{فطاف عليها طائف من ربّك وهم نائمون فأصبحت كالصريم}


من يرى ببصيرته ما يحدث اليوم في العالم مما يصفه الواصفون بالأزمة أو الكارثة المالية العالمية يدرك أن ذلك مجرد مقدمة لعذاب إلهي، وعقاب رباني لقوم بلغوا في الظلم والطغيان مبلغا عظيما، وأن الآتي من العقاب والعذاب أشد وأكبر وأخزى، فلقد قص الله تعالى علينا قصة قوم أغدق عليهم نعمه، وآتاهم آلاءه، لكنهم قرروا حرمان الفقراء وإبعادهم، والاستئثار بذلك لأنفسهم، فعاجلهم الله تعالى بالعقوبة، ونزع منهم نعمه، وحرمهم آلاءه، وإذا بجنانهم الخضراء تصبح أرضا جرداء، وإذا بأشجارهم المثمرة تصبح….

فماذا حدث بالضبط؟

لقد آتى الله هذه المجموعة من الناس جنة من جنان الدنيا الغنّاء : أرض مخضرة وأشجار مثمرة، وسواقي كثيرة، وعوض أن يشكروا جحدوا، وبدل أن ينفقوا أمسكوا، واتفقوا في جلسة مغلقة، وبعيدا عن الأضواء، وربما في جنح الظلام على حرمان الفقراء والمساكين، والاستئثار بحقهم، ووضعوا خطة محكمة بذلك، حتى يتمتعوا ولا يتمتع غيرهم، وينعموا ولا ينعم الآخرون، تماما كما يفعل الغرب اليوم بخيرات العالم، لكنهم نسوا أن هناك من يسمع كلامهم، ويعلم أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، إنه الله رب العالمين.

وفي الصباح الباكر قاموا مسرعين إلى تنفيذ الاتفاق الظالم في غفلة من الفقراء والمساكين، لكنهم فوجئوا بتبدل الحال، وتغير الواقع : فلا أشجار ولا ثمار، فما الذي حدث؟ لقد تدخلت العناية الإلهية وطاف على الجنة طائف من الله فأصبحت كالصريم، عقابا لأولئك الظلمة، وهذا الطائف جند من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو، ولعله الذي طاف على أبناك المرابين من أهل الغرب وخزائنهم فأصبحت “كالصريم”.

بيد أن الفرق هو أن هذه المجموعة كانت تضم رجلا عاقلا صالحا، نصحهم قبل الكارثة، ثم ذكرهم بعدها، فاعترفوا بالذنب، وأقروا بالخطيئة، فهل في الغرب عموما وأمريكا خصوصا عقلاء يذكرونه بالله؟ وهل الغرب مستعد اليوم -وعلى رأسه أمريكا- للاعتراف بالذنب، والإقرار بالخطيئة؟

أرجو صادقا أن يكون لهم في ما حدث عبرة وموعظة تحملهم على مراجعة سجلهم الإجرامي ضد الكون، وإلا فإن الله تعالى لهم بالمرصاد لأنه يمهل ولا يهمل، قال تعالى : {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربّك وهم نائمون فأصبحت كالصريم، فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، وغدوا على حرد قادرين، فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون، قالوا سبحان ربنا إنّا كنا ظالمين، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين عسى ربّنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون، كذلك العذاب، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}(القلم : 17- 33).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *