مـقـامة جـهـادية في حث أهل غزة على الجهاد. زمن الحروب الصليبية (مقامة أدبية في نصرة أهل غزة وغيرها من البلدان الإسلامية المُعتدى عليها)


جمعت هذه المقامة مع زيادة وحذف وترتيب وتقديم وتأخير يقتضيه السياق من كتاب ” مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق” لابن النحاس الدمياطي الشافعي -رحمه الله- المتوفى سنة (814هـ) وكتاب “العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة” لمحمد صديق حسن خان القنوجي الهندي -رحمه الله- المتوفى (1307هـ).

قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة : 11) وقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ َأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}(آل عمران :169- 171) حدثنا أبو عبدالله شيخ المجاهدين، قال: بينما أنا في ريعان شبابي في تطواف ورحلة، أطلب العلم من محلة إلى محلة، حل بي النوى في مسجد الجامع بغزة، وهي من ثغور الجهاد والعزة، فدخلت بقصد الإتيان بالصلاة، قبل خروج الوقت والفوات، إذ أنا برجل طويل القامة، قد لف على رأسه عمامة، والناس من حوله مجتمعين، قد أخذتهم فصاحته وقوله المبين، فاقتربت منه اقتراب المُنصت السامع، بعد أن زاحمت الناس حولي في الجامع، فسمعته يقول بصوت جهوري مليح، وقد أمسك بسيف مذهب وهو يصيح:

يا معشر المسلمين: ا علموا أيها الراغبين عما افترض عليكم من الجهاد، الناكبين عن سنن التوفيق والسداد، إنكم قد تعرضتم للطرد والإبعاد، وحُرمتم والله الإسعاد ونيل المراد، فليت شعري هل سبب إحجامكم عن القتال، واقتحامكم معارك الأبطال، وبخلكم في سبيل الله بالنفس والمال، إلاَّ طول الآمال، أو خوف هجوم الآجال، أو فراق محبوب من الأهل والأموال، أو ولد وخدم وعيال، أو أخ لكم شقيق، أو قريب عليكم شفيق، أو جار كريم، أو صديق حميم، أو زيادة من صالح الأعمال، أو حب الزوجات ذات الحسن والجمال، أو جاه منيع، أو منصب رفيع، أو قصر مشيد، أو ظل مديد، أو ملبس بهي، أو مأكل هني؟!

نعم والله ليس غير هذا يقعدكم عن الجهاد، ولا شيء سواه يبعدكم عن رب العباد، وتالله ما هذا منكم أيها الإخوان بجميل، فاسمعوا قول الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}، فأصغوا لما أملي عليكم من الحجج القاطعة، واسمعوا إلى ما ألقي عليكم من البراهين الساطعة، لتعلموا أنه ما يقعدكم عن الجهاد سوى الحرمان، وليس لتأخركم سبب إلا النفس والشيطان، أما سكونكم إلى طول الأمل، وخوفكم هجوم الأجل، والاحتراز من الموت الذي لابد من نزوله، والإشفاق من الطريق الذي لابد من سلوك سبيله، فو الله إن الإقدام لا ينقص عمر المتقدمين، كما لا يزيد الإحجام عمر المستأخرين: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}، {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

وإن للموت لسكرات أيها المفتون، وإن خروج الروح شديد ولكن لا تعلمون، وإن للقبر عذاباً لا ينجو منه إلاَّ الصالحون، وإن فيه لسؤال الملكين الفاتنين: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} ثم بعد ذلك الخطر العظيم، إما سعيداً فإلى النعيم المقيم، وإما شقياً فإلى عذاب الجحيم، وأما الشهيد وما أدراكم ما الشهيد فهو آمن من جميع ذلك، ولا يخشى ولا يخاف شيئاً من هذه المهالك، فاسمعوا يارعاكم الله قول رسولكم  : >ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة< فما يقعدكم أيها الإخوان عن انتهاز هذه الفرصة؟! ثم إنكم تجارون في القبر من العذاب، وتفوزون عند الله بحسن المآب، وتأمنون من فتنة السؤال، وما بعد ذلك من الشدائد والأهوال، فالشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، لا خوف عليهم ولا يحزنون، فرحين بما أتاهم الله من فضله مستبشرين، أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في عليين، فكم من فرق بين الشهادة -القتل الكريم-، وبين غيرها من الموت الشنيع الأليم؟!

وإن قلتم: يعُوقنا عن الجهاد أهلُنا ومالُنا، وأطفالُنا وعيالُنا، فقد قال الله تعالى لنا، ولم يترك حُجة عِندنا: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}، فهذه يا متكاسلين من أعظم الأسباب، وقال أيضاً يا من أعجبه جمال وسعة الدور: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} والآيات في مثل هذا الباب كثيرة، والحجج عليكم أيها الناس واضحة منيرة.

وقال رسول الله  : >موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، وغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، وخِمار جارية من أهل الجنة خير من الدنيا وما فيها< وقال: >إن قيام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادته في أهله سبعين عاماً< فهل يصدكم يا معشر المسلمين عن هذا الملك العظيم، أهل عن قريب يكونون في الأموات، قد مزقتهم أيدي الشتات، وفرقتهم نوازل الآفات، مع ما يصدر منهم من الظلم والعداوات، والأخلاق القبيحات السيئات، والحقد عليكم عند أعراض الدنيا الفانيات، وهجرهم إياكم عند قلة المال، بعد تغير الأحوال، وفي المعاد مطالبتهم بمثاقيل الذر عند موقف السؤال، أما سمعتم قول الله تعالى صاحب القول القويم: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} حينما وصف حال ابن آدم يوم القيامة في بحثه عمّا ينجيه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} وإن قلتم: يُقعدُنا مناصبُا الرفيعة، وعزُنا ومفاخرُنا المنيعة، فكم شخص فارق ما أنتم عليه، حتى وصلتم بعد مشقه إليه، وإن قلتم: يشق علينا فراق القصور وظلالها، وبنائها المشيدة وعلو محلها، وحشمنا وخدمنا، وسرورنا ونعيمنا. فيقال لكم: وهل هو إلا بيت من طين وحجر وتراب، وجصّ وحديد وأخشاب، وأثاث ونوافذ وأبواب، إن لم يُكنس تكاثرت فيه القمامة، وإن لم يُضاء فما أشد ظلامه، وإن لم يصان من الخراب أسرع انهدامه.

وأما ما ينتظر المجاهد الشهيد، من قصور وغلمان كالعبيد، فشيء يعجز عن وصفه الخيال، ولا يستوعبه الكلام عدة ليال، فإن في الجنة للشهيد أمر عظيم، وعيش والله وتالله وبالله – كريم، فإن سألتم عن قصورها المترفة، فالقصر منها من لؤلؤة مجوفة، طولها سبعون ميلاً في الهواء، أو من زمردة خضراء باهرة السناء، أو ياقوتة حمراء عالية البناء، وللمؤمن في كل زاوية من زواياها أهل وخدم، ونعيم وحشم، وإن سألتم عن المأكل فمن لذيذ وطيب الطعام، الموجود على الدوام، فثمارها لا مقطوعة ولا ممنوعة، ومن طيبة الأشجار المزروعة، كثيرة جداً لا يغيرها الزمان، وأيضاً: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}.

وإن سألتم عن الجواري الحور، الشبيهات بالنور، القاطنات في القصور، فأمرهن يا إخواني عجيب، ولكل مسلم في الجنة منهن نصيب، فالواحدة كلامها رخيم، وقدها قويم، وشعرها بهيم، وحُسنها باهر، وجمالها زاهر، ودلالها ظاهر، كأنهن والله خلقهن من مرجان: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ}. ثم دمعت عيناه ورفع عقيرته وأنشد:

غادت ذات دلال ومرح

يجد الناعتُ فيها ما اقترح

خُلقت من كل شيء حسن

طيب فالليت فيها مُطرح

زانها الله بوجه جمعت

فيه أوصاف غريبات الملح

وبعين كحلها من غنجها

وبخـد مسكه فيـه رشـح

ناعم تجري على صفحته

نضرة الملك ولألاء الفرح

أترى خاطبها يسمعُها

إذ تدير الكأس طوراً والقدح

في رياض مونق نرجسه

كلما هب له الريح نفح

وهي تدعوه بود صادق

ملئ القلب به حتى طفـح

يا حبيباً لست أهوى غيره

بالخواتيم يتم المفتتـح

لا تكونن كمن جـد إلـى

منتهى حاجته ثم جمـح

لا فما يخطب مثلي من سها

إنما يخطب مثلي من ألح

ثم تَنفس تنفُس الصعداء، ورفع نظره إلى السماء، وحسر عن ذراعيه، بعد أن مد يديه، و دعاء بدعوات، مضمَّنه بأحاديث وآيات، ثم قال: عباد الله..ألا فصلوا وسلموا على النبي المختار، قاهر المشركين والكفار، المحاصرين له في الدار، والباحثين عنه في الغار، عدد ما نبت من شجرٍ، ورملٍ وحجرٍ، وواديٍ ونهر.

فلما سكت عن وعظه وانحرف، وعن موقفه إمام الناس وأنصرف، فما زلت منذ ذلك اليوم، وكأني استيقظت من النوم، ملازم لمواطن الثغور، باحث عن أراضي الرباط والأجور، لعل الله أن ينصرني ومن معي من المسلمين، أو يكتب لي الشهادة وأنا أقاتل أعداء الله الكافرين، فلله در صاحب هذا القول السديد، وقائل هذا البيت من القصيد:

خلق الله للحروب رجالاً

ورجالاً لقصعـة وثريـد.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *