فتنة التطويل


إن التطويل المؤدي إلى حرج وفتنة المكلفين مرفوض شرعا في فروض العين، فما بالك بفروض الكفاية، إذ الوعظ والإرشاد فرض كفائي، وقد جاءت الرخصة في الشرع بترك الواجب إذا شق على الإنسان القيام به، كترك الصيام في السفر مثلا(1)، ولقد تقرر هدي الرسول  أن صلاته بالجماعة كانت قصدا، ووعظه للعامة كان وسطا، ليبين بفعله  أن الأمر إذا تجاوز حد الاعتدال فأصبح يجلب المشاق ولا يطاق صار محل فتنة، فقد كان معاذ بن جبل ] يصلي مع النبي ، ثم يرجع فيؤم قومه فصلى العشاء فقرأ بالبقرة  فانصرف رجل فكأن معاذا تناوله، فبلغ النبي  فقال : >فتان فتان ثلاث مرات، أو قال فاتنا فاتنا فاتنا< وأمره بسورتين من أوسط المفصل<(رواه الإمام البخاري).

قال الداودي : يحتمل أن يريد بقوله : “فتان” أي معذب لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى : {إن الذين فتنوا المومنين} قيل معناه عذبوهم(2).

وقد أخبرني أحد الصادقين أنه حضر خطبة الجمعة في أحد المساجد، فأطال الخطيب إطالة متفحشة، والناس من ورائهم الالتزام بأشغالهم ووظائفهم وقضاء حوائجهم إذ يوم الجمعة في بلدنا يوم شغل، فقام رجل فأنكر على الخطيب الإطالة، ثم تبعه في الإنكار جماعة من الناس حتى عمت الفتنة أرجاء المسجد، وهذا ما جعل النبي  يغضب في موعظته التي رواها ابن مسعود ] إذ يقول : جاء رجل إلى النبي  فقال : والله يا رسول الله إني لأتأخر  عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا. قال : فما رأيت رسول الله  في موعظة أشد غضبا منه يومئذ. ثم قال : إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة<(متفق عليه).

قال أبو الفتح اليعمري رحمه الله تعالى : ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله.

إن التطويل يؤدي إلى التنفير،  والخطيب الناجح، والواعظ الموفق هو الذي يبشر ولا ينفر، ويحبب ولا يبغض، قال أمير المؤمنين عمر ] : لا تبغضوا الله إلى عباده، يطول أحدكم صلاته حتى يشق على من خلفه<. وفي رواية عند ابن أبي شيبة أن عمر قال : >لا تبغضوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إماما فيطول عليهم ما هم فيه، ويكون أحدكم قاصا -أي واعظا- ويطول عليهم ما هم فيه<.

وربما جلب الخطيب المشقة لنفسه عند إطالته في موعظته، فيقع له ما وقع لخطيب جامع قرطبة، قال ابن حزم شهدت ابن معدان في جامع قرطبة قد أطال الخطبة، حتى أخبرني بعض وجوه الناس أنه بال في ثيابه.

لقد أمر النبي  بالتجوز في موعظة خطبة الجمعة في عصره الذي لم يكن فيه الإنسان مفتونا بمشاغل الحياة كما هو الحال عندنا اليوم، فكيف والأمر في وقتنا هذا أشد فتنة، فلهذا نجد في هديه أن الأمر إذا كان سيؤدي إلى الفتنة في موضوع العبادة عالجه بالتخفيف، عن أنس ] قال : كان النبي  يسمع بكاء الصبي وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة القصيرة، والسورة الخفيفة<. وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ] قال : >صلى بنا رسول الله  صلاة الغداة، وسمع بكاء صبي فخفف الصلاة، قيل يا رسول الله خففت هذه الصلاة اليوم، قال : إني سمعت بكاء صبي فخشيت أن يفتن أمه<.

فهل أدركنا فتنة التطويل وما يجلب من المشقة للمكلفين في موضوع الدعوة إلى الله. يقول الأستاذ أحمد الريسوني في نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي : ولهذا كان قصد المشقة قصدا باطلا، ومضادا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به.

1- انظر تطبيقات هذه المسألة عند شيخنا وأستاذنا العلامة أحمد لحبابي رحمه الله تعالى في كتابه : أصول الفقه قواعد وتطبيقات.

2- الفتح 344/3.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *