الانتخابات الأمريكية كما عاينتها في أمريكا


مقدمة

لقد قدر لي أن تتبعت الانتخابات الأمريكية عن كثب خلال الفترة الصيفية بعد حصولي على منحة أمريكية مغربية تعرف باسم “فولبرايت” (Fullbright). وقد تمكنت من الاستماع إلى معظم ماقاله قادة الحزبين، الجمهوري الذي يتخذ الفيل شعارا له والديموقراطي الذي يتخذ الحمار شعارا له.

المتغيرات التي تحكم الانتخابات الأمريكية

واتضح لي إجمالا أن هذه الانتخابات تتحكم فيها متغيرات (variables) عدة أهمها متغير الجنوسة (gender)، ومتغير العمر، وكذا متغير العرق، بل وحتى متغير الديانة المسكوت عنه أحيانا، الشيء الذي يوحي بصعوبة الحسم فيها لصالح طرف ما بشكل واضح وقطعي. فهذه سارة بالين -نائبة الرئيس المحتمل ماكين، الأدميرال السابق في حرب الفيتنام والسيناتور الحالي عن ولاية أريزونا منذ العام 1986-  تحاول أن تستميل فئة الإناث بعد إخفاق هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية أمام أوباما. وذاك ماكين (71 عاما) يحاول أن يقنع الناخبين بتجربته العريضة داخل البيت الأبيض التي بلغت حوالي 26 عاما واستماتته في حرب الفيتنام إذ انتهى به الأمر إلى الأسر والتعذيب. وذاك أوباما الديموقراطي )البالغ من العمر 46، المنحدر من أصول إفريقية، والسيناتور الحالي عن ولاية إلينوي- يحاول أن يستغل العرق باعتباره ورقة ضاغطة تحرج دعاة الديموقراطية بالولايات المتحدة الأمريكية. ولو أن أوباما نئ بنفسه عن هذه التهمة بقوله في اليوم الرابع من المؤتمر “إن الأمر لا يتعلق بي، وإنما يتعلق بكم أنتم”.

مشروع الحزبين في الانتخابات الرئاسية

وقد ركز الحزبان في حملتهما الانتخابية على الاقتصاد بالدرجة الأولى الذي يعرف انتكاسة غير مسبوقة ودمارا مهولا للمؤسسات المالية ينذر بدنو أزمة عالمية شبيهة بتلك التي وقعت عام 1929. فشرع كل واحد منهما في تقديم مشروعه الاقتصادي مدغدغا مشاعر الأمريكيين عله يظفر بنسبة أكبر من عدد الأصوات. فأوباما (أو “أبو ماما” كما يحلو للعرب هنا في أمريكا تلقيبه)  يعد بتحسين وضعية الأمريكي اقتصاديا من خلال ضخ 75 مليار دولار عبر تخفيض الضرائب والاهتمام بالطبقة المتوسطة وكبار السن والعاطلين عن العمل ومن خلال أيضا الاعتماد على احتياطي مهم يصل إلى 45 مليار دولار يتم تسخيره عند تردي الأوضاع الاقتصادية. أما ماكين (أو “أم كانون” كما يلمزه العرب أحيانا)، فتعتمد خطته الاقتصادية على التخفيض من ضرائب الشركات من 35 إلى 25 في المائة، وهذا أمر مفهوم إذا كان ماكين -رجل الأعمال الناجح- الذي أخفق في الإجابة عن سؤال بسيط يتعلق بعدد المنازل الذي يملكها. بل إن اهتمامه بعالم التجارة على الطريقة الكلاسيكية وتشبثه بالمادة وحبه للحرب أنساه أن يتعلم شيئا من التيكنولوجيا الحديثة من قبيل التعامل مع الإنترنيت، حيث ثبت أنه يجهل حتى فتح العلبة الالكترونية وقراءة الرسالة الموجهة إليه. استغربت لدى سماعي هذا الخبر، فسألت أساتذة من جامعة آيوا الشمالية حيث كنت أستاذا زائرا، فأكدوا لي المعلومة. لأن ماكين اعترف بهذا شخصيا في حديث له مع أحد القنوات التلفزيونية. وهذا أمر لا يرض الديموقراطيين، الطبقة المثقفة في أمريكا. كما كانت حرب العراق حاضرة بقوة في الحملة الرئاسية. فالجمهوريون يرفضون الانسحاب من العراق والاعلان عن فشل مهمتهم بهذا البلد المسلم، بل إن بالين أرسلت نجلها (19 عاما) مؤخرا إلى العراق ضمن وحدة عسكرية تأكيدا على هذا الخيار. ويسخرون فنانين كبارا لتكريس هذا التوجه الاستعماري بتشجيعهم على زيارة الجيش الأمريكي في العراق لاستنهاض هممه. أذكر مثال شاك نوريس، النجم الهولوودي صاحب الأفلام الوستيرنية الذي صرح في برنامج “السي إن إن” (CNN) الشهير “لاري كينغ لايف” (أحد البرامج التي كانت ترغمني على السهر إلى وقت متأخر من الليل لنزاهة صاحب معدها إلى حد ما) أنه تفقد القواعد الأمريكية المرابطة بالعراق مرتين وشجع على إبقائها هناك بالغالي والنفيس “والتعامل مع الوضع” كما يجب. لقد كنت أحترم هذه الشخصية الفذة كثيرا لدفاعها عن المظلومين في معظم أفلامه، ولكن اتضح لي من خلال الحوار الذي دار مع لاري في هذا البرنامج في 10 سبتمبر 2008 على الساعة الحادية عشرة بتوقيت أيوا (الرابعة صباحا بتوقيت غرينيتش) أنه شخص يكرس الامبريالية الأمريكية، بل وشخص غير هادئ في نقاشه عكس ما تظهر جل أفلامه، إذ كان يقاطع كلام من يخالفه الرأي في هذا الحوار في أكثر من مناسبة بشكل غير مسؤول إلى درجة أن إحدى المشاركات الديموقراطيات اتهمته بالعنصرية ضد النساء.

في حين إن الديموقراطيين يصرون على الانسحاب ويعزون الأزمة المالية إلى النفقات الهائلة التي ضختها الإدارة الأمريكية في الحروب التي تستنزف جيب الشعب الأمريكي الذي أصبح يعيش على “الكريديت كارد” (Credit Card) من يوم لآخر في تلبية أبسط حاجياته اليومية حتى أصبح مدينا لأكثر من مؤسسة مالية جشعة همها الربح وليس قدرات الفرد على تسديد مستحقاته لمدينيه. وقد بلغت جرأة أوباما إلى حد السعي إلى حل الخلافات الدولية عبر القنوات الديبلوماسية ولو كلف الأمر الحوار المباشر مع رؤساء إيران وسوريا وفنزويلا وكوبا وغيرها، مما أثار حفيظة الجمهوريين الذين لا يقبلون التنازل عن عنجيهتهم قيد أنملة.

ولم تخل الحملة الانتخابية من دق ناقوس الخطر في مجال التعليم الذي تدهور بشكل خطير خاصة التعليم ما قبل الجامعي. وقد توصلت إلى هذه الحقيقة شخصيا لما أجريت مقابلات مع بعض الآباء في أمريكا مستفسرا عن مستوى أبنائهم. أذكر أن أحدهم قال لي بالحرف “لا يوجد تعليم ابتدائي في هذا البلد. إن أولادنا يذهبون إلى المدرسة من أجل التسلية. إن المؤسسة ترفض أن تسلمنا الكتب المدرسية المعتمدة داخل الفصل كي نهيأ الدروس مع أبنائنا في المنزل”. أمر في غاية الغرابة!

خلفيات اختيار سارة بالين نائبا لماكين

إن اختيار سارة لهذا المنصب الكبير كان مفاجئا للجمهوريين أنفسهم قبل الديموقراطيين، لأنها ببساطة شخصية تفتقد للخبرة السياسية. وليست لديها أية مؤهلات بخصوص السياسة الخارجية كما عبر عن ذلك الفريق الديموقراطي على لسان الناطق الرسمي باسم أوباما بيل بورتن. ومن جهة أخرى، كان ماكين دوما يتهم منافسه أوباما بعدم الخبرة وبعدم جاهزيته في قيادة البلاد. في تقديري، إن خطة ماكين في هذا الاخيار له أبعاد شتى منها إبلاغ الشعب الأمريكي أن سارة بالين وطنية و”متفانية ومستقيمة وتكافح من أجل ما تؤمن به”، و”إنها تحديدا من نحتاج إليه ومن تحتاجها البلاد لمساعدتي في الكفاح” على حد تعبيره. كما أن الاختيار رسالة إلى اليهود تبلغهم أن سارة لها فكر يهودي تمثل في خطابها داخل كنيسة اسمها “اليهود من أجل المسيح” التي قالت فيه “إن الجيش الأمريكي يتبع إرادة الرب في حربه على العراق” ، أو “إن الحرب على العراق عمل صادر عن الرب” ، أو “هذه حرب خطط لها الرب”. هكذا تتم دغدغة مشاعر الصهيونية اليهودية على حساب العرب والمسلمين: كبش الضحية في كل مناسبة انتخابية. وأما الهدف الرئيس في هذا الاختيار الذي هز أمريكا باسرها هو استمالة أصوات العنصر النسوي. وهذا ما ظهر في خطاب بالين يوم أن سجلت أول ظهور لها حيث أشارت إلى إنجازات سيناتورة نيويورك هيلاري كلينتون في الانتخابات التمهيدية قائلة: “تركت هيلاري 18 مليون شق في أعلى وأقسى سقف زجاجي في أمريكا” مشيرة إلى 18 مليون صوت حصلت عليها كلينتون في الانتخابات التمهيدية ضد أوباما، وأضافت قائلة: “لقد اتضح أن نساء أمريكا لم ينتهين بعد ويمكننا أن نحطم السقف الزجاجي مرة واحدة وللأبد”. أرى في هذا التصريح استخفافا بالشعب الأمريكي، لاعتبارات عدة منها أن: الشعب الأمريكي اعتبر في هذا التصريح ضيق الأفق. وأن ليس له حزب يؤمن به. إذ كيف تجرأ بالين على مخاطبة النساء الديموقراطيات على أنهن أصواتا تنتمي إلى الحركة النسوية وليس إلى المؤسسة الحزبية نفسها التي منحتها هي بالذات منصب نائب الرئيس؟ ولكن الرد جاء سريعا على لسان هيلاري كلينتون في عبارتها المأثورة: “لا لماكين، لا لبالين”. “إن أوباما هو مشرحنا”.

إن بالين حسب المعلومات التي جمعتها من المواطنين المثقفين شخصية عدوانية تحب العنف. ولا تحب إلا نفسها. فلو كانت تؤمن بصدق بمبادئها الكنسية، لتأثر أبناؤها بالقيم الدينية. فالكل يعلم الضجة التي أحدثتها بنتها الحامل خارج المؤسسة الزوجية وهي ماتزال في السابعة عشرة من عمرها. والكل يعلم كيف تدخلت بشكل سافر في فصل زوج أختها، مونيغان من العمل على خلفية رفضه التراجع عن فكرة الطلاق منها.

خاتمة

وفي الختام أقول إن الشعب الأمريكي شعب ودود في أصله. غير أن المرء لا يملك إلا الشفقة من حاله لأن سلوكه وطموحاته ومواقفه لا تعبر عن إرادة حرة مستقلة. وإنما فرضتها الإدارة الأمريكية وهيكلتها وسائل الإعلام التي تديرها اللوبيات الصهيونية. فلو ترك الشعب الأمريكي وحاله دون تأثير حزبي أو إعلامي إيديولوجي موجه، لكان أكثر الشعوب سلما في العالم.

د. عبد النور الخرافي
رئيس شعبة اللغة الانجليزية سابقا – كلية الأداب وجدة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *