الفكر السياسي القومي العربي المعاصر : بين الأزمة البنيوية والتحديات الواقعية


مقدمة في تحديد المفهوم:

ماذا يراد بالفكر السياسي العربي؟  هل هو الذي أنتجه العرب من رصيدهم الذاتي؟ أم هو الفكر الذي يتكلم عن العرب سواء أنتجه العرب أم غيرهم ؟ وهل هو الفكر السياسي الخاص بالطبقة العربية الحاكمة والنخبة السياسية الموالية لها؟ أم هو الفكر المنسوب للمعارضة؟ أم هو الفكر الذي تمثله الجماهير؟ وهل هو الفكر السياسي للنخب العلمانية المتغربة؟ أم هو الفكر الذي تحمله الحركات الإسلامية ؟وكيف يمكن الحديث عن فكر سياسي عربي واحد في كل أقطار العالم العربي في ظل التباين الإيديولوجي والسياسي والعرقي والديني (عرب مسيحيون في مقابل عرب مسلمين…)؟

لعل التحديد الأولي للفكر السياسي في هذه المقالة يميل إلى اعتبار الفكر السياسي العربي ذلك الفكر الذي استنبت في البيئة العربية قبل استقلال الدول العربية وبعده، مستلهما نموذجه النظري والعملي من النظرية السياسية الغربية وتطبيقاتها العملية، ومثلته النخبة السياسية العربية ذات القناعات القومية العربية العلمانية التي مارست سلطة الحكم والتظيم السياسيين وكان لممارساتها تأثير على الواقع العربي محليا وإقليميا وعالميا.

والغرض من هذا المقال هو تتبع الفكر السياسي العربي وأنظمته التي مارست الحكم وتولت مهام تدبير شؤون البلدان العربية التي وجدت بها، وذلك من زاويتين متلازمتين هما :

أولا: البحث في بعض الخصائص الجوهرية لهذا الفكر التي يفترض أنها كانت وراء هذه الأمراض السياسية الحالية.

ثانيا: البحث في جملة من التحديات التي أصبحت عوائق كبيرة أمام استمرار  هذا الفكر ونظمه ما لم تتم معالجتها معالجة شمولية وذاتية تبعا للإرادة السياسية الذاتية للأمة.

أولا-  بعض معالم الأزمة البنيوية :

> الاستنبات القسري: إن الفكر السياسي العربي الحديث وإن كان قد ظهر مبكرا مع الرواد الأوائل للنهضة العربية فإن هذا الفكر حمل لواءه في البداية المسيحيون العرب ضد الخلافة العثمانية وقد ساعدت الدول الاستعمارية على تعزيز الحس القومي ودعم الحركات القومية للانفصال عن الخلافة العثمانية كما حدث مع الشريف حسين (في شبه الجزيرة العربية) ومحمد علي ومن بعده (في مصر) وكمال أتاتورك (في تركيا).

وبعد إسقاط نظام الخلافة الإسلامية سنة 1924م  الذي كان رمز الوحدة بين العرب والمسلمين، زاد دعم الاستعمار البريطاني والفرنسي للحركات القومية ، وبعد الاستقلال فوت المستعمر سلطة الحكم  لهذه التيارات وأنشأ دولا قطرية ، كما نجحت بعض التيارات القومية (مصر، سوريا، العراق، تونس، الجزائر وليبيا مثلا) في القيام ببعض الانقلابات المدعومة من جهات دولية ومارست السلطة بعد ذلك بزي قومي وفي جوهر أجنبي.

بل إن جامعة الدول العربية باعتبارها كيانا سياسيا ما نشأ إلا لمواجهة فكرة الجامعة الإسلامية بدعم من بريطانيا وفرنسا (ينظر كتاب “الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي”، د.محمد محمد حسين الفصل الأول عن الخلافة الإسلامية والفصل الثاني عن الجامعة العربية)، يضاف إلى هذا الاستنبات القسري للفكرة القومية والتمكين لحامليها سياسيا إلباس العباءة القومية لباسا إيديولوجيا هو نفسه مستورد من القطاع الغربي اللبرالي الرأسمالي، أو من القطاع الاشتراكي، فنشأ الفكر السياسي العربي نشأة قسرية في بُعْده القومي ونظامه السياسي العلماني ، وإن ظل في طقوسه ومراسيمه في الظاهر متمسكا بالإسلام!!

> – تغليب الروح القومية على الروح الإسلامية: الخاصية الثانية التي ميزت الفكر السياسي العربي وأنظمته باعتباره قوميا هي أنه نهج مسلك معاداة الروح الإسلامية والتوجس من الفكرة الإسلامية والخلافة الإسلامية، وتغليب انتمائه للقومية العربية وتعزيز العمل العربي ضمن جامعة الدول العربية أكثر منه ضمن منظمة المؤتمر الإسلامي، بل سارت الأنظمة العربية الحالية تنظر بعين الريبة والشك في نوايا الدول الإسلامية المجاورة للمحيط العربي والتي  أصبحت قوى إقليمية وازنة في النظام الدولي إقليميا وعالميا(المشروع الإيراني (الفارسي)، والمشروع التركي).

بل إن البعض يرى أن الحاجة إلى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي كانت بسبب الحاجة إلى مقاومة التيار القومي الشيوعي!!

وفي نفس سياق التغليب المقصود قام القوميون العرب بإنشاء جهاز مفاهيمي فكري مناقض لكل ما هو إسلامي بقصد إبراز الخصوصية الحضارية للعرب وإيجاد السند التاريخي، وهكذا عوض القوميون كل إنجاز أو فعل إسلامي بما هو عربي مثل الحضارة والتراث والفلسفة والعلوم والعقل والنهضة العربية مقابل الصفة الإسلامية لهذه المفاهيم، والصراع العربي الإسرائيلي مقابل التدافع الإسلامي اليهودي والصليبي،…

وهكذا راح زعماء الفكر القومي ومنظروه يستبدلون كل ما هو إسلامي بما هو عربي إمعانا منهم في إخفاء المعالم الإسلامية في التفكير والتعبير والتدبير، وإصرارا على فصل الوجدان المسلم عن هويته وانتمائه الحضاري وتغريبه باسم القومية العربية الفاشلة وشعاراتها البراقة.

>- تغليب العلمنة والتغريب  على الأسلمة والتعريب: الخاصية الثالثة من خصائص الفكر السياسي العربي ونواقصه هو تغليبه للعلمنة والعلمانية وفرضها على المجتمع العربي المسلم بالقهر في السياسة والاقتصاد والقضاء والتعليم والإعلام والإدارة وسائر مظاهر الحياة العامة، وفي عهد الأنظمة السياسية العربية القومية والعلمانية تراجع مستوى اللغة العربية علما وتعليما وإعمالا، وتخلفت عن مستوى اللغات الأجنبية واللهجات العامية واللهجات القومية، ولم تعد أداة التواصل اليومي ولا لغة التعليم والإعلام والإدارة بالشكل المطلوب، كما تراجعت كثير من الأنظمة العربية عن مشروعات التعريب التي كانت – رغم نواقصها – تجارب رائدة لكنها أجهضت وأفرغت من محتواها تحت ضغط اللوبيات المحلية المتغربة والضغوطات الأجنبية المباشرة.

وهكذا أصبحت العلمانية في الفكر العربي المعاصر عامة والسياسي منه خاصة منظومة متكاملة في علمنة المجتمع العربي المسلم وتغريبه، والابتعاد به عن جذوره اللغوية والثقافية والانسلاخ عن هويته الإسلامية، فنابت مناب الغرب في أداء كثير من أغراضه وتحقيق مآربه.

وإن المتتبع للشأن العربي الإسلامي ليلاحظ أن الاتجاهات القومية بشقيها اللبرالي واليساري نجحت في علمنة المجتمعات العربية المسلمة وتغريبها أكثر مما نجح الغرب في ذلك سواء في مرحلة الغزو الاستعماري العسكري أم في مرحلة الغزو الثقافي بعد ذلك!!

> – تغليب الاستبداد على العدل: وفي هذا المستوى السياسي يمكن القول إن السلوك السياسي الذي غلب على النخبة السياسية التي تسير شؤون البلاد ا لعامة والخاصة هو سيادة الاستبداد السياسي  والقهر الاجتماعي  والتضييق على الحريات العامة وملاحقة المعارضين بجميع أصنافهم والإسلاميين منهم بالخصوص، ولا يزال المواطن العربي المسلم يذكر واقع القمع المبالغ فيه في حق الحركات الإسلامية (حالة مصر الناصرية وما بعدها و سوريا والعراق البعثيتين وليبيا وتونس والجزائر وجنوب اليمن…).

وعلى المستوى الاجتماعي عرفت الدول العربية التي حكمتها أنظمة قومية ليبرالية أو اشتراكية تفاقمت ظواهر الفقر والجهل والمرض والتهميش والبطالة والفساد الإداري والمحسوبية، مما رفع درجات الاحتقان السياسي والاجتماعي إلى مستويات عليا أفقدت الأنظمة الحاكمة مصداقيتها الجماهيرية لولا القوة القمعية الداخلية والمساندة الخارجية، والغريب أن كل هذه الأنظمة رفعت شعار الديمقراطية وتبنت مشاريع الإصلاح السياسي لكنها كانت ديمقراطية شكلية، وانتقائية، وإصلاحات صورية لم تغير من الواقع العربي شيئا سوى الزيادة في مستوى تردي الحقوق السياسية والاجتماعية.

>- الانحسار في الطبقة السياسية والفكرية ذات الولاء للغرب اللبرالي والاشتراكي:  بسبب الخصائص السابقة لم تستطع النخبة السياسية العربية أن تلقى تجاوبا كبيرا من الجماهير العربية المسلمة وظلت في شبه عزلة عن الجماهير عاجزة عن إيجاد السبل الحقيقية لرتق صدع هذا التباعد ، ورغم ما تظهره نتائج الاقتراع من تفوق بعض الأحزاب العلمانية القومية فإنها تحصل على ذلك في ظروف تلفها تهم الغش والتزوير، في غياب المنافسين من الحركات الإسلامية بعد تحييدهم من الطريق والزج بهم في السجون وحظر أحزابهم وملاحقتهم بتهم مصنوعة في الخارج!! مما يزيد من نقمة الشعوب العربية المسلمة على هذه الأنظمة وأحزابها وسياساتها، ويعمق عزلتها الجماهيرية.

> – تغليب المعالجة الأمنية والعسكرية على  المعالجة الشمولية: وأهم الخصائص التي جعلت الفكر السياسي العربي يدخل اليوم أزمته الحادة هو تفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية وهيمنة التدخل الأجنبي لمراقبة الأوضاع الداخلية والتحكم فيها وإملاء الفتاوى السياسية والاقتصادية الجاهزة إما من الدوائر السياسية والعسكرية للدول الكبار أو من المؤسسات المالية الكبرى (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) مما جعل البلدان العربية تشهد غليانا في كل مكان وأشكالا متعددة من الاحتجاج والرفض وانفلاتات أمنية متنوعة، وحركات تمرد وانفصال تطل من هنا وهناك بين الفينة والأخرى، لم تملك الدول العربية من علاج له سوى الاستئصال بالعنف وإحكام القبضة الحديدية وتسخير مؤسسات البلاد لقمع الحريات وتشريع قوانين المحاكمات بتهم “الإرهاب” والمس بأمن الدولة ومقدساتها،  ومحاكمة النوايا قبل الأفعال، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والعسكرية في المتابعات والملاحقات والتعسف في استعمال كافة أساليب التعذيب لانتزاع الاعترافات، من غير محاولة التفكير في الحلول القمينة بإيجاد أرضية للحوار والتوافق بين أبناء البلد الواحد على أسس العدل والحق وترجيح كفة المصالح العليا للدين وللعباد بعيدا عن التعصب والتحيز الإيديولوجي والقومي والفئوي والطبقي…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *