الـمـرأة الـمـسـلـمـة ونـظـام الإرث


د. رضوان بنشقرون


أية دعوة!!

يُتكلم عن إعادة قراءة النص الديني بصفة عامة والنص المنظم للإرث بصفة خاصة، والطريف أن بعض المتكلمين في هذا الموضوع غرباء عن الميدان بُعداء عن إدراك أبعاد النص الذي يتحدثون عنه، وقد يكون ما قرأوه في الموضوع مقالات صحفية أو مقولات لمتطاولين على هذا  الشأن نصبوا أنفسهم للخوض في بحر لا يعرفون له أعالي ولا أسافل، ولا يجيدون السباحة في خضمه، وهو عليهم وبال.

فمتى كان لغريب عن ميدان أن يسمى باحثا فيه؟

ومن الذي يحكم بقطعية النص ثبوتا أو دلالة؟

وهل يقبل من أحد أن يؤول نصا أو يخضعه للتغيرات السياسية أو الاجتماعية أو غيرها؟

فلا الثقافة السطحية المكتسبة من قراءة صحيفة، ولا ممارسة الكتابة الصحفية بمجرد (الصنعة) تقوم دليلا على تعمق المعرفة وليس منـــزلة الصحافي منزلة العالم المتمكن أو الدارس المتخصص المستوعب لمصادر المعرفة ومراجعها.

أي تغيـيـر ؟ وفيم التغـيـيـر؟

هناك أسئلة تتطلب ظروفا أطول وكلاما أكثر بسطا للإجابة عنها:

1- ممن يمكن أن يُستقى الرأي في الأحكام الشرعية؟ ومن الذي يمكن أن يستفتى في ذلك؟

2-  من يملك حق الاجتهاد؟ وما هي شروط الاجتهاد وما صفات المجتهد؟

3- ما شروط الملاءمة بين المعاهدات الدولية وبين النصوص الشرعية، أي الثوابت الوطنية والدينية والمقومات الخلقية التي اجتمعت عليها كلمة الأمة؟

4- هل يملك العلماء أنفسهم أو ولاة الأمر في الأمة أن يخالفوا شرع الله  المفروض أنهم حماته؟

وهناك سؤال لا يطرحه إلا جاهل بماهية النص، وطبيعة النص الشرعي، والفرق بين قطعي الثبوت قطعي الدلالة وبين ظني الثبوت ظني الدلالة، وحقيقة المصلحة، وأين تكمن مصلحة الناس، وما يترتب عن معرفة ذلك من نتائج وأحكام. وهذا السؤال هو: هل يظل النص القطعي قطعيا ولو تغيرت مصالح الناس!!

وبكل بساطة يقال لمن يطرح مثل هذا السؤال: إن نصوص الشرع واضحة لمن انفتح لها بوعي وموضوعية، وإنه يجد فيها ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فلا مجال لتأويله أو تفسيره خارج إطار المنطلقات الإيمانية والمقاصد الشرعية، وما يحتمل بطرق الدلالة المعروفة لدى البلاغيين والأصوليين والمتكلمين وحتى اللغويين تأويلات وتفسيرات متعددة يسند أمر البت فيها إلى المتمكنين من تلك العلوم العارفين بأسرار الدين والشرع ولغة الوحي، ونحن نتحدث عن النص الديني؛ وباب العلم والحمد لله مفتوح ولاسيما في أيامنا هذه لمن شاء الخروج من الجهل واكتساب المعرفة التي – مع شيء من الموضوعية والإحساس بالمقاصد والصدق مع النفس والتزام الحدود- تمكن (الباحث) من الجدارة في الخوض والإصابة في الحكم.

إن قراءة النص قراءة ذكية واجبة منذ نزوله، ولكن مهما بلغ قارئ النص/الوحي من الذكاء فلا يجوز له أن يحمله ما لا يحتمل، أو يوطئه ليلائم الأهواء والدعوات النابعة ممن لا يتمثل الشريعة ولا يقتنع بها {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}(المومنون : 72)؛ وإذا لم يتضح النص القرآني للبعض، أو ظهرت له (النصوص القرآنية) متناقضة أو غير مستجيبة لحالات الواقع فما عليهم إلا أن يدرسوا اللغة العربية وبلاغتها وعلوم القرآن والحديث وتوابعهما ويغسلوا القلوب من التنكر والتنطع فإن “المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى”.

ومن يتوهم أن المشاكل الاجتماعية تنجم عن نظام الإرث وأحكامه في الإسلام، ليعلم أنها إنما تنجم عن عدم تطبيق الأحكام الشرعية، أو عن سوء تنزيلها في الواقع، سواء من طرف السلط بأنواعها أو من طرف الرجال ضعاف الإيمان، أو النساء المنبهرات بكل ما هو دخيل، الجاهلات بحكمة الشرع في تقريراته وأحكامه؛ وليعلموا أيضا أن هناك مشاكل اجتماعية أعوص وأجدر بالاهتمام والتفكير:

فمنها هذا الانحلال الخلقي المتفشي وآثاره السلبية على الأنثى بصفة خاصة.

ومنها سوء تنزيل التوجيهات الشرعية والقانونية المتعلقة بأحكام الأسرة.

ومن يطالب بشيء من التغيير في النصوص أو إعادة قراءتها بمزاج معين، يفتقد الرؤية الشمولية والنظرة الموضوعية والمقاصدية لتطبيق الشريعة على معتقديها ولحياة المرأة ومسار المجتمع.

ومهما كانت الأوفاق الدولية والمعاهدات بين الدول أو مع المنظمات والهيئات فلا يمكن بحال ولا يحق بوجه أن يتجاوز الناس الحدود الشرعية في تبني بنودها؛ وعلى حراس الشريعة بنوعيهم: الدعاة والولاة أن يحرصوا على أمور ضرورية:

1- استحضار المقاصد الشرعية في كل تشريع أو تقنين أو توافق أو تعاهد.

2- استحضار أصول التشريع الإسلامي ومقاصده.

3- تمثل أدوات الرشد في تصريف النصوص وتأويلها، والمعاهدات والقوانين المعمول بها.

المرأة فـي ظل الإسلام:

نذكّر بدءا بأن الإسلام رسالة ومنهج:

فالإسلام رسالة بناء الأفراد الأصحاء والمجتمعات السليمة والدول المترقية والأنظمة الراشدة، بناء يضمن جدوى حياة الإنسان ويهيئه لعمارة الكون بالخير والصلاح ومتابعة الخطى في مجال حفظ الحياة والكائنات وتطويرها في إطار إرادة الخالق البارئ سبحانه وتعالى.

والإسلام منهج لتحقيق حياة العزة والكرامة للإنسان، الحياة التي تحرر الإنسان من كل العبوديات وتمحضه للعبودية المطلقة لله عز وجل، وتدور مع الشرع لأنه يراعي بمجمل تشريعاته وأحكامه مصالح الناس بضرورياتهم وحاجياتهم وتحسيناتهم.

والأمة في الإسلام هي كل راشد قابل للوحي مؤمن به ومنضبط بتعاليمه، ولو كان قلة قليلة من الناس، فلا عبرة بالكثرة إن كانت غاوية، ولا مجال في الحياة لفرد مخرب غاو، فإما صلاح وإصلاح، وإما مواجهة بين الخير والشر ليعم الخير حياة الناس وينبذ الشر ويوقف الشرير عند حده.

والفرد في حكم الإسلام -ذكرا كان أوأنثى- عنصر فعال كريم بعقيدته وأخلاقه وقيمه، حر في تصرفاته واختياراته لا في مجيئه للحياة ولا في مغادرته الكون، محاسب على كل ما يعمله ما بين لحظة تكليفه وساعة موته.

والرجل والمرأة في شرع الله سواء إلا فيما يختص به كل جنس منهما من خصوصيات فيزيولوجية أو سيكولوجية متميزة، فلا مجال في ذلك للتساوي ولا للتفاضل؛ ومن ثم ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في التكاليف الشرعية، وفي الحقوق والواجبات، وفي الثواب والجزاء على الأعمال؛ ولا محل للدعوة إلى المساواة بين الجنسين بالمفهوم الذي يسلب أحدهما شخصيته أو يتجاوز به حدوده أو يبعده عن عقيدته أو يعطل العمل بشريعته.

لقد أعلن الإسلام أن المرأة أحد عنصري تكاثر النوع، وأمر المرأة بما أمر به الرجل من تكاليف العقيدة والعبادة وفضائل الأخلاق، وأعلن أن مسؤولية المرأة المالية والقانونية والمدنية مستقلة عن مسؤولية الرجل ولا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجل أو طغيانه أو سوء تصرفه، ولا ينفعها وهي طالحة صلاحه أو تقواه أو حسن تصرفه، وفتح لهما معا بدون تمييز مجال المشاركة السياسية كبيعة الإمام وإبداء الرأي في النوازل السياسية والمواقف العسكرية والأنشطة الاجتماعية؛ ولم تعد المرأة بمجيء الإسلام كما كان شأنها قبله شيئا يتلهى به أو سلعة تباع وتشترى أو مواطنا بلا حقوق، حتى إنهم كانوا يرون أن المرأة لا يصح أن يكون لها دين؛ ولما جاء الإسلام قرر أن النساء كالرجال في التكليف وفي استحقاق ثواب العمل الصالح، ففي القرآن الكريم:

– {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مومن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقــيرا}(النساء :123)، {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل : 97)، {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض}(سورة آل  عمران).

وأصبحت المرأة بمقتضى التشريع الإسلامي عمودا من أعمدة الأسرة والحياة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في حدود طاقاتها وإمكاناتها وظروفها وخصوصياتها الأنثوية من غير أي تطاول من جنس على خصوصيات الجنس الآخر. راعت الشريعة الإسلامية ذلك وسنت من الضوابط والقوانين ما يكفل لكل جنس حقوقه وواجباته بلا تعارض ولا تضارب ولا تصادم، حتى اعتبرت أكثر الشرائع اعتناء بالمرأة بأن حررتها من الحيف والظلم، وأعزتها من الذلة وصانتها من المهانة. فكانت وثبة اجتماعية ومنهجية وحقوقية لا يدرك أبعادها وحكمتها إلا بعيد النظر سليم العقل موضوعي النظرة.

والإسلام لم ينظر إلى المرأة نظرة ضيقة ترتبط بالزمان أو المكان أو لا تنظر إلا لما تبذله هذه المرأة أو تلك من جهود على المستويات العامة، ولم ترتبط أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية قط بوضعية المرأة في مجتمع ما أو مرحلة تاريخية ما أو بمساهمة المرأة في الحركة الاقتصادية.

ولقد كانت المرأة في أيام نزول القرآن منتجة ومن النساء من كن عمدا في اقتصاد الجماعة أو في مسارها السياسي والاجتماعي، ومع ذلك جعل الوحي النفقة على الرجل وأعفى منها المرأة وفرض لها نصيبا من الإرث ولم يطالبها بأي إنفاق في أي مرحلة وتحت أية ذريعة، وشاركت المرأة المسلمة في الجهاد منذ حدوث المعارك الأولى بين المسلمين وبين غيرهم والوحي ما يزال يتنزل ولكنه  لم يفرض عليها جهادا في أي ظرف مهما كانت الأحوال، ولم يمنعها من المشاركة فيه إن شاءت بمحض إرادتها، أي إنه ترك الأمر للأحوال النسائية الخاصة بكل امرأة على حدة، أو للأحوال السياسة والاجتماعية العامة للأمة، أي للقرار السياسي العام للدولة، والظروف الاجتماعية للمرأة، ولكن لا بد من أن تتخذ التدابير العسكرية والوقائية اللازمة لحفظ كرامة المرأة وصيانتها ووقايتها من شر العابثين ومرضى القلوب، واحترازا من وقوع ما وقع في حروب (حضارة) القرن العشرين بالبلقان حيث بقرت بطون الحوامل واغتصبت العفائف وحمّلت العواتق البريئات بأفعال جيوش الظلم والقهر في حرب الإبادة العرقية التي لطخت جبين (الحضارة) الحديثة.

المراة ونظام الإرث

انطلاقا من تلك الحقائق والمعطيات التي لا يعذر بجهلها من ينتصب للحديث عن المرأة وعن أحكام الشرع، فإن المطالبة بتعديل أحكام الإرث، سواء في ذلك السعي إلى حرمان عصبة من نصيبهم الذي نص عليه في شرع الله، أو توريث عصبة لم يورثهم الله، أو تعطيل القواعد الشرعية المقررة بالوحي، أو النظر بالمنهج البشري القاصر في النص الثابت، فإنما تلك المطالبة تطاول في غير محله وتجاوز للحدود البشرية؛ وإنما يصدر ذلك عن أحد نوعين:

– جاهل بشرع الله وطبيعته وحكمة الشارع في تشريعاته، والحكم على الشيء فرع عن تصوره كما هو مقرر في أبسط القواعد العلمية.

– متطاول على الاجتهاد دون توفر شروطه، وللاجتهاد ظروفه وشروطه وأهله كما هو معلوم.

ومن قال إن التعصيب موضوع عرفي أو تاريخي فإنما يتحدث خارج التدين وبعيدا عن مفهوم الانتماء إلى شريعة من المفترض أن المتحدث ينتمي إليها، والجهل بأبجديات علم الإرث الذي يُعلم من أبسط قواعده، ومن الممارسة النبوية، أن الوارث الواحد قد يرث بالفرض وقد يرث بالتعصيب وقد يرث بالفرض والتعصيب معا، وذلك تبعا للموجود من الورثة والمفقود، وقد يحجب الوارث حجب نقل من فرض إلى فرض، أو من الإرث بالفرض إلى الإرث بالتعصيب، وقد يحجب حجب إسقاط فلا يرث شيئا، والوارث هو هو ودليل إرثه هو هو، مع أنهم جميعا منصوص على فروضهم بالنص الصريح سواء كان الفرض نسبة محددة كالثلث أو السدس أو النصف أو الربع كالأبوين والزوجين والإخوة للأم، أو لم يحدد له نسبة معينة كالابن وابن الابن والأخ الشقيق والأخ للأب وابن الأخ والعم وابن العم.

توريث  الـمرأة

الجديد الذي جاء به الإسلام في شأن المرأة كثير مهم نذكر من أبرزه أنه:

– حرم أنواعا من الزيجات التي تمتهن المرأة أو تضربهاأوتفسدالأعراض أو تخلط الأنساب

– حرم عضل النساء، أي التضييق عليهن وحبسهن ومنعهن من الزواج

– حرم إكراههن على البغاء، والمتاجرة بأعراضهن

– حرم على الناس أن يرثوا النساء كرها

– حرم أن تورث المرأة كما يورث المتاع

ومما يلفت النظر أن بعض هذه المحرمات في المجتمع الإسلامي ما تزال سائدة في بعض الشعوب التي تحسب على التقدم والرقي في عصر الحضارة الباهرة !!

– ورَّثها ولم تكن ترث شيئا فيما قبل، واعتبرها واحدة من الورثة الذين يستحقون نصيبا من تركة المتوفى من أقاربها، قد يقل إلى تقاسم الثلثين مع غيرها وكلما تعدد قل حظها، وقد يصل إلى النصف في حالة انفرادها، ولم يكن نصيب المرأة في الإرث قط دليلا على أنها أقل من الرجل أهلية ولا إنسانية وإنما هو مبني على أساس آخر يتمثل في:

– أن الرجل مطالب بالإسهام في تجهيز بيت الزوجية بطريق المهر الذي يقدمه لزوجته إكراما لها وعربونا على رغبته فيها واستعداده للتضحية من أجلها؛ ومسألة غلاء المهور في وقت ما أو رمزيتها في وقت آخر لا تقف ذريعة لتهوين هذا الركن من أركان الزواج ولا للنيل من حكمته الأولى.

– أن الرجل يتحمل وحده -بحكم الشرع- نفقات الأسرة من زوجة وبنات وأقارب، فإن خالف ذلك الواقع فليعالج بطريقة اقتصادية أخرى لا بالطعن في النص ولا بتعطيل حكمٍ حكم به الله العليم الحكيم.

– أن المرأة في جميع مراحل حياتها أكرمها الإسلام بأن رفع عنها النفقة حتى على نفسها وكلف الرجل أبا أو زوجا أو أخا أو حتى عما أو أي قريب بالإنفاق عليها حتى يتولاه عنه غيره ممن هو أولى إلى أن يؤول الأمر إلى ولي الأمر العام؛ وحتى إذا طلقت فالشرع يضمن نفقتها لفترة معينة ريتما ترتب أمرها أو يتولى الإنفاق عليها من يجب عليه ذلك. وباختصار فالرجل مطالب بكل شيء، والمرأة لا تطالب بشيء، فما أسعدها وأهنأها، وما أشقاه وأقلقه!! وليفكر في إصلاح الأوضاع الاجتماعية في عقول الرجال وفي مناهج الحياة ومساطر التطبيق والتنفيذ لا في تطويع النصوص لظروف نقلد فيها الآخرين أو نبعد الناس بها عن دينهم أو نشجع بها على انتشار الفواحش والمشاكل الاجتماعية والنفسية والأخلاقية.

ولقد قسمت تركات المسلمين، وطبقت أحكام المواريث في عهد النبي  أي في عهد نزول الوحي ولم يكن تطبيق تلك الأحكام مرتبطا باجتهادات الفقهاء المتأخرين أو المذاهب الناشئة، والحالات الاجتهادية أو الفقهية التي يتوهم أنها خرجت عن النص، وسنحلل بعضها لاحقا، من مثل اجتهاد عمر بن الخطاب ] في القضية المعروفة بالعمرية، التي سوي فيها الإخوة للأم مع الأشقاء في الإرث، أو فتوى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المسألة المعروفة بالمنبرية، إنما هي أولا نوازل معدودة لا تتجاوز رؤوس الأصابع، وهي ثانيا إنما حصلت في جزئيات بسيطة لا تمس القواعد الكبرى لنظام الإرث، مما يعتبر دليلا على المرونة لا على الجمود، ولا يعتبر تعطيلا للعمل بالنص، وهي ثالثا حصلت ممن عاشوا الوحي ومارسوا توجيهاته بإيمان ودراية وتمثل واستحضار وتفعيل لحكمة التشريع ومراعية لمقاصده.

لقد بني نظام الإرث في الشريعة الإسلامية على إلغاء صفات الذكورة والأنوثة في أصل الاستحقاق، ونظر إلى أعباء المرأة في حياتها ونفقة أولادها وتكاليف زواجها فحملها عنها ووضعها على كاهل الرجل، فكان من العدل أن يستحق الرجل ضعف ما تستحقه المرأة، وكان إعطاؤها النصف مجرد احتياط للوقاية مما قد يصير إليه أمرها من فقد مصدر الإنفاق عليها.

وأما المسائل المعروفة بالشواذ التي يتوهم أنها تدخل في باب الاجتهاد في هذا العلم بمخالفة نصوصه، فلنأخذ مثالا عنها في المسألتين المعروفتين بالغراوين: وهما فريضتان تنقل الأم فيهما من ثلث جميع المال إلى ثلث الباقي كما ينقل الأب إليه كذلك؛ والأمر في المسألتين معا لا يعدو أن يكون تطبيقا لحكمة الشرع في تقرير قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” وهي كما يعلم كل صاحب قناعة إيمانية حكمة ربانية وليست قاعدة بشرية، فإذا حرص البشر على الاجتهاد ضمن تطبيقها فلا ضير ما دام هذا الاجتهاد لا يخل بشيء ولا يظلم أحدا.

ولنأخذ مثالا آخر من المسألة المعروفة عند علماء الفرائض بالعمرية أو الحمارية، وهي مسألة لم يورث فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه غريبا وإنما اجتهد في مسألة الحجب الذي ليس فيه نص قطعي كما هو معلوم، ولم يسقط وارثا ولا خالف قاعدة، فجمع الإخوة الأشقاء إلى الإخوة للأم في النصيب من الإرث، وقسم بينهم بالتساوي لأن الإخوة للأم معمول بعدم التفاضل بين الذكر والأنثى فيهم منذ عهد النبي  فليس في اجتهاد عمر رضي الله عنه مخالفة لقواعد الإرث وضوابطه ومقاصده.

وعلى ذلك تقاس بقية المسائل الشاذة التي قد يتخيل قاصر الفهم أن فيها اجتهادا للفقهاء خارجا عن إطار النصوص القطعية.

وأما الوصية الواجبة التي أخذ بها المشرع المغربي في مدونة الأحوال الشخصية بعد الاستقلال وطورت في الصيغة المتأخرة لمدونة الأسرة التي قررت في السنوات الأخيرة فإنها لم تدخل أي تغيير على حظوظ الوارثين بالفرض أو بالتعصيب، بل هي تستند، كما ذكر ذلك الشيخ العميد عبد الواحد العلوي رحمه الله تعالى، إلى حكم الوصية بالاستحباب الذي يؤكده الحديث الصحيح أي النص القطعي، فهي اجتهاد في إطار النص ومقاصد الشرع وليست خروجا عن مقتضاه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *