وما آ تيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}(الروم : 39).

وفي صحيح البخاري أنه  قال : >من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلُوه حتى تكون مثل الجبل<(البخاري بشرح الفتح 271/3).

وسادسا : شرعها الله تعالى امتحانا لعباده واختبارا لصدقهم في إسلامهم وصحة إيمانهم وثقتهم في وعد ربهم، كما قال  : >والصدقة برهان<(رواه مسلم) يعني برهانا على صحة إسلام مخرجها وإيمان باذلها وثقته بوعده تعالى في قوله تعالى : {الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا}(البقرة : 268) وفي سنن أبي داود أنه  قال : ِ>ثلاث من فعلهن طعِم الإيمان، من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رادفة عليه كل عام<.

وسابعا : شرعها الله تعالى طريقا معبدا لدخول الجنة والنجاة من النار، كما جاء في حديث البخاري أن أعرابيا أتى النبي  فقال  : >دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان، قال : والذي نفسي بيده لا أزيد  على هذا، فلما ولى قال النبي  : >من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا<(البخاري بشرح الفتح 261/3). ولهذا خصها الله تعالى با لمسلمين الصادقين ولم يفرضها على الكافرين والمشركين، ولم يقبلها الرسول  ولا خلفاؤه الراشدون من ثعلبة بن حاطب المنافق حين انكشف أمره، وأعلن عن نفاقه، وقال حين طلبت منه الزكاة : إن هي إلا أخت الجزية. ولهذا لم يقبلها عمر ] من نصارى بني تغلب حين عرضوا عليه أن يؤدوا الزكاة مضاعفة، ولا يعطوا الجزية، ولم يقبلها منهم إلا عندما خاف من التحاقهم بدار الكفر، وعزموا على الرحيل إلى بلاد الروم.

وثامنا : شرعها الله تعالى وجعلها وقاية للمال المزكى من الضياع والتلف، وأمانا له من الآفات والكوارث كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله  يقول : >ما خالطت المال الزكاة إلا أهلكته<، وفي رواية زيادة قال : >يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيُهلِك الحرام الحلال<.

وأخيرا : وباختصار شرعها الله لسد خلة المسلمين ونصرة دينه وترسيخ مبدأ التضامن والتكافل بين أفراده، وتقوية أواصر الأخوة والمحبة بين الأغنياء والفقراء بين دافعي الزكاة وآخذيها لتحقيق السلم الاجتماعي والأمن الوطني الذي يشكل أغلى الأماني.

هذه بعض الحكم لمشروعية  الزكاة، وهي من شأنها أن تقنع الأغنياء بالأهمية الدينية للزكاة ودورها الإيجابي وتدفعهم إلى الترحاب بها والاستجابة لها وأداء هذه الفريضة التي تطهرهم وتطهر أموالهم ومجتمعهم وتزكي نفوسهم وتسد خلة إخوانهم وتنصر دينهم وتحقق التكافل الا جتماعي بينهم وتصون وحدتهم.

الحكمة  مـن تحديد  مصارف  الـزكاة

وتحديد الـمستحقين لـها

وأما الحكمة من تحديد مصارفها وحصرها في الثمانية المذكورين في قوله تعالى : {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}(التوبة : 60) فإن هذا التوزيع من العليم الحكيم له حِكَم أخرى سامية في أهدافها، نبيلة في مقاصدها ومراميها، شريفة في غاياتها كثيرة المصالح والمنافع لمستحقيها والمجتمع.

وهكذا نجد السهم الأول والثاني مخصصين للفقراء والمساكين، وهما معا يشكلان ما يمكن تسميته بصندوق محاربة الفقر، ومساعدة المحتاجين يستفيد منه كل محتاج لا يملك شيئا، أو يملك مالا يكفيه لحاجته، وحاجة أهله، وعياله ممن تلزمه نفقتهم لسنة كاملة، سواء في ذلك الأرامل واليتامى والعجزة والعاطلون الذين لا يجدون عملا أصلا، أو لا يكفيهم راتبهم.

يعطى كل واحد منهم ما يكفيه ويغنيه، لضمان العيش الكريم له ولمن تلزمه نفقته لسنة كاملة، موعد الزكاة القادمة. وهكذا دواليك، كل سنة يعطى ما يكفيه ويغنيه لسنة جديدة. فهو راتب سنوي يتقاضاه كل محتاج فقير أو مسكين عاجز عن العمل، أو قادر عليه ولا يجده، أو لا يكفيه مردود عمله، وما يتقاضاه من أجرته وراتبه.

وهذا يشكل سبقا إسلاميا في ضمان توفير معاش محترم للعاجزين والعاطلين عن العمل قبل أن يهتدي إليه الغرب أو يقتبسه منه ويطوره.

وأما السهم الثالث وهو سهم العاملين عليها فهو مصرف لا يمكن الاستغناء عنه وهو يوفر ميزانية قارة للتشغيل ويوفر فرصا دائمة ومتجددة لا يستهان بها للقائمين على صندوق الزكاة، من سعاة وجباة وحراس ومحاسبين وموزعين، وغيرهم ممن يحتاج إليهم من الأطر والعمال في جمع الزكوات، وضبطها و توزيعها على مستحقيها ونقلها إليهم إن اقتضى الحال ذلك.

والسهم الرابع سهم المؤلفة قلوبهم، والحكمة من إعطائهم من الزكاة رغم غناهم وعدم احتياجهم هي خدمة الإسلام والعمل على نشره في أوساط غير المسلمين وترسيخه في قلوب حديثي العهد بالإسلام بوسائل سلمية لا إكراه فيها ولا قتال، وهو دور يكمل دور الجهاد ومهمة الدعاة إلى الله، والمستفيد منه طائفتان :

1- كفار يرجى اسلامهم أو يخشى شرهم، فيعطون من الزكاة ترغيبا لهم في الإسلام وتشجيعا لهم على اعتناقه استنقاذا لهم من الكفر وسوء المصير من جهة، واستعانة بعددهم وعدتهم ووقاية من شرهم ومكرهم وكيدهم للإسلام إذا لم يعطوا، كما قال تعالى : {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون}(التوبة : 58).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوما كانوا ياتون النبي  فإن أعطاهم مدحوا الإسلام، وقالوا : هذا دين حسن، وإن منعوا ذموا وعابوا (المغني 428/6).

وقد أعطى رسول الله  صفوان بن أمية واديا من النعم في غزوة حنين وهو كافر مشرك، فقال : إن هذا  عطاء من لا يخشى الفقر وأسلم وحسن إسلامه وكان من سادات قريش.

2- مسلمون حديثوا العهد بالإسلام لم يتمكن الإيمان في قلوبهم فيعطون من الزكاة وإن كانوا أغنياء لتقوية إيمانهم وترسيخه في قلوبهم وتحبيبه إلى نفوسهم وتأليفهم عليه، وقد أعطى رسول الله  أموالا طائلة من غنائم حنين للطلقاء من أهل مكة وبعض سادة العرب، فلم  يعجب الأنصار ذلك فقال لهم الرسول  : >يا معشر الأنصار على مََ تأْسون؟ على لعاعة من الدنيا تألفت بها قو ما لا إيمان لهم، ووكلتكم إلى إيمانكم<.

والسهم الخامس سهم في الرقاب، وهو سهم يشكل ميزانية قارة ودائمة لتحرير الإنسان من مهانة الرق والاستعباد. وذل الأسر والاضطهاد وهو أسلوب فريد في نوعه وأهدافه، يشكل سبقا إسلاميا آخر في عصر كان الرق فيه سائدا في كل المجتمعات معترفا به في كل الديانات مرحبا به مقبولا من طرف الجميع حتى العبيد أنفسهم لا يفكر أحد في القضاء عليه أو الحد من انتشاره أو التخلص منه ممن ابتلوا به، حتى فاجأ الإسلام العالم بهذا التشريع وغيره من التشريعات الهادفة إلى الحد منه وإغلاق منافذه، وفتح أبواب الحرية في وجه العبيد على اختلاف شرائحهم يستفيد مــن هذه الميزانية ثلاث طوائف :

1- العبيد يشترون من أموال الزكاة ويحررون على أن يكون ولاؤهم لبيت مال المسلمين.

2- المكاتبون يعانون في أداء كتابتهم للتخلص من الرق الذي يعانون منه.

3- أسرى المسلمين الذين يقعون أسرى في أيدي الكفار فإنهم يفدون من الزكاة، استنقاذا لهم من الأسر والاضطهاد من جهة، وتشجيعا لهم وللمجاهدين على الجهاد والدفاع عن دينهم وعقيدتهم وأوطانهم من جهة ثانية، وإعلانا للضمانات المقدمة لهم بأن الدين الإسلامي الذي يدافعون عنه ويجاهدون في سبيله يقف إلى جانبهم ولا يتخلى عنهم إذا أسروا ويضمن فداءهم من أموال الزكاة حتى لا تمس أموالهم التي تركوها وراءهم بأي سوء.

والسهم السادس سهم الغارمين وهو سهم يشكل سبقا آخر للإسلام، فريدا في دوره ومهامه فهو بمثابة صندوق احتياطي دائم لضمان الديون وتأمينها مجانا ودون مقابل، وبقوة الشرع لا يحتاج المدين إلى استعطاف أحد أو إرشائه ليضمنه، ولا لإبرام أي اتفاق مع مؤسسة أو شركة تأمين، على عكس ا لأنظمة الرأسمالية المعمول بها في مجال التأمينات التي تثقل كاهل المدينين المرهقين بالديون وتحملهم أقساطاً إضافية مقابل تأمينهم، والمستفيد من هذا السهم مباشرة وبالأصالة :

1- المدينون العاجزون عن الوفاء بديونهم  التي استدانوها في غير معصية ولا سرف، وحتى التي استدانوها في المعاصي إذا تابوا منها وعادوا إلى رشدهم، فيعطون من الزكاة ما يؤدون به ديونهم ليتحرروا من أعبائها، ويستانفوا نشاطهم المالي والتجاري بذمة جديدة بريئة من الديون، وتؤهلهم للاندماج بسهولة ويسر في الدورة الاقتصادية بأهلية كاملة وحرية تامة.

وتحميهم من المتابعات القضائية وما يمكن أن يلحقهم بسبب ذلك من متاعب ومشاكل لولا هذه العناية الإلهية المتمثلة في ضمان ديونهم وتخفيف العبء عنهم بقضائها من الزكاة.

2- المدينون الذين ماتوا ولم يخلفوا وراءهم ما يفي بديونهم فتقضي عنهم ديونهم من الزكاة كما قال  : >أنا أولى بكل مومن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي<.

3- الغارمون الذين يتدخلون لإطفاء فتنة قائمة وإصلاح ذات البين بين المتقاتلين ويتحملون غرم ما تلف من أموال، ودفع ديات من قُتِل من أشخاص، فيعطون من الزكاة ما يؤدون به ما التزموه وتحملوه من أموال وديات ولو كانوا أغنياء، كما فعل رسول الله  حين أدى دية رجل من الأنصار وجد مقتولا، فأدى ديته من الزكاة.

وكما فعل مع قبيصة حين أعطاه ما تحمله لإصلاح بين متقاتلين، ففي حديث مسلم وغيره عن قبيصة ] أنه قال : >تحملت حمالة فأتيت النبي  وسألته فيها فقال : أقم يا قبيصة حتى تاتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاث : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك.

4- المدينون الذين أحاط الدين بمالهم، ويخشى عليهم إذا باعوا أصولهم لقضاء ديونهم أن يتعرضوا للضياع فيعطون من الزكاة ما يقضون به ديونهم ولا يلزمون بيع أملاكهم، يقول القرطبي رحمه الله ويعطي منها من له مال وعليه دين محيط به ما يقضي به دينه، ويقول الباجي : ويجب أن يكون هذا الغارم على هذا الوجه ممن تنجبر حاله بأخذ الزكاة، ويتغير بتركها، وذلك بأن يكون ممن له أصول يستغلها ويعتمد عليها فيركبه دين يُلجئه إلى بيعها ويعلم أنه إذا باعها خرج عن حاله فهذا يؤدى دينه من الزكاة (المنتقى 154/2) وقد احتج القرطبي لما قاله بحديث مسلم،  عن أبي سعيد الخدري ] قال : أصيب رجل في عهد رسول الله  في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال  : تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله  لغرمائه : خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك<(الجامع لأحكام القرآن 117/8).

إلا أنه رغم وجاهة هذا الرأي وما فيه من مصلحة لهؤلاء المدينين في قضاء ديونهم وابقاء أملاكهم فإن مشهور الفقه المالكي ومن وافقه لا يرون إعطاء الغريم من الزكاة حتى يعطي ما عنده للغرماء ولا يفي ذلك بدينه فيقضى عنه الباقي لعجزه عنه، ويعطى من الزكاة حينئذ بوصف فقره وقالوا لو كان عنده عشرون دينارا وعليه أربعون دينارا دينا فإنه لا يعطى من الزكاة حتى يعطي ما بيده من العشرين، فإذا أعطاها أعطي من الزكاة حينئذ بوصفه غارما ما يقضي به بقية دينه، ويعطى بوصفه فقيرا ما يكفيه لسنة كاملة إسوة بأمثاله من الفقراء.

5-  ويستفيد من سهم الغارمين بالتبع أرباب الديون باستخلاص حقوقهم وديونهم كا ملة غير منقوصة بطريق مضمونة ميسرة لا التواء فيها.

ولاشك أن هذا كله من شأنه أن يشجع.

أولا أصحاب رؤوس الأموال على إقراض أموالهم المحتاجين ومداينتهم في المعاملات التجارية و هم مطمئنون على أموالهم، واثقون من عودتها إليهم في جميع الأحوال والظروف، عاش المدين أو مات. أفلس أو استغنى، من غير حاجة إلى إلجاء المعدمين إلى تقديم ضمانات الديون مسبقا التي قد يكونون عاجزين عنها، فيحرمون من المعاملة والمداينة ويتعرضون للبطالة والتشرد وإهدار الكفاءات وحرمان الأمة من خيرة أبنائها وخبرتهم ونشاطهم.

وثانيا من شأن هذه الضمانات تشجيع المحسنين والمصلحين وذوي النوايا الطيبة على التدخل السريع لإخماد الفتن وإطفاء نارها وإصلاح ذات البين والالتزام بتحمل تكاليف وآثار الاقتتال وهم مطمئنون على أموالهم عالمون أن جميع ما يتحملونه من حقوق وواجبات تقضى من أموال الزكاة ويبقى لهم الفضل والأجر والثواب الموعود بهما على لسان رسول الله  في قوله : >ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا : بلى قال : اصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة<(رواه أبو داود 280/4).

وثالثا تشجع ذوي الكفاءات وأصحاب المشاريع المختلفة المحرومين من رؤوس الأموال على المشاركة في الحياة الاقتصادية والمعاملات التجارية وتحمل الاستدانة المشروعة في سبيل ذلك : وعدم التخوف من الإفلاس أو العجز عن سداد الديون ماداموا يعلمون مسبقا أن صندوق الغارمين يقف إلى جانبهم ومن ورائهم مستعدا لقضاء ما عجزوا عنه من ديونهم. دون من ولا أذى ودون مقابل قليل أو كثير، وفي ذلك تحريك لعجلة الاقتصاد وتوفير فرص الشغل للراغبين في العمل.

والسهم السابع أو المصرف السابع هو مصرف في سبيل الله والمستفيد منه المجاهدون والمرابطون حماة الإسلام والمدافعون عنه و المضحون بأرواحهم في سبيل نصرته ونشره، وهم أحق الناس وأولاهم بالمساعدة المادية وتوفير كل ما يحتاجون إليه من عدة وعتاد وحصون وقلاع ومراكب وذخائر بما في ذلك الأسلحة المتطورة التي تضمن لهم النصر وتقيهم شر الهزائم وتحافظ على كرامتهم واستقلالهم، فلا غرابة إذا خصص الإسلام لهؤلاء المجاهدين سهما من سهام الزكاة، ولا غرابة أيضا إذا ذهب الفقه المالكي إلى جواز صرف الزكاة كلها للجهاد والرباط وحرمان الأصناف الباقين إذا اقتضى الأمر ذلك، فإن الجهاد سنام الإسلام كما قال ، والرباط أحد الجهادين : جهاد الدفاع وحراسة الحدود، وكلاهما يحتاج إلى مورد مالي قار ودائم لضمان دوامهما واستمرارهما مصداقا لقوله  : >الجهاد ماض إلى يوم القيامة<.

وآخر السهام والمستحقين هو ابن السبيل والحكمة من إعطائه الزكاة هو فتح أبواب السفر في وجه كل من يريد السفر لغرض شريف وهدف نبيل، والتشجيع على الأسفار المشروعة والرحلات المباحة وتأمين نجاحها بتوفير الاعتمادات المالية الضرورية لمساعدة المسافرين والأخذ بأيديهم في غربتهم وتقديم العون إليهم عند الحاجة وإغنائهم عن التسلف وذل التسول حفاظا على كرامتهم.

والغرض من التشجيع على هذه الأسفار والرحلات ليس حبا فيها بل هو تحقيق الأغراض الشريفة والأهداف النبيلة المسافر لها والتي من شأنها أن تعود على الأمة بالبركة والخير العميم دينا ودنيا، مثل السفر للجهاد والرباط وطلب العلم والتجارة والحج والعمرة وطلب الرزق الحلال وصلة الرحم وزيارة الأصدقاء والفرار من الظلم والاضطهاد وغير ذلك من الأغراض النافعة للفرد والأمة فإنه جديرة بالتشجيع وانفاق المال في سبيلها، ولهذا يعطى المسافر من أجلها وفي سبيلها ولو كان غنيا في غربته وفي بلده عند جماعة من العلماء لعموم قوله تعالى : {وابن السبيل} فإنه شامل للغني والفقير للقاعدة الأصولية أن المفرد المضاف إلى معرفة يعم، ولأن عطفه على الفقراء والمساكين يقتضي أن ابن السبيل يعطى بوصفه ابن السبيل، ولو كان غنيا لأن العطف يقتضي المغايرة ولأنه يستحق الأخذ بصفته ابن السبيل وهي موجودة في حال غناه، وقياسا له على المجاهد فإنه يعطى ولو كان غنيا.

وفي رواية عن مالك أنه لا يعطى إذا كان معه ما يكفيه أو كان غنيا في بلده ووجد من يسلفه لقوله  : >لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني<(رواه مالك الموطأ بشرح المنتقى 151/2) فإن هذا الحديث يدل بمفهومه أن المسافر الغني لا تحل له الصدقة لعدم ذكره مع الأغنياء الذين تحمل لهم الصدقة.

كما أن المسافر في معصية لقطع طريق أو سرقة مال أو قتل نفس أو انتهاك عرض أو تجارة محرمة لا يعطى من الزكاة شيئا ولو خاف على نفسه الهلاك إلا أن يتوب، لأن المعاصي من حيث هي تجب محاربتها والقضاء عليها، وإعطاء المال من الزكاة للعاصي بسفره تشجيع له على المعصية وإعانة له عليها يتناقض مـــع قوله تعـالى : {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}(المائدة : 2).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>