منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري 3/2


د. محمد ناصري – أستاذ بدار الحديث الحسنية –

إذا أيقنا بشرطية الرسالة التي تمد الفئة الراغبة في الرقي بالمبادئ والنظام، وهو ما أكده حال من تقدم -أي تقدم مادي أو روحي أو هما معا- وحال من لم يجد الطريق إلى التقدم بعد، فإن الأمة الإسلامية التي تأسست منذ نزول القرآن لن تقوم لها قائمة بصفتها الإسلامية التي لن تستطيع التنكر لها، إلا بالاستمداد من القرآن: الرسالة والمبادئ والمظاهر التي تحفظ الشعور بوحدة المصير.

وقد لخصت رسالة القرآن في مقدمة هذه الورقة بأنها عمارة الأرض وتسخير مافيها لتحقيق العبودية المطلقة لله تعالى، على وفق المنهج الذي جاء به القرآن لضبط العلاقات التي أشرنا إليها هناك.

وهذه جملة من أهدافها التي أرى أن العالم في أمس الحاجة إليها بالنسبة للفرد و الجماعة:

> أولا : بالنسبة للفرد:

1- تحقيق التوازن الروحي والمادي، من خلال تعليمه ما يحدث له اليقين بوجود الله، وأنه أوجده لغاية العبادة، وما سخر له الدنيا إلا ليتيسر له القيام بأعمال ظاهرة وأخرى باطنة من العبادات المحضة. التي تحدث قدرا من الاتفاق الروحي والنفسي بين المجموعات الانسانية.

2- تلقين مبادئ الفضيلة ذات المصدر الإلهي، لتكتسب صفة الإطلاق، وتزول الحيرة الناتجة عن النسبية، والشك.

3- الترويض على الانضباط، والقابلية للتعايش مع الآخر، من خلال تلقينه فعل المأمورات واجتناب المنهيات التي تضمن المصالح العامة، ويتحقق بها النظام. من خلال ربطها بأصلها الشرعي الإلهي لتكتسب صفة القوة.

4- الانتماء الجماعي من خلال ترسيخ قيم رابطة الأسرة المتكاملة، بدل الأسرة المتجزئة، لأنها المدخل للانتماء الجماعي المتكامل.

5- بناء النشء على عقيدة أبويه أولا، بناء يمكن من تقييم ماحوله على ضوئها، مع تزويده بأدلة صدقها، وصدق مبادئها. لما لذلك من استقرار نفسي للأسرة والمجتمع.

> ثانيا : بالنسبة للجماعة:

1- تحديد المقدسات والعمل على إشاعة حرمتها، وعدم التساهل في الطعن في رموزها.

ضبط حرية الأشخاص بحقوق العامة. وما ذكر سابقا في حق الأفراد يعين على إحداث العادة الفاضلة، التي تكون لها القوة في التـأثير على النفس، منعا أو استجابة.

2- احترام حق الأغلبية في اختيارها في التشريع، مع احترام ماله علاقة بالمقدسات.

3- تنظيم العلاقات تنظيما يندمج فيه أفراده لاتفاقهم على مسألة التقديس وإن اختلفت الكيفية. وهو قدر تتم به وحدة المشاعر والأحاسيس، وتوفر أكبر قدر من الوفاق وتقارب وجهات النظر.

4- الانتساب إلى العلم والعلماء، وهي روح ترفع من قدر المواطن وتنأى به عما يحط من قدره، وتخفف عن الدولة عبء الأمن، ذلك أن الذين لهم سابقة من العلماء ومحيطهم قليلة، خصوصا من لهم الطموح الكبير، والمفروض أن الكل لا بد فيه من قدر من ذلك، له أو لأبنائه.

وفي القرآن الكريم المنهج العجيب في تحقيق هذه الأهداف وغيرها مما لم يذكر

وقد علمنا بالخبر اليقين أن القرآن وحده وإن كان يتضمن هذا فإنه ليس يفعل فعله تلقائيا، فقد بعث الله به محمدا  نبيا معلما ومربيا وإماما، وأخبر أن العلماء هم ورثة الأنبياء، ولا شك أن الموروث ليس إلا صفات النبوة التي لاتقوم الرسالة إلا بها.

والنبي  بين بما لايدع مجالا للشك أن وجود القرآن وحده لاينفع بل لابد ممن يعلمه فيعين على تنزيله، وهم فئة خاصة، هذه الفئة هي التي يلزم أن تحمل موروث النبوة، وهو ما عبر عنه  حين قال أن العلم يختلس، فعن أبي الدرداء ] قال : “كنا مع رسول الله  فشخص ببصره إلى السماء ثم قال هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء فقال زياد بن لبيد الأنصاري كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: “ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم” قال جبير فلقيت عبادة بن الصامت قلت ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء قال صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا”(1). قال الطيبي فكأنه عليه الصلاة والسلام كوشف باقتراب أجله فأخبر بذلك. قال ابن الملك “على شيء” أي من رسول الله (2). وهذا يشير إلى أن المختلس العلم المتوارث بالتعلم من النبي ، وهو ماتدل عليه النصوص والواقع. وقد اشتغل العلماء قديما وحديثا بهذا الصنف من العلماء وهم الذين يعتنون بعلم القرآن وسنن نبي الرحمن، وهم علماء الشريعة الذين يرجع إليهم في أحكام الشريعة.

إلا أنهم خصوا فئة بالذكر والتعيين، وقربوا صفاتها حتى تصير جلية لمن كان يسعى لتحقيقها ومن أهم هذه الصفات: التجرد لهذه المهمة وهي حفظ الشريعة مع الإعراض عن كل ما يتسبب في صرف الجهد أو القلب، وقد عبر الشاطبي رحمه الله تعالى عنهم بأنهم” الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأول أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق حصولها فإن ذلك لا يحتاج إليه، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية(3).

وقد استدل بما يفيد القطع على أن هذه المرتبة تأبى للعالم أن يخالف ما علم غالبا، وهذه الفئة حكم الله تعالى أنها لا تنقطع أبدا وإنما قد يطرأ ما يخفت صورتها، ويضعف تأثيرها.

ولا أرى ما نص عليه رسول الله  حين قال : >لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق<(4) إلا دعوة وإلزاما للأمة بالسعي إلى القيام بما يضمن استمراريتها ظاهرة، وإلا فإنها لن تنقطع، على أن العلماء لم يخلوا فترة افتراض غيابها من توجيه وعناية، وهو ما يؤكد بقاءها بوجه ما مادام طالب علمها قائما(5).

ورسالة القرآن لن يكتب لها قيام إلا إذا ظهرت هذه الفئة، وإن المناهج التي تكونت بها الأجيال السابقة من العلماء وهو يقين، لم نر أنها عقمت بين عشية وضحاها وإن لم نجعل العصمة لها، لكن يبدو أن الأمانة التي هذه المناهج جسر لها هي التي وقع بها الإخلال، ولا يخلو من وجود إضرار أيضا بالحاملين والمحمولة إليهم.

والدليل على أنها فئة خاصة- باعتبار الانتداب الطوعي لا بأي اعتبار يجعلها تحتكر هذه الخصوصية إذ كل مسلم يمكنه بقدر استجابته الانخراط في سلكها- وهذا مادلت عليه نصوص القرآن قال تعالى : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(آل عمران : 104). وقال تعالى : {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}(التوبة : 122). وقال تعالى : {واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان :74).

وقد دل النص والعقل وسنة الله في خلقه أنه لن يكون الجميع داعيا معلما على سبيل الهداية والإمامة، لاضطرار الناس في حياتهم لأهل الصنائع، ولتفاوت الناس في القدرات العقلية، ولأن الإمامة في الدين تتطلب قدرا زائد من الوقت والجهد. وسنة الله ألا تتعطل الحياة فلابد من أن يكون أئمة في إصلاح المال الذي به قوام الحياة، وهما إمامتان قلما تجتمعا.

ففئة أئمة الدين هي قلب الأمة النابض، ولمن أراد أن يعرف مكانتها بلغة زماننا ومن منطلقات غيرنا من الأمم فليتأمل فإنه لا يوجد بلد ذو رسالة أية رسالة إلا وتجد فيه هذه الفئة هي التي تقود أي تسويق للسلع والأفكار والتصورات، مواكبة حاجات الناس الداخلية والخارجية؛ لكنها محكومة بما استقر من ثوابت لا تحيد عنها لمعرفتهم بقيمتها في ضمان الاستمرارية، ولا أحد اليوم ينكر وظيفة الفيلسوف، والمفكر في الدول المتقدمة فقد جعل مهمته هي صياغة النظريات وتوليدها، وهذا المفكر ليس طبيبا، ولا مهندسا ولا مشرعا غالبا… وإن كان له العلم الكافي بمجال التشريع، لكنه يتميز بالقدرة على امتلاك تصورات الأمة التي عنها يصدر في التقدير والحكم، أو نقول بدقة هم الخبراء الذين تشربوا العقائد التي يصدر عنها غالبا أهل السياسة في سلوكهم فهم كالحراس لعقائد أممهم وتصوراتها.

فلا عجب إذا أن نعتني بمن يحمي عقائدنا من التسفيه بغير علم، ويمدنا بما يربطنا برسالتنا، والذي منه نصدر في أحكامنا، وما به نقرأ واقعنا، ونحلل قضايانا ومشاكلنا…

وتحلية المجتمع بهذه الفئة تتطلب وقتا طويلا تنبعث فيه الهمم، لأن الحديث عن فئة تؤثر الآخرة على الدنيا، وتخلص لمبادئها وعقيدتها، وتتمتع بأكبر قدر من الاستقلالية المادية، وتكون قد أعدت منذ الصغر لهذه المهمة، وتجردت لها حال الكبر.  ونؤكد على إعدادها من الصغر لأن العمر وزعه الله تعالى متناسبا مع الواجبات التي كلف بها الإنسان، وأيما إخلال في سيؤثر لا محالة، على القيام بهذه المهمة وبقدر تطور الإنسان ونموه بقدر ما يتعقد أداء الواجبات لا العكس، ذلك أن الواجبات حينئذ تتراكم. ولأن الإمامة قدر زائد على مجرد اكتساب المعارف المطلوبة. قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}( النحل :78). فدلت الآية والله أعلم على أن تعلم الإنسان يبدأ من مراحل مبكرة من العمر، ليتمكن من الإعداد الطبيعي، إذ لااستعجال ولا ارتجال في هذا الأمر.

ومن الصفات الثابتة لهذه الفئة صفة العلم بالكتاب المنزل الذي هو القرآن: العلم الذي تحصل معه النذارة، وتتحقق به بلوغ الرسالة، ويثبت به النظام. قال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}(الأنعام : 19). وقال تعالى:  {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}(المائدة : 67). وقال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين}(التغابن: 12). وقال تعالى:  {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى والرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}(النساء : 83).

وسائر ما ورد فيه ذكر العلم إنما هو في سياق تحقيق العبادة أو الشهادة الحضارية أو القيادة أو تحذير من التولي لما يترتب عن ذلك من فساد، أو خبر عما مضى من أثر البغي وهو وجه من وجوه التحذير.

وإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين آتوا العلم درجات ” وقيدنا الذين أوتوا العلم بما أشرنا إليه من أنه من صار العلم صفة لهم تتحقق به الخشية التي أخبر عنها الله في قوله تعالى:  {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر: 28). وعلمنا أن علم الكتاب في نفسه لا يتحقق به حظ نفسي دنيوي لأن موضوعه لا يتجه إلا إلى تكليف الأنفس التي جبلت على الإباء-بخلاف علم الطب مثلا أو الهندسة أو الإعلاميات أو غير ذلك مما موضوعه صالح لأغراض متنوعة من أمور الدنيا-. إذا علمنا ذلك فإننا نعلم  يقينا سبب قلة من يتجه إلى هذا العلم nمالم تشجع عليه الجماعة المعنية- ومن ثم ما يترتب عليه من ضعف النخبة العالمة عددا أو قوة لأن عددها عادة ما يكون قليلا بالنسبة لغيرها. وليست قلتها من هذا فحسب بل تأتيها القلة من جهة كون صفاتها لا تكتسب إلا بجهد مضني قل من يتحمله، على أن من قاربها أو سار في فلكها يناله من فضلها. ولقد عبر الله تعالى عن قلتها بقوله : {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله  إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}(الأنعام : 116) وهذا لا كما يفهم أنه بسبب الكفر فقط بل أيضا بسبب اعتماد الظن والخرص بدل اليقين واعتماد الثوابت، والحقائق، وذلك لقلة الخبرة وعدم تمكن الصفات التي بها يسدد الرأي وأولها المحافظة على الواجبات والاجتهاد في النوافل بعد اكتمال تحصيل شروط الفهم الصحيح للخطاب من جهة اللغة أولا، ثم القواعد الشرعية ثانيا، والملكة التي لاتتأتى إلا بالتدريب على المحقق من المنتوج الفقهي، وهو أسلوب يمارس في كل علم، كما هو معلوم ومقرر.

وإذا ما أردنا أن نهتدي بالقرآن لاصطناع هذه الفئة لأن الله تعالى قال: {ولتصنع على عيني}(طه:39) وقال تعالى: {واصطنعتك لنفسي}(طه :41) قال السعدي رحمه الله: وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين، وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم، وما تحسبه يفعل، بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه”(6).

وقد قال تعالى عقب هذا الاصطناع “اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري، اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”(طه : 44). فأخبرهم أن يعلماه إن أراد لأن التذكر من لوازم العلم، وإلا فليعظاه لتحدث له الخشية، وهما أمران يتقدمهما علم كاف، وحكمة، وتقوى وخشية، لأن فاقد أحد هذه الأمور لن يحدث في الآخر علما ولا خشية.

فإذا أردنا اصطناع هذه الفئة فإن العلاقة الأسرية التي ذكرت في القرآن عند ذكر أسر الأنبياء والصالحين تمدنا بمنهج هام لاأرى لمن أيقن بضرورة ما نحن بصدده بدا من سلكه.

وسوف نرى في الحلقة القادمة بحول الله أهم معالم هذا المنهج.

——–

1- أخرجه الترمذي في أبواب العلم  باب ما جاء في ذهاب العلم وقال حسن غريب. وهو عند ابن ماجة في السنن وعند الدارمي

2- تحفة الأحوذي 7/345   //  3- الموافقات 1/70

4- أخرجه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقاتلون وهم: أهل العلم.ومسلم كتاب الإمارة باب لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.

5- أنظر كتاب غياث الأمم في التياث الظلم  للإمام الجويني فقد خصه لهذا الأمر.

6- تيسير الكريم الرحمن3/205

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *