سقوط أمريكا ليس (أمنية).. ولكنه (قانون العقاب المعجل)


>إن حقبة الهيمنة الأمريكية قد انتهت، فالأزمة المالية التي تشهدها الولايات المتحدة ستؤدي بالبلاد الى السقوط بنفس الطريقة التي سقط بها الاتحاد السوفيتي سابقا<.. هذا تنبؤ مباشر وقاس كتبه الفيلسوف وعالم الاقتصاد البريطاني: جون غري في مقال بعنوان (لحظة الانكسار في سقوط قوة أمريكا) نشر الأسبوع الماضي، وهو واحد من المقالات والدراسات العديدة التي تحمل النبوءة ذاتها أو التوقع نفسه: في لجة التحليلات والتفسيرات للأزمة المالية والأمريكية الراهنة.. وقد يكون سقوط الولايات المتحدة -بالسرعة التي يتوقعها مفكرون ومحللون وفلاسفة- قد تكون (أمنية) تاريخية تملأ أفئدة كثير من الناس.. منهم الساخط على هذا البلد بسبب سياساته الغبية النزقة.. ومنهم الخالط بين الإدارة الفظة لشؤون أمريكا وبين الشعب الأمريكي (الطيب) -في الجملة-.. ومنهم من هزته نشوة غامرة بالحنين إلى (الماركسية)، وكأن أزمة الرأسمالية تساوي انتصارا متأخرا للماركسية البائدة!!.. ومنهم.. ومنهم.. ومهما يكن عدد الذين امتلأت أفئدتهم ب- (أمنية) سقوط الولايات المتحدة على عجل، فإننا لسنا منهم.. لماذا؟.. لأنه ليس من العقل ولا من الضمير -ولا من الواقعية-: انه كلما غضبت من أحد -فردا كان أو دولة- تمنيت سقوطه وزواله، فالسنن الكونية والاجتماعية أثبت وأدوم وأرفع من هذه الأمنيات الهازلة أو الساذجة أو المتعجلة.. إن الله عز وجل نفسه لم يشأ ان ينزل بالناس عقوبة (الاجتثاث) -على عجل- حين يغضب عليهم، وحين يظلمون:>ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى<. وقد توكد رفع عقوبة الاجتثاث التام ببعثة النبي محمد  وهو رفع يتضمن مفهوما جليلا من مفاهيم قول الله جل ثناؤه:>وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين<.. فمن الرحمة العالمية للناس كافة: ألا ينزل الله بهم عقوبة الاجتثاث والابادة النهائية.. والثالثة -في الجواب عن السؤال الآنف- هي: ان شرع من قبلنا هو شرع لنا: ما لم يأت ما يخالفه في شريعة سيدنا محمد . ولئن دعا نوح على قومه بدعاء المحق والدمار: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا}، فإن هذا التعميم في الدعاء بالمحق: قد جاء في شريعتنا ما يخالفه وينسخه، فقد تهيأت الفرصة للنبي محمد – بأن يطبق الله جبال مكة العظام على المشركين المعتدين الذين آذوا نبي الله إيما إيذاء، فإذا هم في بطون الجبال ركام ورميم، بيد أن النبي الرحيم: لم يهش لعقوبة الاجتثاث هذه، بل فضل (بقاء) الناس -وهم على الشرك- : أملا في صلاح ذريتهم: ان لم يصلحوا هم. وقد قال مقالته الرحيمة الحكيمة : >لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا شريك له<.. أما الرابعة -في الجواب على: لماذا؟- فهي أنه لو أننا كلما غضبنا من أحد تمنينا زواله. فمعنى ذلك: استخدام أداة الطرح أو العد التنازلي في التعامل مع البشر: اليوم نتمنى زوال أمريكا، وغدا نتمنى زوال دولة أخرى أغضبتنا -لهذا السبب أو ذاك-.. وحاصل الطرح -عندئذ- هو (صفر) لأنه من النادر ان تخلو العلاقات من مغاضبات وعداوات.. لذلك كله: لا يمثل سقوط الولايات المتحدة أمنية لنا.

ولقد بلغ السياق -ها هنا- مبلغا شائكا يستوجب ضبطه بنقطتين أو مفهومين متداخلين متكاملين:

أ- مفهوم: التفريق بين الزوال التام وبين العقوبات (المعجلة) النذيرة المكافئة للخطأ. فالنجاة من المحق التام لا تعني السلامة المطلقة من الاضرار ومن العقوبات العاجلة (مثل الزلزال الاقتصادي الذي ضرب أمريكا).

ب- مفهوم: أن الوقائع والمصائر لا تحددها (الأماني) ولا تتحكم فيها. فذات يوم: تفاخر يهود ونصارى ومسلمون: بعضهم على بعض (كل يقول نحن الافضل). هنالك نزل قول الله جل ثناؤه:>ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به<.

هذا هو القانون الاجتماعي الصارم الذي لا يفلت منه أحد:>من يعمل سوءاً يجز به<؟

فهل عملت أمريكا من السوء ما يجعلها تتعرض لهذا النوع من العقوبات الكونية، والجزاءات الاجتماعية والاقتصادية؟

إن ما تواجهه الجمهورية الأمريكية اليوم من أزمة مالية واقتصادية مركبة وقاصمة، إنما هو (نتيجة) لأعمال سوء موغلة في الزمن، ولذلك انطبق عليها قانون >من يعمل سوءاً يجز به<: هنا: في هذه الحياة الدنيا!!. ومن المقدمات السيئة التي أدت الى نتائج سيئة:

1- بعد الكساد الاقتصادي المميت الذي ضرب اقتصاد امريكا (والكثير من اقتصادات العالم) عام 1929: جرى النظر في أسباب هذه الكارثة. وكان في طليعة هذه الأسباب: الحرية الفوضوية، وانعدام الخلق والضمير في (وول ستريت)، ولذا وضعت قيود صارمة على حركة المال والتداول: كعلاج للأزمة الطاحنة، وظلت هذه القيود سارية المفعول حتى عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغن الذي وضع سياسات عرفت بسياسات (تحرير السوق). وبمقتضى هذه السياسة الحمقاء المستهترة: عادت الفوضى وانعدام الذمة والضمير إلى (شارع المال الأمريكي)، وكانت النتيجة انهيارا ماليا واقتصاديا وإفلاسات لها أول وليس لها آخر.

2- كمثال على تلك الفوضى: فقد فتحت الشرطة الفيدرالية تحقيقا موسعا -في الشهر الماضي- عن الفساد في الشركات الأمريكية الكبرى المتعثرة ماليا وهي بنك ليمان براذرد وشركات أي أي جي، وفاني ماي، وفريد ماك. ولقد وضعت الشركتان الأخيرتان تحت وصاية الدولة كي تخضعا لتحقيق الشرطة الفيدرالية، وهي الشرطة التي وسعت نطاق التحقيق ليشمل 36 شركة في بورصة نيويورك، وول ستريت.. هذه هي احدى الثمرات المرة التي اثمرتها فوضى (تحرير السوق) منذ عهد ريغان، أو هي -بتعبير أقرب حداثة- نتيجة لسياسة (الفوضى الخلاقة) في مجال المال والاقتصاد!!.

3- الديْن المالي المرعب الذي يلتف حول عنق الولايات المتحدة. فقد قفز هذا الدين الى 10 عشرة ترليونات دولار (مجموع الأصول والدخل القومي الأمريكي 15 خمسة عشر ترليوناً).

4- فتح دوامات لبلع الأموال الأمريكية -بلا سقف -. ونقصد بهذه الدوامات: حروب بوش – تشيني (وريتشارد بيرل الخ) في أفغانستان والعراق وغيرهما.

5- تصدع (البنية التحتية الأمريكية).. يقول ديفيد وركر (كبير مفتشي الحكومة الأمريكية)، وهو الممسك بالملف الوطني الأمريكي كله.. يقول : >إن الولايات المتحدة الأمريكية تقف الآن على حافة الهاوية، وذلك في صورة سياسات وممارسات لا تطيقها البلاد: تسببت في العجز الشديد في الميزانية، والنقص الحاد في الرعاية الصحية، وتزايد التزاماتها العسكرية الخارجية مما يهدد باندلاع أزمة طاحنة.. إن وضع البلاد يشبه وضع روما القديمة قبل احتراقها وانهيارها. ومن أوجه التشابه والعوامل المشتركة: انحدار القيم الاخلاقية، وفساد النشاط السياسي، والثقة المفرطة بالنفس الى درجة الغرور، والمبالغة في نشر القوات في الأراضي الأجنبية، والتبذير في إنفاق المال العام من قبل الحكومة المركزية.. هناك سياسات خاطئة تمارسها الحكومة في مجالات التعليم والطاقة والبيئة والعراق، ولذا فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة تأهيل وتحديث بنيتها التحتية من الطرقات والمطارات وأنظمة الصرف الصحي والجسور، وإني اعتبر انهيار الجسر في مينيا بلوس جرس إنذار (هناك ثلاثة آلاف جسر معرضة للانهيار). ولقد سلطت الضوء من قبل على عدد من هذه القضايا، وأريد الآن أن أرفع الصوت عاليا لخطورة الموقف وشدة الحساسية، ولارتباط هذه القضايا بأسماء في الحكومة<.

6-التحجر الفكري، أو فقدان الإحساس بتغير الحال. فعلى مدى أكثر من نصف قرن، كان الدولار الأمريكي قويا لأنه كان يمثل 40% من الناتج الاقتصادي العالمي. اما الآن فقد تغير الحال، إذ لا يمثل الاقتصاد الأمريكي اليوم إلا 10% من الناتج الاقتصادي العالمي. وهذه حقيقة تعامى عنها القادة الأمريكان طويلا على الرغم من صيحات مفكريهم وخبرائهم، مع أنها حقيقة مسنودة بحقيقة أشد ثباتا وسطوعا: حقيقة أن الكون ليس فراغا زمنيا ومكانيا للأمريكان وحدهم بل هو ساحة منافسة لقوى أخرى عديدة: تعلمت وأبدعت وأنتجت وتفوقت في الاختبار: في المنافسة الكبرى في الحياة وزينتها: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا}.. أَلا انها مباراة يفوز فيها (الأحسن عملا)، وليس (الأسوأ عملا): في مجال الكونيات والكدح والإنتاج والإبداع.

ذ. زين العابدين الركابي

> الشرق الأوسط ع 11/10/2008

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *