تفسيـر سـورة الطـلاق


{ فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا }

أهمية العقل تتجلى في أنه مناط التكليف

لا تكليف لفا قد العقل :

إننا بحكم إنتمائنا إلى هذا الكتاب (القرآن الكريم) لابد أن يكون لنا تصور واضح لمعنى العقل الذي يحترم الإنسان، والعقل الذي يرفع منه الاسلام ويوليه كل تلك العناية.

إن العقل ذو مكانة وذو أهمية  لأن التكليف منوط به، فمن فقد عقله فقد التكليف، والعقل في شريعتنا من أهم الكليات التي جاء الإسلام للحفاظ عليها فحرم الاسلام بسبب العقل التقليد والإمعية والتبعية ومتابعة الآخر وإشاعة الأساطير والخُرافات والدجل والتهريج وكل شيء يحتقر عقل الانسان.

والإسلام هو الدين الذي أطلق عقل الانسان ورفعه من الحمأة التي كان يتردى فيها ولكن بمفهوم إسلامي، فحينما نجهل نحن هذا الأمر يأتي بعد ذلك من يطعن في الاسلام من هذه الزاوية ويأتي من يزعم أن الاسلام لا صلة له بالعقل وأن هناك خطابا دينيا وهذا الخطاب يجانب العقل ويبتعد عنه.

وحينما نريد نهضة عربية في لحظتنا هذه لابد من أن نعيد قراءة الخطاب الديني، لابد أن ننقد الخطاب الديني، كلما وجدتم كتابا عنوانه “نقد الخطاب الديني” فاعلموا إنها عبارة عن كلمة يراد بها نقد القرآن الكريم، من غير أن يصرح صاحبه بذلك، ولو لم يقل إنه يريد أن يصحح القرآن، لأن الفكر الديني عند هؤلاء غيبي ظلامي لا يأخذ بالحياة ولا بحكم العقل، فنحن نحتاج أن نعيد قراءته من جديد وكأن قضية العقل فينا غريبة جدا، ونحن لا صلة لنا بالعقل.

والصواب أن في ديننا تفصيلا في حديث العقل. وفيه حديث مفصل عن قضية العقل ولنا تمييز بين العقل الشهواني والعقل الذي يرتفع إلى أن يصل لُبّا وهو الذي يخاطبه الله تعالى، وبه كان أكرم المخلوقات على الله عز وجل كما ورد في ذلك الأثر.

لا قيمة للعقل المادي الشهواني

لكن المخالفين يقولون إن هؤلاء المسلمين الآن محتاجون لنقد ومراجعة وإعادة القراءة لخطابهم الديني.

ومعنى ذلك باختصار أن على المسلمين أن لا يستعملوا هذا العقل فكل علم لا يكون مقبولا من هذا العقل الشهواني فارفضه سواء كان هذا في الكتاب أو السنة أو في شيء آخر.

أقرأ عليكم فقرة لأحد الكتاب المعاصرين وهو يتحدث عن قضية نقد الفكر الديني لنستخلص بعد ذلك صورة عمّا يريد أن يقول هذا الكاتب ولتخرجوا بتصور عن هذا الكتاب كيف يمكن أن يكون وكيف يمكن أن يسمى؟ هذا الكاتب كتب في كتاب له يسمى “إهدار السياق” الصفحة 37، قال : مازال الخطاب الديني يتمسك بوجود القرآن في اللوح المحفوظ اعتمادا على فهم حرفي للنص (أي إذا كانت موجودة كلمة اللوح المحفوظ فيجب أن لا نفهمها فهما حرفيا يجب تأويلها) ومازال يتمسك بصور الإله الملك بعرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته وجنود الملائكة (العقل لازال يؤمن بالملائكة) وما زال يتمسك بنفس الدرجة من الجزئية (أي لازال يعتقد بالشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال أي الصحف.

هذا هو الفكر الديني الموجود الآن مازال يعتقد بالشياطين والسجلات التي تدون فيها الأعمال.

هذا العقل الأحمق يحتاج  إلى عقل :

والأخطر من ذلك يقول هذا الكاتب : إن تمسكه بحرفية صورة العقاب والثواب أي هذا الفكر الديني يتأكد من أن العقاب والثواب مادي لأن الله تعالى سيعاقب الناس يوم القيامة بصورة العقاب والثواب وعذاب القبر، هذا الفكر الدينيُّ مع الأسف مازال يؤمن بعذاب القبر وبنعيمه. وبمشاهد القيامة وبالسير على الصراط إلى آخره وكل ذلك تصورات أسطورية.

وقد قامت ضجة كبيرة حول صاحب هذه الأفكار في مصر، ومفادها عموما أنه لكي نتقدم وننهض علينا أن ننقد الخطاب الديني لننقح منه ما لا يقبله العقل وليس الخطاب الديني إلا القرآن الكريم والسنة المطهرة.

الله عز وجل أقام للإنسان أدلة لكي يومن بعقله ا لإيماني بالغيبيات :

لكن الذي ينبغي فهمه هو أن حديث القرآن عن هذه القضايا الغيبية حديث يدخل في نطاق ما وراء المادة الذي لا يمكن للعقل البشري إدراكها ويطلب من الانسان الإيمان بها والتسليم (الاسلام) بها، وهو مجال الابتلاء والتكليف ونَصَبَ الله على ذلك أدلة حسيَّةً مادية وجَّه العقل للنظر فيها والانتقال منها إلى ما وراء المادة، والعقلُ هو الذي أثبت النبوة وكَشَف عن صِدْق القرآن.

لا حجة للعقـل المادي في إنكار الغيبيات :

أما العقل الذي ينفي الغيب فهو عقل شهواني يجعل من ذاته وأهوائه مقياس كل شيء وكأنه يريد أن يقول للناس : مالم أفهمْه أنا وما لَمْ أره أنا فليس صحيحًا وليس موجوداً وهذا أمر في غاية النكران، إذ ليس عدمُ الوجدان دليلا على عدم الوجود، فليس كل ما لم يجدْهُ عقلُ فردٍ  ما فهو ليس موجوداً!! وإلا فما القول في اختراعات الانسان الأروبي التي لم تكن موجودةً قديما وصارت موجودة؟! وما القول في اكتشاف عناصر الذَّرة والميكروبات والفيروسات التي لا تُرى ولا تُضبط ومع ذلك يُقِرُّ العقل العلمي بوجودها؟!

وبالتالي فلا يصح لأحد أن يقول : أنا لا أرى الله، إذَنْ هُو غَيْرُ موجود، لأنني لَمْ أره، وعذاب القبر غيرُ موجود والجنة غير موجودة لأنني لم أشاهدْها، فلا يصح الانطلاق من الإقرار بالعجز وعدم الرؤية إلى الإقرار بنَفْي الموجود. أيُعْقل أن يكون الاعتراف بالجهل سببًا إلى إثبات العلم؟! وهل الذي يشهد على نفسه بالجهل تُعْتبر شهادتُه بالجهل حجةً علمية؟! لا، فشهادتُه مقصورةٌ عليه ولا تتعدّاه.

للعقل مجال محدود، ولذلك كان حكمه واحداً من الأحكام المقررة في علم الأصول :

والخلاصة أن العقل له مجالُه الذي يتحرك فيه، ومجالُه محدود محصور، لذلك ميز المسلمون والعلماء عموما بين ثلاثة أحكام : الحكم الشرعي، والحكم العادي، والحكم العقلي، ولكل واحد منها متعلقاته :

> فالحكم الشرعي مستندهُ الكتابُ والسنة، لا يمكنك أن تؤسس أنت حُكْما شرعيا من ذاتك ومن ذهنك، إن الحكم لا يكون شرعيا حتى يستند إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، ولا يمكن تأسيس حكم شرعي من العقل وادّعاءِ أنه شرعيٌّ، فمنهج العلماء في هذا المجال هو البحثُ عن الحكم الشرعي من موارده ومظانه (نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة) ويقوم هذا المنهج على أدوات وطرق يستفاد منها الحكم الشرعي، وهذه الطرق بيّنها العلماء في علم الأصول.

> وهناك الحكم العادي الذي مرجعه العادة مثل جميع هذه الأحكام التي استقاها الانسان من الاختبارات ومن التجارب البشرية هذا يسمى حكما عاديا.

> هناك حكم ثالث يسمى حكم العقل وهو يستند إلى منطق حكم العقل وهو غير الحكم التجريبي، هو حكم عقلي استنبطه العقل من ذاته، لذلك وجب التوكيد على حدود العقل وحدود قدراته، فليس للعقل سلطةُ إصدار الأحكام في كل مجال، إذ من المجالات كالوحي والشرع ممّا لاقدرة للعقل على اقتحام مجاهيله.

خطاب الله تعالى هو خطاب لأصحاب العقول السليمة وهم أولو الألباب :

إذن كتاب الله تعالى إذ ينادي أولي الألباب، ينادي العقول النظيفة المتنورة بنور الوحي يخاطبها لتتحمل هذا الشرع {فاتَّقُوا الله يا أولي الألباب} البشر كلهم مخاطبون، لكن التقوى يخاطَبُ بها فصيل ونوعٌ من البشر هم أولوا الألباب أصحاب العقول بالدرجة الأولي. وهذا معناه أن أحكام الله تعالى أحكامٌ تتوقف على وجود عقول سليمة قادرة على استيعاب الوحي، بمعنى أن هذا الوحي شيء عالٍ وأفكارُه عظيمة جدا لا يستطيع جميع الناس أو كل الناس أن يكونوا في مستواها. إن الذين يتحملون هذا الوحي يجب أن يكونوا ذوي عقول خاصة حتى يفقهوا هذا الوحي، أما عامة الناس ممن تستهويهم الغوغائية والجماعية والفكر الشائع فلا يستطيعون أن يقاوموا هذا الفكر الشائع العام، والشائع العام قد لا يكون إسلاميا أو مطابقاً له، بل قد يكون فكرا بعيدا عن الإسلام فمَن مِن الناس يستطيع أن يسمو بعقله حتى يفهم توجيه الا سلام؟

الإسلام دين العقلاء ويدعو العقلاء :

ولأن الإسلام فكر عال سامق فهو الفكر الذي لا تصل إليه إلا بعض العقول الذكية وهو دين الأذكياء ودين العقلاء ودين الحكماء ودين الصفوة التي تستطيع أن تصل إليه وهذا واقع فلذلك كتاب الله يتوجه إلى أولي الألباب.

فلكي يسلم الناس ويدخلوا في دين الله فيجب أن نرفع من مستوانا و لا يمكن أن تكون أمة إسلامية بمجموعة من الناس الجهال الأميين في مناطق نائية لا يعرفون شيئا ونقول الحمد لله الاسلام لديه أتباع كثر، لا فلتكون مسلما، كن مفكراً عاقلاً، وكن مثقفا، وإلا فإنك لن تمثل الإسلام خَيْر تمثيل.

الذين أسلموا في الغرب كلهم كانوا مفكرين وعلماء وذوي عقول مفكرة :

وإذا نظرنا إلى الفئة التي تسلم في أوروبا والغرب نجد أنها ليست من الناس العاديين، إنهم علماء باحثون في مجالات متعددة دينية وإنسانية وعلمية وكانوا يعملون عقولهم في البحث عن الحقيقة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *